من خصوصية العلاقة بين الولايات المتحدة والصين أنها، منذ قيامها عام 1972 وحتى اليوم؛ بقيت تتماوج بين هبّة باردة وهبّة ساخنة، من دون أن تنتهي إلى قطيعة وعداء، ولا أن تتحوّل إلى شراكة، طمح إليها البعض. تحرّكت بين التوتر والاسترخاء. بين التقارب والابتعاد. استمرارها، كان ـ ولا يزال اليوم ـ حاجة وضرورة للجانبين.
ربما هذا ما حفظ لها توازنها، وبالتالي تجدّدها بعد كل هزّة كانت تتعرض لها. لكنها في الوقت نفسه، كانت دوماً مشوبة بالارتياب المتبادل.
خاصة من جانب بكين. وبالأخص يوم كانت هذه الأخيرة لا تملك من الأوراق غير القليل والضعيف.اليوم وبعد أن دار الزمن دورته، انقلبت الأمور إلى حدّ بعيد.
التعديلات التي طرأت على الموازين، أدّت إلى تغيير في المواقع. صحيح أن أميركا لا تزال في قمرة القيادة الدولية. والصحيح أيضاً، أن الصين صار بيدها أوراق كبيرة. إدارة أوباما بحاجة إلى الرافعة الصينية، في أكثر من ملف؛ مواجهته متوقفة على تعاون بكين معها.
على هذه الخلفية، يصل الرئيس الصيني، هيو جينتاو، إلى واشنطن بدعوة من نظيره الأميركي للمشاركة في قمة الأمن النووي؛ التي تبدأ عمالها بعد غد الاثنين. حتى أيام قليلة، كانت الزيارة في مهب الريح. كادت تنسفها حالة التوتر التي نشأت مؤخراً بين الجانبين.
إدارة أوباما أغاظها عدم تعاون القيادة الصينية معها، في قمة المناخ في كوبنهاغن؛ ديسمبر الماضي. كما اشتكت من رفض الصين، إعادة النظر في تثبيت سعر عملتها، اليوان، بالنسبة للدولار.
والذي تقول واشنطن إنه أقل بكثير من قيمته الحقيقية. الأمر الذي يؤدي إلى تسهيل غزو السلع الصينية للأسواق الدولية؛ ومنها السوق الأميركية، بحيث يترتب على ذلك عجز تجاري كبير لمصلحة الصين.
يضاف إلى ذلك، عزوف بكين عن المضي مع واشنطن، في موضوع العقوبات على إيران. ردّ إدارة أوباما، بالموافقة على صفقة سلاح مع تايوان بقيمة 5،6 مليارات دولار، ثم لقاء الرئيس الأميركي مع الدلاي لاما في البيت الأبيض؛ أثار بكين.
الرد أدّى إلى ردّ مقابل، تراوح بين إثارة مشكلة مع محرك «غوغل» الأميركي، وبين البدء بالمزيد من التشدّد بخصوص العقوبات ضدّ إيران.
مع ذلك، عندما اقترب موعد القمة، بدأ الجانبان بالتراجع، والتحلي بالمرونة التي تكفل حضور الرئيس الصيني ومشاركته بأعمالها. بخلافه، يزداد التوتر، ويصبح سعي الإدارة الأميركية لفرض عقوبات على إيران، محكوم عليه بالإعدام بسيف الفيتو الصيني، في مجلس الأمن الدولي.
على الأقل في المدى المنظور. وزارة المالية الأميركية، عمدت إلى تأجيل تقريرها النصف سنوي، المقرر صدوره في الخامس عشر من الجاري؛ إلى وقت لاحق؛ والذي كان يزمع ـ بضغط من الكونغرس ـ ـ تصنيف الصين كـ «مضارب» دولي، من خلال عملتها المخفضة قيمتها بصورة مفتعلة.
الأمر الذي كان من شأنه أن يدعو إلى تدخل صندوق النقد؛ وبالتالي فسح المجال أمام واشنطن لاتخاذ إجراءات حمائية. وفي ذلك ضرر كبير للصادرات الصينية.
بكين، من جهتها، سرّبت تلميحات حول رغبتها في إعادة النظر بسعر عملتها؛ على أن يجري ذلك بعد أشهر، وليس الآن. وقبل أيام، أجرى أوباما مكالمة مع جينتاو، لأكثر من ساعة؛ حول الملفات المطروحة.
مثل هذا الانكفاء باتجاه تسوية الأمور ليس جديداً. صار نمطاً في علاقتهما، التي دشّنتها زيارة الرئيس نيكسون؛ قبل نحو أربعة عقود. حتى حادثة مثل إجبار الصين لطائرة استكشاف أميركية على النزول من فوق إحدى جزرها عام 2001 ومصادرة ما تحمله من معدات حساسة؛ حتى مثل ذلك لم يصل بالعلاقات إلى حدود أزمة كبيرة. سرعان ما عادت الأمور إلى مجاريها.
وقبل ذلك، سبق وتوترت العلاقات، عام 1975، لكن لتعود إلى حالها المتأرجح، من جديد. أحداث ومحطات، أكد تجاوزها وجود حاجة ومصلحة، لديهما، في الحفاظ على الجسور الواصلة.
الولايات المتحدة، تلعب أوراقها كقوة عظمى. بقدراتها العسكرية أساساً، ثم الاقتصادية ولو المتضائلة. الصين هي الأخرى، تلعب أوراقها. لكن كقوة اقتصادية صاعدة، على درج القوة العظمى.
عينها على أسوق العالم ومنها الأميركية. قطعت الشوط الأكبر، من غير أن تفقد بوصلتها التي وضعها زعيم نهضتها، دانغ كسياو بنغ. القوة العسكرية، ثبتت محدوديتها. الحرب في كل من العراق وأفغانستان، كشفت عن ذلك.
فكتور شلهوب
