تؤكد الكاتبة الصحافية البحرينية بثينة خليفة قاسم ان مشاركة المرأة العربية وانخراطها في محيطها أمرٌ طبيعي، ولعل الغرابة ومصدر الاستهجان يكمنان في عدم مشاركتها، فهي نصف المجتمع.

ولا يمكن للمجتمعات أن تنهض وتتقدم بنصف واحد فقط. كما أن الشريعة الإسلامية حفظت مكانتها منذ 14 قرنا من الزمان، فقد خص الله عز وجل المرأة بمزيد من الذكر والتحديد في أكثر من سياق ورد في الذكر الحكيم..

فعلى مستوى الكرامة الإنسانية، قال الله عز وجل «ولقد كرمنا بني آدم»، والخطاب هنا موجه للجنسين، وفي موضع آخر قال تعالى «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل..»، وفي السنة النبوية قال رسول الله «ص» النساء شقائق الرجال.

وهذا دليل قاطع على أن المرأة كائن له مكانته وقيمته ودوره الفاعل في محيطه، ولعل الجميع يذكر مساهمات المرأة في عهد الرسول في الكثير من المعارك والغزوات والحروب وقيامها بواجب مقدس من حيث مداواة الجرحى والتطبيب، بل أن الأمر تعدى ذلك .

حيث تم الاعتداد برأيها الصائب وحكمها الثاقب ومن منا لا يذكر قول الخليفة عمر بن الخطاب «أصابت امرأة واخطأ عمر» وبالانتقال إلى الفكر العربي المعاصر، نلحظ أن موضوع مشاركة المرأة قد احتل جدلا في الفكر الاجتماعي، ابتدأه قاسم أمين في كتابه الشهير «تحرير المرأة» عام 1899 ثم أتبعه بكتاب «المرأة الجديدة»، فضلاً عن كتابات الطاهر الحداد وزين الدين.

وقد أفلح هؤلاء المصلحون بفتح الباب على مصراعيه أمام النساء لقلب موازين مجتمعات صلبه، قد تحجرت بفعل التراكم الزمني من حيث التعامل مع العادات والتقاليد والتشدد في الأخذ بالأحكام الفقهية، علماً بأن مبادئ الشريعة الإسلامية من اللين والفسحة بحيث فتح المجال لمختلف الآراء والتوجهات الفكرية للاجتهاد والمفاكرة.

مدارس مختلفة

وعن مشاركة المرأة بين الفاعلية والوجاهة الاجتماعية قالت انقسمت المدارس في تفسيرها لماهية مشاركة المرأة العربية في مجتمعاتها، فبين قائل انها مشاركة اتسمت بالفاعلية، كونها منبثقة من رحم نضال وكفاح مرير لها، بذلت فيه مساع عديدة في «الداخل»، بعضها قوبل بالترحيب والبعض الآخر استهجن تلك المساعي، معتبراً إياها ضرباً من ضروب التمرد والخروج عن النص.

وبين قائل ان مشاركتها ما هي إلا شكل من أشكال الدمقرطة المفروضة علينا من «الخارج». وبين جدلية الداخل والخارج أو الفاعلية والوجاهة، يبقى من الأهمية بمكان التذكير بأن لكل مجتمع خصوصيته وهويته.

ولا يمكن القول بتجربة واحدة كمقياس.. فالتمايزات بين الدول العربية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، تنعكس بدورها على تمايزات في أوضاع ومكانة وحجم مشاركة المرأة وقضاياها في كل دولة على حدا.. بل ان هناك تمايزات واختلافات داخل الدولة الواحدة، فمشاركة المرأة الحضرية تختلف عن مشاركة المرأة الريفية، مثلاً.

وقد استطاع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن يتوصل إلى تحديد مقياس لمعرفة مدى فاعلية مشاركة المرأة من خلال حجم مشاركتها في الأنشطة الاقتصادية والمهنية والسياسية في مجتمعها، وذلك اعتمادا على مؤشرات متوسط الدخل للفرد، ونسبة النساء في الوظائف المهنية وحصة النساء في مقاعد البرلمان.

وحول دخول بعض النساء العربيات في مشاريع استثمارية كسيدات أعمال ومدى وضع الدراسات المجدية دون البحث عن منافسة الرجال فقط. قالت بثينة لا شك أن للنساء دورا مهما وحيويا في مجال الأعمال في الدول العربية، حتى قبل نزول الإسلام فمن مآثر الإسلام أن أقر للمرأة ذمة مالية مستقلة..

وسمح بأن تكون لها ملكيتها الخاصة ولا تنتقل ملكيتها لزوجها بعد الزواج. وفي وقتنا الراهن مع التوجه صوب اقتصاد السوق الحر والشعارات المنادية بتمكين المرأة، فإن مساهمة المرأة في المشاريع الاستثمارية في اطراد مستمر.

وفي مملكة البحرين مثلاً، ارتفع عدد سيدات الأعمال من 193 في عام 1991 إلى 815 في عام 2001 (بزيادة نسبة توازي 322%) حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2005 «نحو نهوض المرأة في الوطن العربي».

كما تم تأسيس جمعية سيدات الأعمال في مايو 2000، تعبيراً ومؤشراً لفضاء الحرية والديمقراطية التي تنعم به البلاد، من حيث إتاحتها أكبر قدر ممكن للمرأة في المشاركة في كافة ميادين الحياة دون حصر أو استثناء. وقد نالت سيدتان بحرينيتان في عام 2002 عضوية مجلس إدارة سيدات الأعمال التابع لجامعة الدول العربية.

وإذا كان تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2005 قد استقر على أن النساء ما زلن يعانين من حرمان نسبي في توظيف قدراتهن البشرية في مجال النشاط الاقتصادي الرسمي، فإنه يحسب للمرأة العربية تمكنها من اختراق منظومة الفكر الاقتصادي السائد وخوضها مجالات كانت تعد ـ حتى وقت قريب ـ حكراً للرجال فقط.

إجازات الحمل

وتطرقت لظروف المرأة البيولوجية وما تناله من إجازات للحمل والولادة والرضاعة ما يقلل من أداء دورها المجتمعي كما يشير البعض فقالت إن الأصل في تركيبة المرأة البيولوجية أنها واحدة ومتجانسة بين جميع النساء عربية كانت أم غربية.

والحقيقة أن هذه المسألة موضع سجال بين أروقة المجالس التشريعية والأحكام القانونية، أو لعله يشكل تناقضاً واضحاً بين مطالبات المرأة مساواتها بالرجل، والإقرار بوجوه الاختلاف بين الجنسين مع إحرام هذا الاختلاف.. فالنساء بطبيعتهن مختلفات عن الرجال، ولكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال معاملتهن على أنهن ناقصات.

أما بالنسبة لمملكة البحرين، فإن مساعي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم، رئيسة المجلس الأعلى للمرأة واضحة للعيان، حيث قام المجلس في عام 2003 برفع توصياته إلى الملك بأن يكون للمرأة دور واضح في برامج وإستراتيجيات الوزارات الحكومية.

وذلك تكريساً لما جاء في دستور مملكة البحرين حيث مبدأ التوفيق بين دور المرأة على الصعيد الأسري ودورها مجتمعياً، بما يحقق المساواة ويعزز من بنود ومواد اتفاقية (السيداو) ويسهم في إدماج المرأة ضمن خطط التنمية الشاملة.

كما تم في ذلك العام نقل قسم شؤون المرأة من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ليكون تحت مظلة المجلس الأعلى للمرأة، وذلك نحو مزيد من حفظ وصون كرامة المرأة البحرينية.

وعن مدى نيل المرأة العربية لحقوقها الكاملة في الألفية الثالثة أوضحت قائلة الحقيقة انه ما من إنسان يأخذ حقه كاملاً، «فلكل شيء إذا ما تم نقصانُ»، والمرأة إنسان يشترك مع الرجل في الأحلام والطموح والتطلعات..

ولا سقف لحجم وتطلعات المرء إطلاقاً. ورغم كثرة الاتفاقيات والمؤتمرات الدولية التي تناولت شؤون المرأة وصون حقوقها منذ مؤتمر المكسيك 1975، كوبنهاغن 1980، نيروبي 1985 وصولاً إلى مؤتمر بكين 1995 الذي يعتبر أحد المؤتمرات المهمة التي نظمتها الأمم المتحدة، بقصد الاتفاق على رأي موحد لإصلاح شأن المرأة في كافة الميادين، إلا أن ذلك لا يعد مقياساً لتحقيق المرأة كافة ما تصبو إليه.

فالمجتمعات العربية لا تضبطها الاتفاقيات والمواثيق الدولية فحسب، إنما ثمة منظومة فكرية، عقائدية، ذات صلة بالموروثات الاجتماعية هي الأكثر تسيداً وحضوراً وقبولاً لدى الآخر!

وبشأن مطالبة بعض النساء أن يتخلى المجتمع العربي عن ذكورتيه، قالت الكاتبة قاسم فمازلت احمل بداخلي امرأة شرقية تؤمن بالرجل قواماً على المرأة، وما زلت ممن يتغنى بخصوصية واستثنائية المرأة العربية بوصفها كائناً مكرماً عن العبث والتمرغ في وحل العصرنة شعاراته المتمدينة.

ولكن للمسألة وجهان: فجميعنا يعلم أن الوظائف على نوعين (وظائف جسمانية وأخرى عقلانية). أما الجسمانية منها، فلا بأس بالاحتكام إلى مسطرة (النوع) أو الطبيعة البيولوجية.

وهذا ما قصدته ـ تحديداً ـ في إشارتي لاستثنائية المرأة العربية المسلمة، فأنت لا ترى امرأة عربية تكنس في عواصم الشوارع العربية، لكنك ترى هذه الصورة متكررة في العواصم الغربية، بحجة مساواتها بالرجل!

فهل هذه هي المساواة التي تتطلع إليها المرأة العربية ؟ وهل تطمح مثلاً أن تكون قائداً عسكرياً ميدانياً يواجه العدو بجنوده ويحمل على كتفه مدفع «آر بي جيه» يقذف من الخلف ومن الأمام ؟!

الإبداع والتمكن

وأما الوظائف العقلانية القائمة على عنصري الإبداع والتمكن الفردي، فإني أطالب المجتمعات العربية قاطبة بالتخلي عن مسطرة النوع في الحكم عليها، والنظر إليها بعين المساواة التامة..

فقد أثبتت التجارب العلمية أن المرأة أكثر ذكاء من الرجل، وهي الأقدر على إدارة شبكة من العلاقات العامة بفضل ما تتمتع به من حنكة اجتماعية وقدرة كلامية، ولنا في حكايات ألف ليلة وليلة برهان، إذ استطاعت شهرزاد أن تنجو من سيف شهريار بفضل حكاياتها وتشويقها في السرد.

إنه مع تقديم وافر الاحترام والتقدير لجهود الحكومات التي بذلت ولا تزال على مستوى العالم العربي في مجال تمكين المرأة في المجال المهني والسياسي، والذي كان للبحرين سهم كبير فيه بشهادة الجميع، إلا أن تساؤلات عديدة تساورني كلما قرأتُ أو كتبتُ بشأن مساواة المرأة بالرجل..

فالمساواة في الحقوق مسألة لا تنطبق تماماً في الثقافات والديانات المختلفة، وما هو مطلوب من المجتمعات العربية أن تضع لنفسها معايير تسعى لإنجازها في مجال تمكين المرأة وفق الدين والثقافة الخاصة بها.. أوليس في الإسلام الذي سمح للمرأة بأن تكون لها ملكيتها الخاصة ولا تنتقل ملكيتها لزوجها بعد الزواج، أن يوفر صيغة كاملة لحماية المرأة وتمكينها.. لماذا يراد فرض ثقافة عالمية واحدة في شأن المرأة؟!

المنامة ـ غازي الغريري