«طريق الحرير» اسم وعنوان يثير في نفس المثقف المتابع لتاريخ عالمنا سيلا متدفقا من الأفكار والصور المتصلة بمراحل أصبحت محفوفة بشجن الذكرى من تاريخ عالمنا، وربما يكون شأنها بالنسبة للقارئ العربي شأن ألف ليلة، الكتاب المفعم سحرا وغموضا وجمالا في متن الثقافة العربية.

كان «طريق الحرير» هو همزة الوصل التاريخية التي طالما ربطت بين الغرب في أوروبا وبين بلد بعيد ظل بدوره محاطا بأساطير الشرق الأقصى اسمه الصين.والمعروف أن تجار أوروبا الجنوبية هم أول من استخدم هذا الطريق، الذي تجتاز معالمه ومراحله ساحات القارة الآسيوية من شرقها القصي عند المحيط الهادئ إلى أقصى غربها المطل على البحر الأبيض المتوسط.. وقد اتخذ اسمه من واقع تجارة الحرير تلك السلعة الثمينة التي ظلت، ولعلها مازالت ترتبط بعلامات الثراء وآيات الرقة والرقي والجمال .حيث اشتهرت الصين بصناعة أنسجته وتصديرها إلى أنحاء عالمها، فما بالنا وقد كان طريق الحرير هو الجسر البري الذي انتقلت على مهاده العقائد البوذية والديانة المسيحية إلى أقطار الشرق الأقصى..

وكان له وصلة تربطه بأراضي الهند وحضاراتها.. هذا فضلا عما شهده عام 1963 من إنشاء مشروع للسكك الحديدية عند الحافة الشمالية من طريق الحرير القديم ليصل بين حدود الصين إلى دولة كازاخستان (المسلمة) في أواسط آسيا ومنها إلى العالم الخارجي.

مفاهيم مستجدة

هذه الذكريات المرتبطة بالتاريخ عبر مراحله المختلفة اكتسبت في الآونة الأخيرة مفاهيم جديدة تماما وخاصة خلال السنوات العشرين الأخيرة.

ثمة «طريق للحرير» استجد مؤخرا على خارطة عالمنا. هكذا يؤكد باحث ومفكر اقتصادي جاد هو الأستاذ «هاري برودمان» المستشار الاقتصادي للبنك الدولي.

طريق الحرير الجديد لا علاقة له بآسيا ولا بأوروبا، ولا بتجارة أو نقل هذا النسيج المترف الجميل الذي كانت تنتجه أنامل فتيات الصين الرقيقة.. فيما أصبحت تصدّره المعامل العملاقة التي تقوم بيجين حاليا على تشغيلها.

طريق الحرير الجديد.. يشق قارة أفريقيا السمراء جنوبي الصحراء الكبرى.

هذا ما يؤكده هاري برودمان في كتابه الصادر تحت العنوان التالي: طريق الحرير في أفريقيا.

وبديهي أن مقولات الكتاب لا تصدر عن أشواق النوستالجيا إلى مراحل عبرت من مسير التاريخ.. إن العنوان الفرعي للكتاب هو المعبر أكثر عن المقصود حيث يقول العنوان:

الحدود (الآفاق) الاقتصادية الجديدة لكل من الصين والهند.

الصين والهند في أفريقيا

والمعنى أن طريق الحرير الخاص بهذا القرن الواحد والعشرين لم يعد يسترجع ذكريات العصور الوسطى أو ما قبلها ولا بعدها من همزات الوصل بين الشرق الأقصى والغرب الأوروبي.

بل المعنى هو أن أفريقيا ـ بوصفها ساحة محورية من ساحات العالم النامي ـ أصبحت تشهد صفقات جديدة وعلاقات مبتكرة ومتطورة بين أقطارها السمراء وبين الصين والهند ـ بوصفهما نمرتين صاعدتين بيفاعة وهمّة وإطراد ضمن بنود وخانات جدول الأعمال العالمي الراهن.

وهذا هو بالضبط المعنى الذي ركزت عليه مجلة «السياسة الخارجية» (فورين أفيرز) حين استندت إلى مقولات الكِتاب الذي ألمحنا إليه كي تنشر دراسة مستقاة من واقع أفكار أستاذ الاقتصاد هاري برودمان تحت عنوان يقول بالنص:الصين والهند تذهبان إلى أفريقيا.

وبديهي أيضا أنه ليس ذهابا للسياحة ولا حتى لتطوير العلاقات الدبلوماسية أو ترقية أو توطيد الأواصر الثقافية.. وهو أمر في حد ذاته مفهوم..

ولكن الذهاب إلى أفريقيا كان ومازال يقصد إلى استخدام كل هذه الأدوات السياسية والثقافية والدبلوماسية، لا من أجل تأكيد أواصر أو تمتين وشائج، بقدر ما أن الهدف يتمثل في عزم كل من العملاقين الصاعدين في آسيا على بناء منظومة مؤسسية تستند إلى ركيزة الاقتصاد والاستثمار.

فيما تستهدف نوعا من التكامل مع اقتصاديات أفريقيا، وخاصة بلدانها الغنية بالمواد الأولية وبالثروات المعدنية والفرص الواسعة المتاحة: ما بين قوى العمل الرخيص والأسواق القادرة على استيعاب سلع التصدير الناشئة عن كل من نيودلهي وبيجين.

وعندنا أن كلا من العاصمتين الآسيويتين أحسنت في الاختيار من حيث المكان (أفريقيا جنوبي الصحراء) والزمان (عصر العولمة المفعم بإمكانات الاتصال اللحظي وبكفاءة لا تبارى تكفلها وسائل الأقمار الاصطناعية وإمكانات الحواسيب الالكترونية).

مواريث الاستعمار

فما بالنا وقد جاءت كل من الصين والهند إلى أفريقيا وقد سبقت كل منهما سمعة إيجابية في وجدان شعوب القارة النامية السمراء: لم يرتبط أي منهما بميراث كولونيالي، ولا بتاريخ من الاستغلال الاستعماري أو محاولات السيطرة الامبريالية على نحو ما يشوب حتى الآن سيرة ما يكاد يكون كل القوى الأوروبية.

حيث لا ينسى المخضرمون من أجيال القارة، ولا يسقط من صفحات تاريخها الحديث ميراث الاستعمار البريطاني في شرقي أفريقيا، أو الاستعمار الفرنسي في غربها فضلا عن أنماط وذكريات كئيبة أخرى من السيطرة الاستعمارية في مواقع شتى من القارة المهيضة (بلجيكا في الكونغو، إيطاليا في الحبشة.. ألمانيا في الكاميرون، البرتغال في أنجولا وموزمبيق دع عنك سيطرة البوير ؟ العنصريين البيض ذوي الأصول الأوروبية ؟ الهولندية بالذات في جنوب أفريقيا).

الصين والهند بريئتان من هذا التراث اللا إنساني، بل أن إحالة الأفارقة من ساسة أو مثقفين إلى تاريخ كل منهما كفيلة ببناء جسور من التعاطف على أساس أن «كلنا في الهم شرق»: ما بين أفريقيا والشرق الآسيوي هنديا كان أو صينيا..

حيث شهدت الصين تسابقا على ثرواتها من جانب قوى أوروبية عديدة عمدت مع مطالع القرن الماضي إلى إغراق شعبها في آفة، ومن ثم حروب الأفيون..

وحيث ذاقت الهند ذاتها ويلات الاستعمار البريطاني وسيطرت على أصقاعها «نظم الراج» كما وصفوها ابتداء من أيام شركة الهند الشرقية البريطانية في القرن الثامن عشر وانتهاء باستقلال الهند في عام 1947.

غاندي الأفريقي

يلاحظ أيضا أن ثمة صلات كانت وثيقة على امتداد عقود من التاريخ الحديث بين الهند وأفريقيا وخاصة على يد العناصر التي هاجرت من شبه القارة الهندية عبر المحيط الهندي واستقرت في ربوع القارة الأفريقية ما بين الشرق والوسط والجنوب.. وليس صدفة مثلا أن تكون النشأة الأولى لزعيم الهند الروحي وداعية استقلالها ؟ وهو المهاتما غاندي كانت في جنوب أفريقيا.

وفيما ظلت أفريقيا تمثل هدفا مرتجى لاستيعاب فوائض المنتجات الصادرة عن عمليات التنمية الواسعة الطموحة في الصين وفي الهند، فقد كان منطقيا بالذات أن يتسع ومن ثم يتعمق، الاهتمام بالقارة السمراء.

وخاصة على ضوء إمكاناتها التي أصبحت واعدة.. حتى لا نقول مغرية من البترول على نحو ما يذهب إليه كاتب متخصص في هذا المضمار هو الدكتور «جون غازفنيان» الأستاذ بالجامعات الأميركية في دراسته الصادرة بعنوانها الشهير:التسابق على بترول أفريقيا.

وإذا كان غازفنيان قد عمد إلى فصل كامل من كتابه ليضع له عنوانا مباشرا يقول: «الصينيون قادمون».. فإن برودمان الذي ألمحنا إليه في مستهل هذه السطور يعمد من جانبه إلى إغناء هذه الظاهرة من «الزحف الآسيوي» إلى أفريقيا وكأنما يضيف من عندياته قولا آخر هو: والهنود أيضا.

على أن مسار العلاقة بين أفريقيا وكل من نيودلهي وبيجين لا يشكل طريقا ذا اتجاه واحد: إن القارة السمراء تقوم بتصدير منتجات منها إلى كل من العاصمتين المذكورتين بل إن معظم هذه الصادرات تتركز على قطاع النفط والمعادن الأساسية المستخرجة بالطبع من باطن الأراضي الأفريقية.

لكن على الجانب الآخر من هذا المسار.. يلاحظ المراقبون أن الهند والصين تقومان حاليا بجهد من أجل تحديث الصناعات القائمة على أرض إفريقيا ذاتها. ويتم ذلك بفضل توظيف استثمارات طائلة من جهة وإيفاد خبرات عالية التخصص إلى أقطار القارة السمراء من جهة أخرى.

والسؤال هو: إلى أي حد أثمرت هذه الجهود من تعاون الجانبين الآسيوي والأفريقي في تغيير الأحوال على صعيد أفريقيا؟

إن الإجابة التي يقدمها المفكر الاقتصادي برودمان توضح أن هذه الأنشطة الاقتصادية المشتركة آتت ثمارها وخاصة مع ظهور طبقة متوسطة في كل من الهند والصين ممن ارتفعت دخولهم المادية.

وزادت قدراتهم الشرائية فكان أن شرع أعضاء هذه الطبقة الناشئة في شراء السلع المصّنعة الواردة من أفريقيا ومعظمها سلع خفيفة من أجل استهلاك الأسر المعيشية.

كما أنها تتسم بأنها معقولة التسعير، هذا فضلا عما استطاعت الأقطار الأفريقية إنتاجه وتصديره إلى الشريكين في الصين والهند من الأصناف الغذائية المجهزة والمحفوظة.

نهج إنمائي جديد

من هنا تؤكد دراسة مجلة «السياسة الخارجية» أن مثل هذا الأنماط من التعاون أو الشراكة التجارية ؟ الاقتصادية أدت إلى مزيد من تحرك دول أفريقيا النامية بعيدا عن النهج التقليدي الذي ظل متبعا حتى في حقبة ما بعد الكولونيالية ؟

في عقد الستينات والسبعينات حيث اتسمت أنماط الإنتاج والتصدير على صعيدها بالاعتماد على محصول واحد (الكاكاو مثلا في غانا أو المطاط مثلا في سيراليون) أو على مادة معدنية واحدة (النحاس في زامبيا أو البترول في نيجيريا).

وتصف الدراسة هذا التحول بأنه يشكل وسيلة لنقل أو ترقية البلدان الأفريقية جنوب الصحراء من موقعها الذي كان قابعا عند أدنى حلقات سلسلة الإنتاج خاصة .

وأن علاقاتها التجارية مع دول الشمال (أوروبا بالذات) كانت تؤدي إلى تكريس أو إدامة هذا الوضع المرفوض. وإذا ما ترجمت هذه الحقائق إلى لغة الإحصاء فإن الأرقام التي توردها دراسة خبير البنك الدولي تشهد بما يلي:

منذ عام 1990 زادت صادرات أفريقيا إلى آسيا ووارداتها من آسيا على نحو يفوق تعامل القارة السمراء مع أي منطقة أخرى من مناطق العالم: الصادرات ظلت تنمو بمعدل 15 في المائة سنويا على مدار الفترة 1990 ـ 1995 ثم ارتفع هذا المعدل في الفترة بين عامي 2000 و2005 ليصل إلى 20 في المائة في السنة.

أما واردات أفريقيا من شريكيها في آسيا فقد زادت بدورها بنسبة 13 في المائة سنويا في الفترة 1990 ـ 1995 ثم ارتفعت النسبة لتبلغ 18 في المائة للفترة بين عامي 2000 و2005.

ولكي نحسن تقدير هذه الأرقام.. لابد وأن نعرف أن نصيب الاتحاد الأوروبي، بجلالة قدره، من صادرات أفريقيا انخفض إلى النصف، وبحيث أصبحت آسيا تضاهي أو بالأدق تنافس وتوازي كلا من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في العلاقة التجارية ؟

الاقتصادية وبمعنى إزاحة كل من أوروبا وأميركا من موقعهما الذي طال عليه الأمد بوصفهما أكبر شريكين تجاريين للقارة السمراء على مدار حقب ممتدة من الزمن.

الهند والصين في القارة السوداء

فيما تستدعي عبارة «طريق الحرير» ذكريات تعود إلى حقب انقضت في تاريخ العالم القديم والحديث.. حيث كان هذا الطريق يصل منذ عصور إمبراطورية الرومان بين أصقاع الصين وجزء من شبه القارة الهندية في الشرق الآسيوي البعيد وبين مناطق أوروبا الغربية المطلة بالذات على البحر المتوسط.. وكأن طريق الحرير القديم كان بمثابة الجسر التجاري ؟ الثقافي الواصل بين عالمي آسيا وأوروبا ؟

إلا أن المرحلة الزمنية الراهنة، وخاصة على مدار السنوات العشرين الأخيرة، بدأت تشهد ظاهرة جديدة يحددها واحد من الخبراء الاقتصاديين الاستشاريين لدى البنك الدولي وتحمل عنوان «طريق الحرير في أفريقيا» ويقصد بها ظاهرة العلاقات الاقتصادية والتجارية التي نشأت على مدار العقدين الأخيرين ومازالت في حالة من التوسع المتنامي بين القارة السمراء ؟

أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، وبين كل من الصين والهند بوصفهما من القوى العالمية الناهضة أو الصاعدة في مضمار الإنتاج والاقتصاد والتنمية على صعيد عالم اليوم.. و

بديهي أن هذه الجسور المتنامية التي تصل حاليا بين الصين والهند من ناحية وأفريقيا من ناحية أخرى جاءت على حساب الانكماش أو التقلص المطرد في علاقات النشاط الاقتصادي والتبادل التجاري بين أفريقيا وشركائها التقليديين في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة..

هذا فضلا عن أن الطرف الأول من المعادلة الجديدة، وهو الصين والهند، يشهد حاليا بزوغ طبقات وسطى بدأت تستهلك الواردات الأفريقية من السلع المنزلية والأدوات الاستهلاكية والمصنوعات القطنية فيما يواصل الطرف الآخر .

وهو أفريقيا تصدير منتجاته من النفط والمعادن والسبائك والمعادن النفيسة إلى كل من نيودلهي التي باتت تربطها علاقة اقتصادية خاصة ومتوسعة مع جنوب أفريقيا بالذات، إضافة إلى بيجين التي تكاد علاقاتها مع القارة تتركز على 5 من أقطارها هي:

السودان ونيجيريا والكونغو وأنغولا وغينيا الاستوائية. ويلاحظ أن هذه الأقطار جميعا في مقدمة منتجي البترول على صعيد القارة.

محمد الخولي