رفعت جمعيات نسائية وشخصيات من الجنسين في الجزائر أصواتها عاليا لدراسة ومعالجة التناقض القائم بين التقدم الكبير لمكانة المرأة في المجتمع وتواضع دورها في المؤسسات السياسية.

وكانت الاحتفالات السنوية الكبيرة التي نظمت في مختلف مدن وبلدات البلاد مناسبة لطرح أفكار حول إيجاد تناسق بين هذه المكانة وذاك الدور.

وكان من بين من أصروا على دراسة الموضوع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في رسالة مطولة وجهها للنساء بمناسبة عيدهن، وكذا في كلمات خلال حفل استقبال كرّم فيه عددا كبيرا من النساء اللائي حققن نتائج مميزة في قطاعاتهن.

ولقد اكتسحت المرأة في الجزائر قطاعات ومؤسسات مهمة في المجتمع وصارت تشكل أغلب العاملين فيها وبلغت الذروة في بعضها مثلما يحدث في قطاع القضاء حيث تناوبت قاضيتان على الجلوس على كرسي مجلس الدولة.

نوارة جعفر الوزيرة المكلفة بالأسرة وشؤون المرأة «قالت ان عدد القاضيات في الجزائر بلغ الالف و400 قاضية وهو ما يزيد على ثلث عدد القضاة ويرأس عدد كبير منهن المحاكم والمجالس وزادت نسبة النساء على 50 بالمئة في مناصب كتاب الضبط وكذا في مهنة الموثقين، ودخلن في السنوات الأخيرة مجال المحضر القضائي وهي مهنة صعبة جدا كونها تصطدم مباشرة مع الميدان لتخصصها في تنفيذ أوامر القضاء».

وقالت إن «ما بلغته المرأة في قطاع القضاء يعكس تطورها في مختلف الميادين على الصعيد المهني، اذ لا يوجد مجال الا واقتحمته المرأة بقوتها وذكائها وصبرها، وانتزعت مكانتها وعززت مساهمتها الفعلية في البناء الوطني وتطوير المجتمع».

وقالت نوارة وهي إعلامية ناجحة قبل تعيينها وزيرة قبل نحو عشر سنوات «ان وجود المرأة بقوة في كل القطاعات يعكس التطور العام للمجتمع الجزائري، ومكانتها لم يتصدق بها أحد بل جاءت نتيجة الاجتهاد والجد والتعب.

وأيضا نتيجة تفتح المجتمع والقوانين التي كرست المساواة، ونتطلع لترجمة هذا التفوق بمكانة موازية له في المجال السياسي حيث لا تزال مشاركة المرأة ضعيفة سواء في المؤسسات المنتخبة أو في الأحزاب».

وكانت الوزيرة قد طرحت قبل عامين اختيار تخصيص حصة للنساء في كل الهيئات، ووجد الطلب استجابة لدى البعض لكن معظم الطبقة السياسية رفضته على اعتبار أن «ترقية المرأة بقرار» لا يتوافق وطابع النظام العام في الجزائر وسيكون قرارا «تمييزيا» و«مفتعلا» يحط من قيمة المرأة ويضر بالسلوك العام للمجتمع أكثر مما ينفع.

تعزيز المكانة

من جهتها أكدت سعاد بن جاب الله الوزيرة المنتدبة للبحث العلمي بأن المرأة عززت مكانتها في القطاعات العلمية المتقدمة، وتشكل النساء 40 بالمئة من الباحثين في المجالات العلمية والتكنولوجية، وتشتغل بسبعة عشر مركزا للبحث في البلاد. وتحتل 80 بالمئة من مناصب البحث في «معهد باستور» المتخصص في بحوث الطب والصيدلة والكيمياء.

كما تشكل أغلبية في أكبر مركز لتكنولوجيات الإعلام والاتصال في الجزائر. وترى الوزيرة أن السنوات العشر المقبلة ستحمل المرأة إلى مستويات أعلى بكثير في المجال العلمي كون 60 بالمئة من طلاب الجامعات الجزائرية اليوم إناثا.

وأكدت نورية حفصي الأمينة العامة للنساء الجزائريات أن القوانين الجزائرية كرست المساواة التامة بين الرجل والمرأة منذ الاستقلال وقيام الجمهورية في يوليو 1962، فسواء تعلق الامر بالتعليم أو المشاركة في الانتخاب أو العمل في أي ميدان لم تقف القوانين في وجه المرأة.

وقالت ان هذا السلوك طبيعي لأن المرأة والرجل شاركا جنبا إلى جنب في الكفاح ضد الاحتلال وساهما معا في تحرير البلد.

وقالت ان المرأة الجزائرية في المؤسسات وميادين العمل ليست مجرد ديكور ولكنها طرف فاعل فالضابطات في صفوف القوات المسلحة عملن عقودا واجتهدن ووصلن وكذا الأمر بالنسبة لآلاف من النساء في مواقع المسؤولية في قطاعات النشاط المختلفة.

وتقف نورية حفصي موقف الوسط بين «تسهيل مرور المرأة إلى مواقع القرار السياسي» و«تفادي صدمة القرارات الخصوصية» ورأت أن يتحقق إجماع بين الأحزاب السياسية لإحداث توازن في قوائم الترشيح للانتخابات.

لكن في ذات الوقت دعت النساء إلى الانخراط في الأحزاب السياسية والاجتهاد فيها مثلما فعلن في نشاطهن الاجتماعي والمهني لتبوؤ المسؤوليات والاقتراب من مراكز القرار السياسي.

ورفضت لويزة حنون زعيمة حزب العمال الذي كسب 26 مقعدا في الانتخابات البرلمانية عام 2007 منح النساء نسبة مسبقة من المقاعد في هيئات الدولة.

وقالت ان بلدا بلغت فيه المرأة رتبة جنرال في الجيش وتحتل فيه نسبة 50 بالمئة من المناصب في قطاع التعليم والطب ووسائل الإعلام وهي قاضية وقائدة طائرة وقطار ومسؤولة في قطاعات حيوية وباحثة في المستوى العالي من العيب أن تعامل كما تعامل المبتدئة.

فقانون الجزائر كرس مبدأ المساواة في الأجر ومساواة الصوت وفرصة العمل والتعليم وبلوغ المسؤولية المدنية، وهو ذات الطريق الصحيح الذي يصل بالمرأة إلى مواقع المسؤولية السياسية السامية، على أن يكون أساس كل تعيين في المناصب هو الكفاءة وليس الجنس.

ويرى كثير من الجزائريين أن الجانب المهني يعطي الانطباع بأن ثمة مساواة بين الجنسين وأن المرأة حققت شوطا كبيرا في تقوية مكانتها في المجتمع وتقود مؤسسات كبيرة بنجاح.

لكن بالعودة إلى المناصب السياسية يبدو الوجه الذكوري للمجتمع فالحكومة لا تضم أكثر من ثلاث وزيرات ومن بين 48 والياً على رأس الولايات توجد امرأة واحدة وقليل من النساء أيضا بالبرلمان ومجالس البلديات والولايات.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي