تشكل الأعياد اليهودية المتعددة والممتدة على مدار العام مصدر رعب دائما لسكان البلدة القديمة في مدينة الخليل، فهي مناسبات يستلغها المستوطنون اليهود المقيميون في حي تل الرميدة وسط البلدة لالقاء الحجارة وطرق الأبواب والنوافذ بآلات حادة والصراخ حتى حلت محل الطقوس الدينية لديهم.
وتعتبر الحياة والتنقل بالنسبة لتل الرميدة الذي تسكنه 90 عائلة فلسطينية وسط الخليل عملية احتراف لتفادي الموت خلف الأبواب على أيدي المستوطنين اليهود المسلحين بالحقد والعنصرية والحفر في ذاكرة الكذب.
وتعيش العائلات الفلسطينية في الخليل في حالة توتر وقلق دائمين منذ قدوم الاستيطان في بداية السبعينيات. ويبدو تل الرميدة حصنا حيث تحيطه البوابات الحديدية وأبراج مراقبة على مدار الساعة تشرع منها أسلحة الجيش الاسرائيلي على رؤوس العائلات التي ترزح تحت وطأة لائحة ثقيلة من الممنوعات.
وحسب احصاءات محلية فان «ألف مواطن فلسطيني من الأطفال والنساء وتلاميذ المدارس ورجال طاعنين في السن يعيشون تحت الضغط اليومي لوقوع منازلهم قرب مناطق سيطرة المستوطنين». وقال المواطنون في المنطقة ان «سيارات الإسعاف لا تستطيع الوصول اليهم لنقل المرضى في حالات الطوارئ جراء اعتداءات هؤلاء المستوطنين».
وقالت هناء ابو هيكل (51) التي تقيم وعائلتها في منزل تحيطه مستوطنة «رمات يشاي» كحذو الحصان قائلة «يقوم المستوطنون و الجيش باقتحام البوابة كل يوم ، ولا يوجد حرمة للبيت، فقد قام الجنود بكسر قفل الباب ليتمكنوا من الدخول برفقة كلابهم البوليسية وقت ما يشاؤون، مثيرين لنا الرعب والفزع».
وتضيف: «اقرب بيت يسكنه المستوطنون يبعد عن منزلنا مترين، فقط يفصل بينهما سور وبوابة حديدية يمنع إغلاقها، وكاميرات موجهة إلى البيت ترصد كل صغيرة وكبيرة تحدث بالفناء».
وأشارت أبو هيكل الى أنها «تقدمت بأكثر من 30 شكوى لشرطة الاحتلال ضد المستوطنين والجنود الإسرائيليين تتعلق بالاعتداء بالضرب على أفراد عائلتها، بالإضافة إلى رفعها قضية إلى المحكمة العليا الإسرائيلية بخصوص إغلاق الشارع الرئيسي المؤدي إلى بيتها».
واضافت ابو هيكل أن «رحلة المعاناة بدأت في منتصف الثمانينات، اثر رفض والدي الإغراءات المادية المقدرة بعشرة ملايين دولار من قبل المستوطن موشيه ليفنغر احد أكثر المستوطنين تطرفا، مقابل ترك المنزل وإخلائه».
ومضت تقول: «انه جوار باهظ الثمن ومرعب، لا يحترمون مشاعرنا، ولا يكفون عن مضايقتنا والتنغيص علينا في كافة المناسبات، ولا يوجد لديهم أي مشاعر إنسانية»، مشيرة إلى منع المستوطنين وجيش الاحتلال سيارة إسعاف الهلال الأحمر من الوصول إلى منزلها لنقل أمها المريضة إلى المستشفى لتلقي العلاج.
حيث انهالت الحجارة على سيارة الإسعاف من كل جانب، بالإضافة إلى الاعتداء عليها وعلى أمها بالضرب، مستذكرة اعتداءات أخرى طالت ابنتها وسام وهي صغيرة تلعب في مرجوحتها بفناء البيت، ومحاولات اختطافها عدة مرات، بالإضافة إلى قذف منزلها بالنفايات والحجارة بصورة دائمة.
وتشترك في ظروف العيش مع عائلة ابو هيكل نحو 10 عائلات أخرى في الجوار القاسي للموقع الاستيطاني «رمات يشاي» في تل الرميدة. عائلة وائل الشرباتي المكونة من ثمانية أفراد، تعلو سطح منزلها نقطة عسكرية دائمة يتواجد فيها جنود إسرائيليون يتغيرون باستمرار ، وعلى بعد أمتار قليلة يجاورهم المستوطنون.
تصف ربة المنزل «أم حسام» الوضع في محيط منزلها، قائلة: «الحجارة تنهال علينا من النوافذ دون سابق إنذار، ودون سبب، سوى أنهم مقيمون في هذا المنزل ومتمسكون به».
وأضافت: «مثل هذه الأعمال الوحشية أجبرتنا على استبدال النوافذ الزجاجية بنوافذ حديدية شبيهة بشبابيك السجن، لنحمي أطفالنا من الحجارة».
وتضيف: «نخرج من المنزل عن طريق تسلق جدرانه الخلفية، فيما يتم نقل الاحتياجات من مواد تموينية ووقود بحملها من مسافة بعيدة من بين افراد الجيش والمستوطنين». وتقول ام حسام: «منزلنا شوكة في حلق الاحتلال ومستوطنيه، وسيظل كذلك الى ان يرحلوا».
ويقول رئيس بلدية الخليل خالد العسيلي ان «عائلات تل الرميدة تشكل رمزا للصمود والتصدي لسياسات الاستيطان التي تنتهجها حكومة الاحتلال، وهي اكثر من ذلك قوة ومثال حقيقي يحتذى به، تخوض في كل لحظة نضالا جسورا في مواجهة كل اشكال الاضطهاد ومحاولات التهجير». وقال ان «البلدية تعمل على أكثر من اتجاه لتعزيز صمود أهالي المناطق المهددة من قبل الاستيطان والاحتلال».
الخليل - محمد إبراهيم
