لقي الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي وزوجته والعديد من كبار ضباط الجيش والمسؤولين البولنديين حتفهم أمس جراء تحطم طائرة روسية كانت تقلهم عائدين إلى بلدهم، ما أسفر عن مصرع جميع ركابها ال96 قرب سمولنسك غرب روسيا وسط أحوال جوية سيئة.
وكانت الطائرة تقل، إلى جانب كاتشينسكي، عددا من كبار المسؤولين البولنديين من بينهم نائب رئيس البرلمان وكبير مستشاري الرئيس، ورئيس البنك المركزي البولندي سلافومير سكرزيبك، وقائد أركان القوات المسلحة فرانسيشك غاغور، والعديد من قيادات الجيش، بالإضافة الى الرئيس البولندي السابق في المنفى جيرزي سزماجدزينسكي.وكانوا جميعا في طريقهم إلى منطقة كاتين الروسية لإحياء الذكرى الـ 70 للمذبحة السوفييتية التي راح ضحيتها 22 ألف ضابط بولندي ابان الحرب العالمية الثانية.وذكرت وكالة «ريا نوفوستي» نقلا عن مصدر أمني مسؤول أنه تم العثور على جثمان كاتشينسكي في موقع سقوط الطائرة غرب روسيا.ولم يعرف على الفور عدد الركاب الذين كانوا على متن الطائرة، وتحدث تقارير أولية عن أن عدد الركاب يبلغ 132 ولكن مسؤولين قالوا في وقت لاحق انه كان هناك 80 راكبا والطاقم المؤلف من سبعة أفراد. ونقلت «نوفوستي» عن رئيس لجنة التحقيق الروسية فلاديمير ماركين قوله إن الطائرة كانت تقل على متنها 132 شخصاً.
وقال ماركين «تحطمت طائرة الرئيس البولندي (تو 145) في مقاطعة بشورسك في إقليم سمولنسك بينما كانت تهبط وسط ضباب كثيف في مطار سيفيرني، وكان على متنها 132 شخصاً، بمن فيهم الرئيس وزوجته»..فيما أفادت وكالات الأنباء الروسية نقلا عن وزارة الحالات الطارئة الروسية ان «96 شخصا بينهم 88 شخصا أعضاء الوفد البولندي كانوا على متن طائرة توبوليف 154 التي تحطمت (في غابة) قرب سمولنسك».***تصادم مع الأشجار***وأوضح حاكم المنطقة سيرغي انتوفييف ان «الطائرة ارتطمت بأعلى الأشجار وسقطت وتحطمت». وأوردت وزارة الخارجية البولندية للتلفزيون البولندي نفس الرواية..في وقت صرح مصدر امني روسي ان من المرجح ان يكون الخطأ البشري هو السبب وراء الكارثة الجوية السياسية. وفي السياق، قال مصدر في أجهزة الأمن الإقليمية، رفض كشف النقاب عن هويته، لوكالة «ريا نوفوستي» للأنباء الروسية انه «من المفترض ان يكون خطأ من جانب طاقم الطائرة خلال مناورات الهبوط تسبب في تحطم الطائرة»..في ظل تقارير عن أن السلطات الروسية اقترحت على الطاقم البولندي الهبوط في مينسك او موسكو بسبب كثافة الضباب لكن الطيار رفض الاقتراح وحاول مرارا الهبوط قرب سمولنسك.
العثور على الصندوق
وبينما أقامت السلطات الروسية طوقاً امنياً حول مكان الكارثة على بعد 420 كيلومتراً غرب موسكو حيث ما وصل رجال الإطفاء والإغاثة بينما كانت بعض أجزاء الطائرة تحترق.. نقلت وكالة «انترفاكس» عن مصدر في الإدارة المحلية في سمولنسك انه «تم العثور على احد الصندوقين الأسودين (للطائرة) في مكان الكارثة الجوية».
تعاز روسية
وقدم الرئيس الروسي ديمتري مدفيديف ورئيس وزرائه فلاديمير بوتين تعازيهما إلى السلطات البولندية وعائلات الضحايا، متعهدين بتحقيق دقيق في الحادث. وأعلن مدفيديف تعيين بوتين رئيسا للجنة التحقيق في قضية تحطم الطائرة، وأرسل وزير الطوارئ سيرغي شويغو ومسؤولين بارزين في مجال الطيران والمحققين إلى موقع تحطم الطائرة.
فوضى حكم.. وحداد
وإثر مقتل ليخ كاتشينسكي، تولى رئيس مجلس النواب في البرلمان البولندي برونيسلاف كوموروفسكي مهام رئيس الدولة طبقا للدستور.
وكوموروفسكي هو المرشح الرسمي للحزب الليبرالي المدني إلى الانتخابات الرئاسية المقررة هذا الخريف، والتي كان من المفترض ان يخوضها ضد كاتشينسكي مرشح اليمين المحافظ.
وبعيد الحادث، أعلن الرئيس البولندي بالوكالة برونيسلاف كوموروفسكي الحداد الوطني لمدة أسبوع، وقال في كلمة إلى الشعب: «نحن متحدون، لا (انقسامات سياسية بين) يسار او يمين، نحن متحدون في حداد وطني».
في هذه الأجواء الكارثية حيث خسرت بولندا جزءاً كبيراً من الطبقة الحاكمة، أعلن الناطق باسم الحكومة بافل غراس ان مجلس الوزراء البولندي سيعقد جلسة طارئة في وارسو في اسرع وقت ممكن، مشيرا إلى أن البلاد ستجري انتخابات رئاسية مبكرة.
وقال إنه «تنفيذاً لاحكام الدستور علينا ان نجري انتخابات رئاسية مبكرة» وحدد لها يونيو المقبل موعداً، وأضاف: «أما بالنسبة إلى الوقت الراهن فان رئيس مجلس النواب بالبرلمان برونيسلاف كوموروفسكي أصبح تلقائيا... الرئيس بالنيابة».
ويقول فقهاء القانون الدستوري انه يتعين إعلان موعد الانتخابات خلال أسبوعين على أن تجري الانتخابات خلال شهرين من هذا الإعلان.
ليخ... من ممثل صغير إلى رئيس بولندا
ذاع صيت الرئيس البولندي ليخ كاتشينسكي، الذي تولى منصب الرئاسة في ديسمبر 2005 ولقي حتفه أمس عن عمر ناهز 60 عاما، في بولندا منذ أن كان في سن الثانية عشرة حيث كان الطفل الأشقر يشارك في أفلام سينمائية عن قصص خرافية مع شقيقه التوأم ياروسلاف.
وولد الشقيقان ليخ وياروسلاف في 18 يونيو 1949 في وارسو. وشارك والداهما في تمرد وارسو ضد الاحتلال الألماني خلال الحرب العالمية الثانية. ودرس ليخ كاتشينسكي الكاثوليكي الحقوق واهتم بالمجال السياسي.
وكان كاتشينسكي ناشطا مناهضا للشيوعية في سبعينات القرن الماضي ودعم زعيم نقابة تضامن العمالية ليخ وإليسا خلال احتجاجات للنقابة عندما كان يعمل مستشارا في لجنة إضرابات في جدانسك العام 1980.
وأسس كاتشينسكي مع شقيقه ياروسلاف حزب «الحق والعدالة» الوطني المحافظ، ودعا إلى تأسيس دولة قوية، كما أكد على القيم الوطنية. وتولى كاتشينسكي منصب وزير العدل البولندي خلال الفترة من العام 2000 حتى 2001.
ومنذ أن تولى كاتشينسكي رئاسة البلاد أصبحت بولندا تعتبر «جمهورية التوأم»، حيث تولى شقيقه التوأم الذي يشبهه بشدة، ياروسلاف، منصب رئيس وزراء بولندا منذ عام 2006 حتى العام 2007. وتزوج ليخ كاتشينسكي من الاقتصادية ماريا في العام 1978، والتي لقيت حتفها معه على الطائرة ولهما ابنة مارتا.
تاريخ
حوادث طيران رئاسية
ـ وقع العديد من رؤساء وكبار مسؤولي الدول في العالم ضحية حوادث الطيران التي تجري عادة تكتم شديد حول أسباب وقوعها.
ـ ولعل بعض أشهر الحوادث الجوية عربيا، مقتل الرئيس العراقي الأسبق عبدالسلام عارف بسقوط طائرته المروحية فوق منطقة النشوه جنوبي العراق (شمال البصرة) في 13 ابريل 1966حين كان يقوم مع عدد من مرافقيه ووزرائه بزيارة تفقدية لمحافظة البصرة، ولم يتم التوصل إلى كشف سر سقوط أو إسقاط طائرته المروحية لحد الآن.
ـ أما حادثة الملكة علياء ملكة الأردن سقطت بها الطائرة التي كانت تستقلها عام 1978 بكل من كانوا معها والتي كانت تقلها أثناء توجهها إلى جنوب الأردن في رحلة تفقدية للمناطق النائية وسمي مطار عمان على اسمها منذ ذلك الحين.
ـ وفي 3 يوليو 1979 قتل الرئيس الموريتاني مصطفى ولد السالك في حادث تحطم طائرته.
ـ ومن أهم حوادث الرؤساء والمسؤولين التي أثرت في المستقبل السياسي مقتل الرئيس الباكستاني محمد ضياء الحق وبعض كبار قادته في 17 أغسطس 1988 بعدما انفجرت قنبلة بطائرته وتناثرت أشلاء الجميع محترقة.
ـ وفي الهند قُتل رئيس وزراء ولاية اندرا براديش س.ر.ريدي، أحد الساسة المؤثرين في الهند، في حادث تحطم طائرة هليكوبتر بتاريخ 3 سبتمبر 2009.
ـ وتعد القارة الإفريقية أكثر مناطق العالم التي شهدت مقتل عدد كبير من قادتها في حوادث الطيران، ولعل أبرز هذه الحوادث مقتل النائب الأول السابق للرئيس السوداني وزعيم تمرد الجنوب جون قرنق في يوليو تموز 2005 في تحطم مروحية رئاسية أوغندية كانت تقله في جنوب السودان.
ـ وشهد السودان تحطّم عدة طائرات عسكرية منذ العام 1998، ففي فبراير 1998 تحطّمت طائرة عسكرية في ولاية أعالي النيل كانت تقل النائب الأول للرئيس البشير آنذاك الفريق الزبير محمد صالح والذي قتل مع مجموعة من العسكريين والمدنيين وصل عددهم إلى 20 شخصاً.
ـ أما في شرق إفريقيا، فيعدّ سقوط طائرة تقل رئيسي جمهوريتي بوروندي ورواندا جوفينال هابيار يمانا وسيبرين نتاريميرا ومقتلهما في 6 أبريل 1994م فوق سماء كيغالي الأهم، حيث نشبت على الفور أحد أعنف الحروب الأهلية في العالم وراح ضحيتها قرابة مليون شخص.
ـ وكذلك لقي أمين عام منظمة الأمم المتحدة داغ همرشولد مصرعه في حادث تحطّم طائرة في العام 1961 أثناء مهمة للتفاوض بشأن وقف إطلاق النار في الكونغو.
ـ وفي 1986 قتل رئيس موزمبيق سامورا ماشيل لدى تحطم طائرته أثناء عودته من مؤتمر في زامبيا. وهو أول رئيس لموزمبيق بعد الاستقلال عن البرتغال.
قادة العالم تحت وقع الصدمة
عبر قادة وزعماء العالم أمس عن صدمتهم وأسفهم الشديد لوفاة الرئيس البولندي وزوجته والعديد من كبار ضباط الجيش والمسؤولين البولنديين، وسط أجواء الصدمة.
وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون عن «صدمته» لمصرع الرئيس ليخ كاتشينسكي. وذكر بيان للمنظمة الدولية أن الأمين العام صدم عندما تبلغ بحادث الطائرة الذي أودى بحياة الرئيس البولندي، وأضاف: «باسم الأمم المتحدة يقدم الأمين العام تعازيه الصادقة لشعب بولندا وحكومته وعائلات الضحايا».
وأعربت رئاسة الاتحاد الأوروبي، التي تتولاها اسبانيا حاليا، عن تضامنها مع بولندا، وأعرب وزير الخارجية الاسبانية ميغيل انخيل موراتينوس عن التضامن مع شعب وأمة بولندا في هذه الفاجعة.. فيما وصف رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون كاتشينسكي بأنه كان من «الشخصيات المحورية في تاريخ بولندا السياسي الحديث».
وقال على هامش تجمع انتخابي في اسكتلندا إن «العالم بأكمله متكدر وحزين». وأعرب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن «تأثره الشديد» و«حزنه العميق».
وأشار بيان صادر عن الإليزيه إنه «في هذه اللحظات الأليمة يوجه الرئيس كامل تعاطفه مع عائلة الرئيس كاتشينسكي وكافة عائلات ضحايا الحادث ويحرص على التعبير لهم، باسمه شخصيا وباسم الشعب الفرنسي، عن تعازيه الحارة».
بدورها، أعربت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن صدمتها، وقالت على هامش زيارتها لقيادة عمليات الجيش الألماني: «إنني مصدومة بشدة إزاء سقوط الطائرة ومقتل الرئيس البولندي».
كما بعث الأمين العام لحلف شمال الأطلسي(الناتو) «بأحر تعازيه» للشعب البولندي في وفاة رئيس البلاد وعدد من كبار المسؤولين. وقال أندرس فوغ راسموسن في بيان له «بالنيابة عن كافة اعضاء الناتو وبالأصالة عن نفسي أعرب عن خالص عزائي لشعب بولندا ولعائلات الرئيس والسيدة كاتشينسكي وكافة الضحايا».


