أدى انتشار ظاهرة وضع العبوات اللاصقة الموجهة ضد المسؤولين والشخصيات السياسية والعشائرية والدينية المعروفة في مدينة الأنبار العراقية، إلى ابتكار العديد من الطرق لمواجهتها، إلا أن أغلبهم استقر رأيه على الاستعانة بالكلاب المتخصصة والشرسة، فهي أفضل وأقل كلفة، و«إزعاجا» من الحراس الأمنيين «البودي غارد»، الذين لا تنتهي طلباتهم، ولا يكفون عن ارتكاب الأخطاء، أو النوم أثناء أداء واجباتهم.

ويروي الناشط السياسي خميس الدليمي «56 سنة» كيف استقر رأيه على «توظيف الكلاب» بدلاً من الحراس بالقول: «تعاقدت في خريف عام 2009 مع ثلاثة حراس أمنيين بمرتب يبلغ 700 دولار في الشهر، لكل منهم، لحماية منزلي، ولكنني عانيت كغيري من المهددين أمنياً، من متاعب الحراس، مثل كثرة طلب الإجازات.

والخروج من غير إذن، وترك المنزل لساعات دون مراقبة، والنوم أثناء الليل، وطلباتهم بتحسين الطعام ورفع المرتب»، لافتاً إلى أن هناك «تخوفاً من إمكان تجنيد الحراس أو شراء ذممهم من قبل البعض، كما أن وجودهم يقيد حركة أفراد العائلة، خاصة النساء، داخل المنزل».

ويضيف الدليمي: واكبت الموضة، واستغنيت عن الحراس، بعد أن أقنعني أبنائي وزوجتي بجلب كاميرات مراقبة وكلاب حراسة ذكية، وجلبت ثلاثة كلاب مدربة من لبنان من نوع «الدوبرمان» بسعر 3600 دولار، الأمر الذي اضطرنا في المنزل إلى الصبر لأكثر من أسبوع حتى اعتادت الكلاب علينا بشكل يطمئن أنها لن تهاجم أحداً منا».

ويشير الدليمي إلى أن «كلاب الحراسة تتميز بالسرعة والرشاقة، وهي يقظة وجاهزة دائماً، كما أنها أكثر وفاء من الحراس، فهي لا يمكن أن تساوم على حياتي، ولا تتقبل طعاماً من غيري، على عكس حراس الأمن».

ويتابع قائلًا: «وها أنا، ومنذ أيام، أستغرق في نومي بشكل جيد، دونما حاجة للنهوض وتفحص أداء الحراس ومشاهدة عملهم الليلي حول المنزل، حيث يكفي الكلاب اقتراب أي جسم من البيت حتى تنقض عليه»، مستدركاً بالقول: إن الشرطة طلبت منه «وضع علامات تحذيرية قرب المنزل، لوجود كلاب حراسة، حتى لا يقع أحد الأبرياء ضحية باقترابه من المنزل ليلًا».

عبوات ناسفة

من جهته، يقول علي ماجد «39 سنة» صاحب معرض لبيع الكلاب وسط الفلوجة: إن «ظاهرة اقتناء الكلاب انتشرت في الأنبار خلال الأشهر القليلة الماضية، بسبب توتر الوضع الأمني، واتساع ظاهرة العبوات اللاصقة في المحافظة».

ويوضح ماجد أن «تلك العبوات لم تعد تستهدف المسؤولين وضباط ومنتسبي الشرطة والجيش والسياسيين فحسب، بل تعدتهم إلى رجال الدين والمحامين والصحافيين وشيوخ القبائل وأفراد الصحوة، وكل من له علاقة بالوضع السياسي، فضلاً عن استهدافها التجار ورجال الأعمال، وحتى أساتذة في الجامعات».

ويضيف ماجد: «أقوم بشراء تلك الكلاب من سوريا ولبنان والأردن، ووفقاً لأوراق رسمية وشهادات صحية لكل كلب منها، وفي العادة أربح مبلغ 200 إلى 400 دولار في كل صفقة بيع أقوم بها، خصوصاً أن المشتري لا يقف كثيراً على السعر، بل يرغب بسماع صفات الكلب ومميزاته قبل التوافق على السعر».

فيما يقول ماهر سعد «23 سنة» إنه قرر ترك عمله الأول في بيع الطيور وأسماك الزينة، ليتحول إلى بيع كلاب الحراسة، «بعد رواج المهنة، والربح الجيد فيها»، مبيناً أنه «يبيع ما بين كلب واحد إلى أربعة كلاب أسبوعياً».

ويرى سعد أن الإقبال على شراء كلابه يزداد «كلما تدهور الوضع الأمني زاد اقتناء وسائل الأمن التي تعد الكلاب من أفضلها»، موضحاً أن «لا ثقة لأحد بكاميرات المراقبة الصينية التي تتعطل فجأة، كما أن الحراس متعبون في كل شيء».

ويصف سفيان الجغيفي، وهو عضو في أحد الأحزاب السياسية في الأنبار ظاهرة اقتناء الكلاب بأنها «أصبحت موضة، أكثر من كونها ضرورة أمنية».

ويقول الجغيفي إنه «بإمكان أي شخص، يعتبر نفسه معرضاً للخطر، مفاتحة الشرطة لتخصيص حماية له، أو مراقبة منزله، أو حتى توظيف حارس بشكل قانوني له».

موضحاً أن «ظاهرة اقتناء الكلاب في الأنبار أصبحت موضة جديدة، تدل على رفاهية صاحبها، والبعض يراها (ثقافة أمنية) جديدة، حتى إن البعض قام بجلب كلاب لا تصلح للحراسة، إنما للعب والزينة فقط، ويقوم بوضعها أمام مرآب منزله».

من جانبه، يحذر الطبيب البيطري نجيب جياد، من «خطورة استغلال تجار الكلاب وباعتها لحاجة الناس إلى كلاب الحراسة في غشهم بأصناف مريضة، أو غير جيدة، ومن الممكن أن تكون حاضنة لكثير من الأمراض، التي تنتقل للبشر، وبين الحيوانات».

ويقول جياد: «كانت العيادات الطبية سابقاً لا تدخلها إلاّ الأبقار والماعز والأغنام، غير أنها اليوم تضج في أيام محددة من الأسبوع، وهي السبت والأحد، بأنواع الكلاب المختلفة.

وفي العادة تكون مصابة بأمراض جلدية، نتيجة لقلة وعي مالكيها بأمور النظافة، أو سوء المكان الذي خصص لها، أو نوعية الطعام»، مؤكداً أن «العلاجات المتاحة ليست سوى أدوية كلاسيكية قديمة في العراق، نتداولها منذ عقد التسعينات في وصفاتنا الطبية».

من جانبها، اتخذت الشرطة سلسلة إجراءات جديدة لتنظيم عملية دخول واقتناء تلك الكلاب، التي يصفها أحد ضباط الشرطة بأنها «أشرس من جنود النازية».

ويعرب عن تخوفه «من تعرض رجال الأمن والشرطة، إلى هجوم من قبل أحد تلك الكلاب، خلال عمليات التفتيش التي تجري بين الحين والآخر على بعض المنازل».

ويشدد الضابط، أن على صاحب الكلب في المدن «جلب تواقيع من قبل الجيران الملاصقين له، يثبتون عدم معارضتهم لاقتنائه كلب الحراسة، أما في القرى فالكلاب تعتبر جزءًا لا يتجزأ من حياة أهل الأرياف والمزارعين، ولا توجد مثل تلك الإجراءات».

من جهتهم، وضع رجال الدين شروطاً على اقتناء الكلاب، حيث يقول الشيخ فتاح ظاهر: إن «اقتناء الكلب لأجل الزينة محرم شرعاً، ولا يجوز ذلك بأي شكل من الأشكال».

ويستدرك ظاهر أن «اقتناء الكلب لغرض الحراسة، ومنع وقوع اعتداء، جائز شرعاً، ويجب على الشخص أن يتيقن من خطورة وضعه، وعدم وجود بديل عن الكلب، حتى يمنح إجازة شرعية في اقتناء كلب الحراسة».

ويعرب فاضل عن اعتقاده بأن «الجيران في الحي لا يرغبون برؤية حارس شخصي غريب يتجول في الشارع، أو يتفحص المارين من أمامه، واحتراماً لرغبتهم، توصلنا إلى فكرة شراء كلب واحد شرس، وهو يكفي».

بغداد ـ عراق أحمد