تعطيك باكستان شعورا بأنها تتربص بك، تماما كما بدأت حرارة الظهيرة تتربص بالأهالي المقيمين في بيشاور، عاصمة الإقليم الشمالي الغربي.

وتغطي أدخنة الوديان الكثيفة الأسوار الحصينة والشاسعة لقلعة أثرية قديمة تدعى «بالاحصار». وكتبت على البوابة القديمة عبارة «مقر القوات الحدودية».

ولاحظت وجود مدفع بريطاني قديم منتصب على المرتفعات، وبجانبه مدفع جديد وقوي مضاد للطائرات، وفجأة وجهت المدافع نحونا، ونحو كل من يدخل هذه المدينة الشاسعة، المترعة بالألم. ويقف الجنود الملتحون عند كل تقاطع، ويتدلى الرصاص من الأحزمة الموجودة على أكتافهم.، وتنتصب الأسلحة الرشاشة على قوائم مثلثة خلف أكوام من الأكياس الرملية، فيما تنتحي الشاحنات والحافلات القديمة المليئة بالرجال الملتحين، جانباً.

جلست في حجرة سفلية متواضعة في المعسكر البريطاني القديم، وجلس بجانبي صحافي من بيشاور، وكان يتحدث بطريقة تدل على قهره وغيظه، وكأن أحدهم يصغي إلينا، ويشير إلى الطائرات الأميركية الموجهة عن بعد، والتي كانت تنطلق من الحدود الأفغانية.

يقول الصحافي: «كنت في بلدة دامادولا الحدودية، عندما قدمت هذه الطائرات، لقد قتلت أكثر من 80 فتى في سن المراهقة، كلهم من التلاميذ، وكانوا يتعلمون القرآن في المدرسة الإسلامية التي يديرها أحد قادة طالبان.

وجاء معظمهم من باجور المجاورة، التي تعرضت للهجوم لاحقا. ولحق بهم ذووهم عندما سمعوا صوت الانفجارات، ووقفت الأمهات يشاهدن أشلاء أبنائهن المتناثرة. كان بين الضحايا كثير من الأطفال، بعضهم في سن الثانية عشرة. ولم نستطع تجميع أشلائهم».

مفاوضات

ورفض الصحافي ذكر اسمه، لأنه ما يزال مضطرا للعمل في بيشاور، التي تشكل جزءا من منطقة باجور القبلية، وذلك لتغطية المفاوضات الجارية بين الحكومة وطالبان.

وذكر أن طائرات الاستطلاع ظلت تحلق في الجو لنحو نصف ساعة، ثم حلقت طائرتا هليوكوبتر باكستانيتان، وفي وقت لاحق حاولت الحكومة الباكستانية التغطية على المذبحة، وأعلنت أن مروحياتها هي التي نفذت الهجوم.

وتوجد في إسلام آباد الآن حديقة متألقة بأشجار البلوط الساطعة، وتطل علينا من فوق فروعها طيور كبيرة، ويجلس تحت الشجر موظفا إغاثة إنسانية من الأوروبيين، وقد أمضيا أسابيع في وادي سوات، خلال وبعد هجوم الجيش الباكستاني على طالبان. وذكر هذان الموظفان أن الجيش أعدم العشرات.

وربما المئات، انتقاما لمصرع عدد من جنوده على يد طالبان. وقد اعتقل عدد من الأشخاص الذين أبلغوهما بذلك، وعثر عليهم مقتولين في وقت لاحق.

ماذا يعني كل ذلك؟ فالأميركيون والبريطانيون الذين يعملون في وكالات الإغاثة، سمعوا بهذه المجازر دون شك، وأبلغوا حكومتهم بذلك، دون أن تظهر أية ردة فعل. وفي إحدى القرى ظلت جثتان مسجيتان على قارعة الطريق لمدة يومين.

وهي طريقة يظهر بها الجيش الباكستاني للسكان المحليين ما سيحدث لهم إذا أيدوا طالبان. كيف يمكن للجيش أن يتحكم بباكستان بهذه الطريقة؟

ينحدر نحو 70% من أفراد الجيش الباكستاني من البنجاب، وكذلك 80%ر من الضباط المتقاعدين. وتدفع البنجاب ثمن ذلك باستمرار.

ولكن حتى لا يظهر مقاتلو طالبان بهيئة المقاتلين من أجل الحرية، يصف أكثر الصحافيين الباكستانيين بلاغة وادي سوات بصورة مختلفة، ويقول إنه ما تزال بقع الدم تلطخ ذاكرة الشاب زيارات غول، فقد قتلت طالبان شقيقته شعبانة لأنها كانت تغني وترقص في الحفلات، برغم أن العديد من الفتيات يقمن بذلك في المناطق القبلية خلال الأعراس،، فيما يعزف الرجال على الموسيقى.

وقد غطيت جثة الفتاة بالعملات الورقية، وقرص مدمج لحفلاتها، وصورها. وكانت غارقة في بركة من الدماء، ولم يسمح لأحد بالاقتراب من جثتها قبل حلول اليوم التالي.

وكانت صديقة شعبانة، وتدعى شهناز، شاهدة على الحادث. وقالت في هذا الصدد: «أطفأت الأنوار وتلصصت من فتحة الباب، شاهدت باب حجرتها محطما، وكانت تجلس على الأرض، يحيط بها رجال طالبان المسلحون ببنادق الكلاشنيكوف وقاذفات الصواريخ.

وكان بعضهم يحمل السيوف. سمعت شعبانة تتوسل إليهم للإبقاء على حياتها، غير أن أحد مقاتلي طالبان رد عليها قائلاً إنهم حذروها من الرقص، وعرضوا عليها الزواج بأحدهم، لكنها واصلت ممارسة هذه العادة. وواصلت الفتاة توسلها قبل أن تسكتها طلقات الرصاص».

هجوم مسلح

أتساءل عما إذا كانت كل هذه الروايات صحيحة، لكنها ليست كذلك للأسف، كما تشير الرواية التالية: في الشهر الماضي، وفي مكان غير بعيد عن بيشاور، كانت فرقة رقص عائدة من حفل ساهر، وكانت الساعة تشير إلى الثالثة فجرا، عندما أحاط بالعربة المسلحون.

كان بداخل العربة ثلاث شقيقات وزوج أمهم، وفي العربة الخلفية شقيق الفتيات، وكان يتجادل مع المسلحين الذين كانوا يطالبونه بدفع بعض المال، ثم أطلقوا النار على إحدى شقيقاته، وقتلوها، وكانت مطلقة، وترقص لكي تعيل أطفالها. وقتلت ثلاث فتيات خارج بيشاور في الأسبوعين الماضيين.

وتسيطر طائرات الاستطلاع، الموجهة عن بعد، على الأراضي القبلية، وتحوم في أجوائها باستمرار. وذات ليلة في الشهر الماضي قتلت 14 رجلاً في شمال وزيرستان.

قدمت الطائرات في أسراب، وحلقت خمس منها فوق سماء القرية، وأطلقت كل واحدة خمسة صواريخ على شاحنة صغيرة، فشطرتها إلى نصفين، وحولت الرجال الستة الذين كانوا على متنها إلى أشلاء متناثرة.

وعندما وصل السكان المحليون ورجال طالبان للمساعدة، هاجمتهم الطائرات، وقتلت ثمانية منهم. وعادة ما تعود طائرات الاستطلاع لإطلاق النار على المسعفين، وهي سياسة بدأتها الطائرات الإسرائيلية خلال حصار بيروت عام 1982، ووصلت تطبيقها في قطاع غزة.

وعادة تأتي الطائرات بعد 12 دقيقة عادة لكي تقوم بغارة ثانية. والآن ينتظر القرويون في وزيرستان نصف ساعة، وهم يسمعون صراخ ونواح المحتضرين، قبل أن يحاولوا مساعدة الجرحى.

المفترسة

يطلق الأميركيون على هذه الطائرات اسم «المفترسة» و«الحصادة»، وهي عادة ما تواكب القوات الأميركية في ساحة القتال، وقد اكتسبت شهرة أسطورية في أذهان الباكستانيين، ويطلقون عليها ألقابا مختلفة مثل «الاستعمار الفضائي»، و«إمبريالية الفضاء».

ويشير أحد الصحافيين المحليين إلى أن سكان القرية من الجهلة، غير المتعلمين، ويعتقدون أن هذه الطائرات مخلوقات فضائية، وأرواح شريرة. وهي لا تحتاج إلى مدرج للإقلاع منه، وهي تعيش في الفضاء خلف الحدود الدولية لباكستان وأفغانستان.

ويقولون لإنها تشعر بالجوع فهي تنقض وتقتل النساء والأطفال الأبرياء، وتلتهم جثث الضحايا، قبل أن تعود لمقارها الفضائية الخاصة لأخذ إغفاءة قصيرة. وعندما تشعر بالجوع مجددا، تنقض مرة ثانية وتقتل مزيدا من النساء والأطفال، وبعد أن تفترس جثثهم، تعود لحجرات نومها الفضائية مجددا. وتستمر على هذا المنوال لسنوات عدة.

بالطبع تستمر هجماتها لسنوات، ولكن من أين تنطلق هذه الطائرات التي تشتهر أيضا بلقب «الظلال»؟ عندما زار الرئيس الأفغاني حامد قرضاي باكستان الشهر المنصرم، حضر مجلس الوزراء الباكستاني بأكمله لاستقبال هذا الحاكم، الذي استلم زمام الحكم لولاية ثانية، بمساعدة الأميركيين.

وذلك عقب عمليات تزوير واسعة النطاق للانتخابات في بلاده. والعديد من المستقبلين الباكستانيين وجدوا أن هذا أمر طبيعي في مثل الظروف المحيطة بأفغانستان، وأن رئيسهم عاصف زارداري واجه ظروفا مماثلة، وقد أرسل أتباعه أخيراً إلى واشنطن للمطالبة بزيادة المعونة السنوية البالغة 8, 7 مليارات دولار، بشكل كبير.

وفي جلسة عاصفة للبرلمان الباكستاني، علق رئيس الوزراء يوسف جيلاني على ذلك قائلاً لزرداري: «لقد كنت حليفهم، لكنهم لم يثقوا بك، والآن يثقون بك، ويعقدون معك حوارا إستراتيجيا».

كان الحدث التالي كافيا لإشعار أي باكستاني عادي بالإحراج، فعندما قدمت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون إلى باكستان في نوفمبر الماضي لتوبيخ الطلبة الباكستانيين على شعورهم المناهض للولايات المتحدة.

وللتلميح بأن حكومتهم لا بد أن تعرف مخبأ رجال القاعدة البارزين في الأراضي القبلية، انطلق وزير الخارجية الباكستاني شاه محمود قرشي إلى واشنطن مع قائد جيشه الجنرال عاصف كياني، وهو يحمل أضخم حقيبة استجداء للمال في التاريخ الباكستاني.

ويريد الرئيس الأميركي باراك أوباما إيجاد استراتيجية خروج ملائمة من أفغانستان، وهو يدرك، أخيرا، أن باكستان هي الوحيدة التي تستطيع مساعدته على الخروج من هناك.

لكنه يريد أيضا دعم الهند، وجعلها متراسا له، ضد الصين. وتدرك إسلام أباد، في الوقت نفسه، أن عملاء الهند يحاولون الهيمنة على أفغانستان.

الضيف الأفغاني ومتاعب الشقيق التوأم

لم يكن الذي استرعى اهتمام المسؤولين الباكستانيين، لدى زيارة الرئيس الأفغاني حامد قرضاي لبلادهم، ملاحظاته حول الحب الأخوي بين الشعبين الأفغاني والباكستاني، من خلال إعلانه أن الهند هي الصديق الوثيق لأفغانستان.

بينما باكستان أشبه بالشقيق التوأم، بل من خلال إعلانه أن الهجمات الصاروخية المدمرة، التي تقوم بها طائرات الاستطلاع الأميركية، التي تعمل بالتوجيه عن بعد، لا تنطلق من أفغانستان، وأن حكومته غير قادرة على منع هجماتها.

وبدا قرضاي مقهورا، ومدافعا عن نفسه في تبريراته، ومتعاطفا بصورة كبيرة مع رئيس الوزراء الباكستاني يوسف جيلاني، بشأن العدد المتزايد للإصابات بين المدنيين الباكستانيين.

ولأول مرة يقول قرضاي الحقيقة، فالطائرات التي تنطلق من قاعدة قندهار الجوية تهاجم طالبان أفغانستان وباكستان داخل الحدود الدولية، بينما تأتي الطائرات التي تهاجم باكستان من داخل الأراضي الباكستانية نفسها.

وفي الواقع، أطلق الأميركيون طائراتهم من قاعدة تابعة لسلاح الجو الباكستاني في تيربيل، التي تبعد 50 ميلا إلى الغرب من إسلام أباد. وبدا الضباط الأميركيون مهتمين باستخدام مطار بيشاور.

وهو المطار نفسه الذي استخدمته طائرات التجسس الأميركية من طراز «يو-2»، ومنه انطلق الطيار غاري باورز ليحلق فوق الاتحاد السوفييتي، خلال الحرب الباردة.

وأمضت طالبان أسابيع عدة في محاولة اكتشاف المقر الذي يوجه منه الأميركيون طائراتهم الاستطلاعية. وخلصوا في نهاية المطاف إلى أن مركز التحكم يقع في الطابق الأخير من فندق ماريوت في إسلام أباد. لكنهم كانوا مخطئين، صحيح أن ضباطا أميركيين أقاموا في الفندق، لكنهم لم يكونوا تابعين لسلاح الجو الأميركي.

وهذا يفسر تعرض فندق ماريوت لهجوم انتحاري في عام 2007، ومجددا بواسطة شاحنة متفجرة في 20 سبتمبر عام 2008، ليس لأن الرئيس الباكستاني عاصف زارداري كان قد ألقى خطابه الأول الموجه للبرلمان على بعد بضع مئات من الأمتار من ذلك المكان، قبل ذلك بوقت قصير، ولكن لأن طالبان كانت تحاول تدمير العقل المدبر لهجمات طائرات الاستطلاع الأميركية.

الجيش الباكستاني يدخل دائرة المعادلة الصعبة

يبدو أن الحرب آخذة بالتحول الآن نحو الجيش الباكستاني، فعلى الرغم من أن السلطات الباكستانية تحاول تصوير الأهداف التي تتعرض للهجمات في باكستان بأنها مدنية محضة، فإن الهجوم على مركز التحقيق الذي تستخدمه الشرطة في لاهور في 8 مارس كان مجرد تحذير. وكان من بين الضحايا البالغ عددهم 18 قتيلا، 9 من رجال الشرطة.

وعرف ذلك المركز بجلسات تحقيقه الليلية. واشتكى السكان المحليون مرات عدة من الصرخات التي كانت تنطلق من الطوابق السفلى للمبنى، ليس بسبب الإزعاج الذي تسببه، بل لأنها جعلت منازلهم أهدافا للمفجرين الانتحاريين.

وكان تخوفهم في موضعه، فقد وقع في حينه أسوأ تفجير انتحاري في عام، وذلك في ملعب لكرة السلة في لاكي مروات، حينما قتل 105 أشخاص معظمهم من رجال الشرطة وحرس الحدود.

وفي 4 فبراير، حدث هجوم انتحاري آخر ضد قافلة عسكرية في منطقة كيوتو، وقتل في الحادث 3 تلميذات ورجل شرطة و3 جنود أميركيين. ومنذ 11 سبتمبر 2001 لقي أكثر من 5700 شخص حتفهم في هجمات مسلحة في باكستان. وكان ذلك انتقاما لهجوم الجيش الباكستاني على سوات ووزيرستان.

ودهش العسكريون الباكستانيون كانوا مندهشين من تصميم طالبان باكستان على مواصلة الهجمات. فبعد أربعة أيام من هجوم لاهور، عثرت الشرطة الباكستانية على 1500 كيلوغرام من المتفجرات وحزامين انتحاريين في بلدة إقبال قرب عاصمة البنجاب، بالإضافة إلى قنابل يدوية روسية الصنع، وكمية كبيرة من الذخيرة.

وأشار الصحافيون الباكستانيون إلى أنه وسط هذه الفوضى من الحرب على الجيش الباكستاني، قتل أكثر من 320 باكستانيا، وجرح أكثر من 500 آخرين في 15 هجوما انتحاريا وقع في مختلف أرجاء باكستان، في الأيام السبعين الأولى من عام 2010، في مقابل 11 هجوما انتحاريا فقط في الفترة نفسها من العام السابق.

بقلم ـ روبرت فيسك - ترجمة: عمر حرزالله