لم تتوقّف ضغوط الإدارة الأميركية على إسرائيل عند تلميحها بالسماح بفتح ملف السلاح النووي فيها (في أي مؤتمر يبحث في نزع التسلح النووي)، وتلويحها بعدم استخدام«الفيتو» في مجلس الأمن الدولي، إزاء أي قرار يخصّها.

وإيحائها بالتوجه لوضع قيود على المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري معها، فثمة خطوة أخرى، أيضا، تتمثل بطرح خطة سلام أميركية، يتم فرضها على إسرائيل، بالتعاون مع أطراف اللجنة الرباعية (التي تضم الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة).

وبحسب تقرير نشره اورالي ازولاي، فإن الرئيس الأميركي أوباما يعتزم طرح هكذا خطة «في حال لم يوفّر نتانياهو أجوبة شافية على التساؤلات التي طرحها عليه، خلال زيارته لواشنطن..

من اللحظة التي تطرح فيها الخطة، ستبلور الولايات المتحدة ائتلافا مع أوروبا للضغط على إسرائيل وعلى الجامعة العربية كي تدخل الأطراف في مفاوضات.» ويحيل أزولاي سبب عدم مبادرة اوباما لطرح خطته إلى حرصه على عدم الظهور كمن يفرض خطة على الطرفين.

وبحسب التقرير فإن الجواب المركزي الذي يتوقعه اوباما من نتانياهو يتعلق بالبحث في المواضيع الجوهرية (مكانة القدس، ترسيم الحدود، الترتيبات الأمنية ومشكلة اللاجئين)..في البيت الأبيض يقدرون بأن رفض نتانياهو البحث في هذه المواضيع فورا يدل على انه غير معني حقا في الوصول إلى حل ويسعى إلى التسويف.» (يديعوت أحرونوت»، 326) .

ويؤكد يورام بيري (رئيس معهد البحوث الإسرائيلية في جامعة ميريلاند) على ذلك، في قائمة «مؤشرات..مثل المبادرة الأوروبية للاعتراف بشرق القدس عاصمة للفلسطينيين، تأييد خطة فياض التي تستهدف إقامة دولة فلسطينية بعد سنتين، حل دولي مفروض، وتوجد أيضا مبادرات أخرى.» («يديعوت احرونوت»، 228)

وقد فسر محللون إسرائيليون هذا التطور بأن اوباما ملّ لعبة كسب الوقت التي يمارسها نتانياهو، وأنه سئم تملصات إسرائيل، لاسيما أن الوقت اخذ بالنفاذ، مع اقتراب موعد انسحاب القوات الأميركية من العراق وأفغانستان، وفي مواجهة الملف النووي الإيراني، ومع خشية الولايات المتحدة من التداعيات السلبية التي يمكن أن تنجم عن ذلك، على مصالح ومكانة كل من الولايات المتحدة وأصدقائها في المنطقة.

وبالنسبة للربط بين أفغانستان والعراق وإيران من جهة وعملية التسوية من جهة أخرى، فيعود برأي حاييم آسا إلى أن «الصراع الأميركي في العراق وفي أفغانستان هو أيضا صراع في سبيل وجود إسرائيل. التوابيت التي تعيد جثث جنود المارينز هي الثمن الباهظ الذي تدفعه الولايات المتحدة. نحن أيضا في هذا الصراع ؟

حيال حماس وحزب الله. هذا صراع في الساحة الدولية. توجد صلة عميقة بين هاتين الساحتين..إذا خرجت الأزمة بين إسرائيل والولايات المتحدة عن السيطرة..فإن إسرائيل ستصبح مشكلة في نظر المصلحة الأميركية. وإذا ما استمرت هذه المشكلة لزمن طويل، فلن يكون للأميركيين مفر غير تغيير مكانة إسرائيل من ناحية الولايات المتحدة.

(»معاريف»، 41) ويؤكد على ذلك، أيضا، تسفي بارئيل، الذي يرى أن إسرائيل وأفغانستان والعراق، «كلها دول ترتبط بحبل سري في الولايات المتحدة، كلها تشكل خطرا أمنيا إقليميا..فيها تدير واشنطن سياسة داخلية..لأن السياسة الداخلية لها جميعها تعرض للخطر السياسة الخارجية للولايات المتحدة. في العراق تتدخل..

في الخلافات بين السنة، الشيعة والأكراد، في أفغانستان تملي على الرئيس الشروط التي تساعده على التقدم في حربه ضد القاعدة، وبالنسبة لإسرائيل أوضحت جيدا..بأنها لن تدع سياستها الداخلية تشوش السياسة الأميركية الخارجية. («هآرتس»، 328) .

بل إن عكيفا الدار يعتقد أن وقت إسرائيل ينفذ، فهي برأيه تبقّى لها «أقل من سنة ونصف للتوصل إلى تسوية متفق عليها مع الفلسطينيين..إذا لم يخرج الفلسطينيون عن طريق فياض في أغسطس 2011، فإن الأسرة الدولية وعلى رأسها الولايات المتحدة، من المتوقع أن تعترف بالضفة الغربية وبشرقي القدس كأراضي دولة سيادية تحتلها دولة أجنبية.» (عكيفا الدار، «هآرتس»، 329).

معلوم أن ثمة معارضة من اليمين المتطرف لأي تدخل أميركي، ولأي خطة سلام أميركية، ولكن ثمة أيضا مؤيدين، بل ومتحمسين لها. وبحسب جدعون ليفي، فإن الإدارة الأميركية بدأت الآن «تشعر بصداقة حقيقية مع إسرائيل والاهتمام بمصيرها. هكذا يسلك الصديق: فهو يرسل صديقه المدمن للمخدرات للفطام..

لن يأتي أي تغيير من داخل إسرائيل..هذا هو الوقت..لفرض خطة الفطام على إسرائيل.. يجب على أميركا أن تقرر إلى أين تتجه، والى أين تريد أن تقود إسرائيل والشرق الأوسط والعالم..يدور الحديث عن..مستقبل إسرائيل..عن ضغط على إسرائيل لبدء الانطواء في حدودها. (جدعون ليفي، «هآرتس»، 318).

بقي أن نعرف إلى أي حد ستذهب أميركا بضغوطها الفعلية على إسرائيل؟ وكيف ستتعامل إسرائيل مع هذا الوضع الجديد عليها؟

ماجد كيالي