يتوجه السودانيون اليوم للاقتراع في أول انتخابات تعددية منذ 24 عاما تبدو محسومة لصالح حزب المؤتمر الوطني بزعامة الرئيس عمر حسن البشير بعد انسحاب أقوى المنافسين من تحالف أحزاب المعارضة من السباق الانتخابي.

وبدا أن كثيرا من السودانيين زاهدون في الذهاب إلى صناديق الاقتراع لقناعة بعضهم بأن النتيجة أصبحت في حكم المؤكد لصالح حزب المؤتمر الوطني فيما يشعر البعض الآخر بإحباط من مواقف المعارضة التي انسحبت في الجولة الأخيرة من الماراثون الانتخابي.ولم يتبق في مواجهة البشير من المرشحين الأقوياء سوى اثنين هما: حاتم السر مرشح الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني وعبدالله دينق نيال مرشح حزب المؤتمر الشعبي المعارض بزعامة حسن الترابي.وبعد التصويت، من 11 إلى 13 إبريل، يفترض ان تعلن اللجنة الانتخابية نتائج التصويت الأحد المقبل. وفي حال لم يحصل احد المرشحين الى الرئاسة على نسبة 50 في المئة من أصوات المقترعين زائد صوت واحد، وهو امر قليل الاحتمال، سيتم تنظيم دورة ثانية في 10 و11 مايو.***نزوح إلى الدوائر***ومنذ الخميس الماضي غادر المئات العاصمة السودانية الخرطوم إلى مناطقهم الأصلية في الأرياف والمدن المجاورة بسبب شائعات بأن أيام الاقتراع الثلاثة ستكون عطلة سيفرض فيها حظر للسفر بين المدن والولايات..

في وقت بدأ حزب المؤتمر الوطني في الترتيب لعمليات نقل وترحيل الناخبين لمراكز الاقتراع من منازلهم ليضمن تحقيق النصاب القانوني للاقتراع بعدما أعلنت مفوضية الانتخابات أن النسبة التي يمكن ان تجعل الانتخابات ناجحة هي 70 في المئة من إجمالي عدد الناخبين المسجلين في القوائم الانتخابية وعددهم 5 .16 مليون ناخب سيدلون بأصواتهم في 13 ألف مركز لاختيار رئيس للبلاد من بين ثمانية مرشحين بعد انسحاب أربعة ورئيس لحكومة الجنوب وحاكم الولايات الـ 25 بجانب نواب البرلمانات في مستوياتها الاربعة القومية والاقليمية للجنوب والولائية والمحلية ويتنافس عليها 13850 مرشحا لشغل 1831 مقعدا برلمانيا ومنصبا تنفيذيا.

وفضلا عن المخاوف من عدم حرص الكثيرين على الذهاب الى مراكز الاقتراع فان هناك تحديات أخرى تواجه عملية الاقتراع بينها أن الناخبين السودانيين يفتقرون الى الخبرة في انتخابات وصفها الخبراء بأنها الاكثر تعقيدا على الاطلاق لانها تشمل ثلاثة أنظمة مختلفة للتصويت.

فالانتخابات تجري وفق النظام المختلط الذي يجمع بين الأغلبية المطلقة والأغلبية النسبية والقائمة النسبية.

وحتى مساء الأمس، كانت الضبابية عنواناً لموقف الحركة الشعبية لتحرير السودان بشأن مقاطعة الانتخابات في شمال البلاد أو المشاركة فيها في ضوء تضارب مواقف قياداتها، في وقت اتهم فيه تحالف أحزاب المعارضة حزب المؤتمر الوطني الحاكم بقيادة البلاد نحو أزمة كبرى.

اختلاف في الحركة الشعبية

فبعدما نفي رئيس الحركة الشعبية سلفاكير ميارديت في تصريحات لـ قناة «الجزيرة» الفضائية أن تكون الحركة قد اتخذت قرارا بمقاطعة الانتخابات في ولايات الشمال..

رد نائب الأمين العام للحركة ورئيس قطاعها الشمالي والمرشح الرئاسي السابق ياسر عرمان قائلاً إن قيادة الحركة هي التي كلفته بإعلان مقاطعة الانتخابات في الولايات السودانية الشمالية.

ونقل عن عرمان قوله في مؤتمر صحافي إن قرار الحركة مقاطعة الانتخابات في شمال السودان لم يتم اتخاذه بعيدا عن مشورة رئاسة الحركة أو مكتبها السياسي.

ومن جهة أخرى اتهم عرمان، الذي كان يتحدث في المؤتمر الصحافي هو ورئيس حزب الأمة للإصلاح والتجديد مبارك الفاضل المهدي باسم تحالف أحزاب المعارضة، المؤتمر الوطني والمفوضية القومية للانتخابات بتزوير الانتخابات.

وقال إن الحزب الحاكم يبحث عن «مخرج غير شرعي» للرئيس البشير من ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية، وطالب مراقبي المجتمع الدولي بالانسحاب من مراقبة الانتخابات أسوة بما أقدمت عليه بعثة مراقبي الاتحاد الأوروبي في إقليم دارفور.

واعتبر عرمان أن الانتخابات «ولدت ميتة وليست جزءا من صميم عملية التحول الديمقراطي، بل هي امتداد لعبث المؤتمر الوطني في الماضي».

واعتبر أن الذين سيصوتون في دارفور ليسوا أبناء الإقليم ولا من معسكرات اللاجئين والنازحين، وإنما سيصوت الأمن والجيش والبوليس وفق ما يخطط له المؤتمر الوطني، حسب قوله.

أما مبارك الفاضل المهدي فقلل من شأن الرقابة الدولية على الانتخابات «لأنها ستكون على عملية الاقتراع فقط بينما أكمل المؤتمر الوطني كافة تفاصيل تزويرها في مراحل سابقة».

وقال المهدي إن السودان «مقبل على أزمة كبيرة لن يتمكن المؤتمر الوطني من معالجتها»، مشيرا إلى أنه لا مخرج من هذه الأزمة إلا بالمصالحة الشاملة وتكوين حكومة قومية لتحل محل حكومة البشير التي تعرف باسم حكومة الإنقاذ.

فاطمة تريد تمهيد طريق الرئاسة أمام السودانيات

ليس أمام فاطمة عبد المحمود أي فرصة للفوز، ولكن أول امرأة تترشح للرئاسة في تاريخ السودان، واصلت حملتها في الخرطوم آملة في تمهيد الطريق أمام الأجيال المقبلة وأمام السودانيات.

وكانت فاطمة عبدالمحمود (66 عاما) أستاذة الطب والصحة العامة التي درست في الاتحاد السوفيتي السابق، أول وزيرة للصحة في 1973 في عهد جعفر النميري.

ويطالب حزب الاتحاد الديمقراطي الاشتراكي الذي تتزعمه بحقوق متساوية للنساء في اكبر بلد إفريقي حيث ينظر إلى النساء بوصفهن غير مؤهلات لتولي مناصب رفيعة.

وفي اليوم الأخير من الحملة الانتخابية الجمعة، انتظرت نحو 10 نساء يرتدين أثوابهن التقليدية الملونة لثلاث ساعات المرشحة أو الأستاذة كما يلقبونها، لكي تخطب فيهن، في ساحة خالية في مدينة ام درمان، المجاورة للخرطوم. وبعد انقطاع التيار الكهربائي، راح رجلان يحاولان وصل الأسلاك لإضاءة زاوية من ملعب كرة القدم الذي عقد فيه اللقاء.

واعتمدت فاطمة عبدالمحمود على أموالها الخاصة وبعض الهبات من اعضاء حزبها الصغير لتمويل حملتها الانتخابية التي جابت خلالها بعض أنحاء البلاد المترامية الأطراف.

وتتمحور حملة فاطمة عبد المحمود حول المطالبة بمجانية التعليم ومجانية الرعاية الصحية وتعزيز التنمية وبالطبع بالمساواة في الحقوق للنساء.

وقالت المرشحة التي كانت ترتدي ثوبا تقليديا اصفر وبنيا وهي تخاطب انصارها من خلف نظارتها الصغيرة: «نريد تمكين النساء لكي يتسلمن مناصب مسؤولة على كافة المستويات».

واضافت المرشحة التي تؤيد الانتقال الديمقراطي السلمي للسودان: «لا نريد تمثيلا رمزيا. نريد تمثيلا يستند الى الكفاءة والشغل». وتؤكد على أن الهدف من حملتها هو التوعية، وليس تولي الرئاسة.

وتقول: «رسالتي الى نساء السودان انهن قادرات على تولي مناصب في السلطة». وتضيف: «اريد ان افتح الباب من اجل الاجيال المقبلة. الحملة هي استثمار من اجل مستقبل النساء».

وقالت عضو المكتب السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي الاشتراكي اسماء محمد الحسن لوكالة «فرانس برس»: «هي لا تريد منصب البشير. هي تعرف انها لن تفوز به. لكنها تريد للنساء ان يؤمن ان بوسعهن ان يشغلن يوما منصب الرئيس».

وقال العضو في الحزب عبدالمؤمن عبدالقاسم حبيب الله إن فاطمة «أصرت على المضي قدما رغم مقاطعة عدد من احزاب المعارضة الرئيسية. انها مسألة مبدأ، لا يمكنها ان تتخلى عن المنافسة لان الباقين انسحبوا».

يشار إلى أن القانون الانتخابي يخصص حصة 25 في المئة للنساء في جميع مستويات الحكم، لكن هذه النسبة لم تتحقق يوما، ولم يتول سوى عدد ضئيل من النساء مناصب وزارية او استشارية.

من المشهد

ـ وصلت الخرطوم 10 بعثات مراقبة دولية واقليمية. فضلا عن وجود الرئيس الاميركي السابق جيمي كارتر والمبعوث الاميركي الخاص للسودان سكوت غريشن منذ ايام بالخرطوم لمتابعة الانتخابات حتى اعلان نتائجها النهائية77.بس

ـ اصدر الجيش السوداني بيانا شديد اللهجة اعلن فيه انه سيقوم بردع عنيف لأي مجموعة مسلحة تحاول اعتراض العملية الانتخابية بأي شكل من الأشكال.. في وقت نشرت الشرطة السودانية اكثر من 100 الف جندي لتأمين عملية التصويت.

ـ قال رئيس لجنة تأمين الانتخابات اللواء أحمد إمام التهامي في بيان ان هناك ضعافا للنفوس أطلقوا شائعات في عدد من الولايات مفادها إمكانية حدوث انفراط في العقد الأمني لكي يقوم المواطنون بمغادرة المدن أو شراء المواد التموينية لتخزينها طيلة فترة الاقتراع.

وأضاف: «اننا نحذرهم وسنحاسب كل من يثبت تورطه في إطلاق شائعات سالبة تدخل التوجس أو الريبة لدى قطاعات الرأي العام السوداني المقبلة على الاقتراع في الانتخابات».

تحذيرات

حذر ناشطون من مخالفات واسعة النطاق تهدد بأن تشوب انتخابات من المأمول أن تمنح السودان شرعية ديمقراطية جديدة وتساعده على انهاء عقود من الحرب.

وقالت مديرة شؤون افريقيا في منظمة هيومان رايتس ووتش جورجيت جانيون إن «انتهاكات حقوق الانسان وخصوصا القيود المفروضة على حرية تكوين جمعيات وحرية الصحافة تهدد فرص اجراء انتخابات حرة ونزيهة وموثوق فيها في أرجاء السودان». ومضت تقول إنه «من الواضح أن السلطات السودانية تفشل في دعم المعاييرالدولية».