خلال عقد الثمانينات ازدادت هجرة العقول العراقية بسبب الحرب العراقية ـ الإيرانية، مما اضطر الحكومة العراقية آنذاك إلى فرض منع السفر عام 1982، نتيجة إدراكها لتصاعد أعداد المهاجرين، ولولا هذا الإجراء لكانت الهجرة بأعداد أكبر.
وفي هذه المرحلة، امتنع الكثير من الطلبة الذين أكملوا دراستهم في الخارج عن العودة إلى بلدهم، بسبب عدم رغبتهم في التجنيد الإجباري، ولاستمرار الحرب العراقية الإيرانية، على الرغم من أن الكثير منهم قد أرسل لإكمال دراسته في الخارج على نفقة الدولة.وبعد حرب الخليج الثانية 19901991 وفرض الحصار الاقتصادي الجائر على العراق، وانقطاع التواصل العلمي للكفاءات العراقية مع العالم المتقدم، وتخلف وسائل التأهيل والتعليم والاتصال، أدت هذه العوامل كلها إلى هجرة لفيف من الأستاذة الجامعيين والفنيين والأطباء والمهندسين، بهدف تحسين مداخيلهم الشهرية. وتميزت ليبيا واليمن عن غيرهما من الدول العربية في استقطاب الكفاءات العراقية والترحيب بها، كما شهد الأردن هجرة عدد من العلماء العراقيين الذين وجدوا مجالات رحبة للعمل في الجامعات الأهلية الأردنية، التي كانت قد فتحت في عقد التسعينات.
استهداف ممنهج
تصاعدت وتيرة هجرة الكفاءات العراقية بعد الغزو الانكلو ـ أميركي للعراق عام 2003، إلى أضعاف مضاعفة، وذلك بسبب استمرار مسلسل الاغتيالات والاختطاف، من أجل تصفية البلاد من العقول والأدمغة ذات الخبرة العراقية المتميزة.
ففي تقرير للجنة الدولية للصليب الأحمر عام 2008، وجدت أن أكثر من 2200 طبيب وممرض عراقي قتلوا، و250 اختطفوا منذ العام 2003، وأكثر من 20 ألفا من الكوادر الطبية من مجموع 34 ألفا، اضطروا إلى مغادرة العراق بعد الغزو الأميركي، واختفى عشرات الآلاف، كما اغتيل أكثر من 5000 عالم عراقي ومهندس، فضلا عن اغتيال علماء الذرة العراقيين.
لقد أقر الكونغرس الأميركي مطلع العام 2003 قانون هجرة العلماء العراقيين، الذي نص على منح هؤلاء العلماء تصريح إقامة دائمة في الولايات المتحدة، شرط إعطائهم معلومات دقيقة حول أسلحة الدمار الشامل، التي اتهم بها العراق كذبا وزورا، وجعلوها مبررا لغزوه، فقد حققت معهم فرق التفتيش الدولية قبل شن الحرب على العراق، إلا أنهم رفضوا مغادرة البلاد.
ومن الطبيعي أنه كانت لدى واشنطن قوائم بأسماء هؤلاء العلماء وعناوينهم، مما أدى إلى مطاردتهم بعد الاحتلال، واعتقال بعضهم، وقتل وتشريد بعضهم الآخر، فضلا عن محاولة إغراء البعض من العلماء العراقيين لكسبهم لصالحها، من خلال ترحيلهم إلى الولايات المتحدة الأميركية، وإعطائهم الجنسية، ودمجهم في مشاريع هناك، واستثمارهم في بناء مؤسساتها وقدراتها.
لم يقتصر الأمر على الاستهداف الأميركي للعقول العراقية، وإنما تعداه إلى الاستهداف الإسرائيلي، حيث يكشف جنرال فرنسي متقاعد عن وجود عدد من وحدات الكوماندوز الإسرائيلي، التي دخلت الأراضي العراقية بهدف اغتيال العلماء العراقيين، خشية انتقال تلك العقول إلى الدول العربية والإسلامية الأخرى.
وقد أشار بعض التقارير إلى أن فرق الاغتيالات الإسرائيلية، اغتالت ما يزيد على 500 عالم من علماء وأستاذة العراق.. والقائمة مفتوحة للمزيد.
لقد عمل الدور الإسرائيلي في العراق على تصفية العلماء العراقيين وملاحقتهم، ومحاولة استقطاب البعض الآخر منهم ونقلهم إلى إسرائيل مع أبحاثهم، ليتم التعامل معهم في معسكرات سرية، بشكل يضمن تعاونهم وتنفيذهم للأوامر.
ترغيب وترهيب
وفضلا عن الكفاءات والقدرات العلمية العراقية المستهدفة، وصلت المأساة إلى مراكز الدولة العلمية والثقافية، وذلك لمحو ذاكرة العراق التاريخية والثقافية، إذ حرقت آلاف المجلدات العلمية في مراكز الأبحاث، وحرق أرشيف الدولة بمقتنياته ومخطوطاته، ونهبت المؤسسات العلمية والثقافية بنسبة 80% من موجودات الدولة.
فقد نهب المتحف العراقي الذي يضم نفائس الإرث الحضاري لحضارة وادي الرافدين، والذي ضم مختلف الحضارات العراقية السومرية والآشورية والأكدية والبابلية، فضلا عن موروث ضخم لخمسة قرون من تاريخ الدولة العباسية، والتي تمركزت في بغداد مدينة الرشيد.
وقد شملت حملة الاستهداف، كوادر الجيش العراقي السابق من ضباط وطيارين، شهد لهم التاريخ العراقي بالكفاءة والاقتدار، وخاصة بعد إطلاق قانون اجتثاث البعث الذي سنه الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر، إذ تمت تصفية أكثر من 70% من تلك الكوادر بعد الاحتلال، وبدعوى اشتراكهم في الحرب ضد إيران.
فلدى الكثير من الجهات الأمنية والحكومية المتعاقبة في العراق، قوائم بأسماء الضباط والطيارين الذين جرى اختطافهم واعتقالهم ومحاكمتهم صوريا، وتنفيذ حكم الإعدام فيهم.
وشكلت دعوة الرئيس العراقي جلال الطالباني في مطلع أكتوبر 2005، العسكريين من الضباط والطيارين إلى الإسراع في الانتقال إلى كردستان الآمنة، لدى استقباله لعدد من الضباط السابقين في الجيش العراقي، الدليل القاطع على أن ظاهرة إعدام العسكريين والضباط بشكل خاص، قد تخطت نطاق الأعمال العشوائية.
و أضحت عملا منهجيا تقوم به الميليشيات المنتشرة في العراق. حتى ولو كانت دعوة الطالباني جاءت للاستفادة من الكوادر العسكرية العراقية لاستغلالها في بناء القدرات المسلحة الكردية وتطويرها، وبما يضمن الحصول مجانا على كنز من كنوز الدولة المنحلة.
أسباب متعددة
وهناك عدة أسباب أدت إلى هجرة الكوادر العلمية والعسكرية من العراق، أبرزها:
1 ـ تردي الأوضاع الأمنية والمعيشية في العراق، وتعذر الاستمرار في العمل اليومي الطبيعي، بما في ذلك حرية التنقل من مكان إلى آخر.
2 ـ التهديد اليومي للأساتذة بالقتل، وقد قتل عدد كبير منهم، وما زالت عمليات القتل والاختطاف مستمرة. وقد تنوعت تلك التهديدات، فمنها سياسي وآخر طائفي وثالث إجرامي، ورابع بدوافع شخصية تكمن في نفوس بعض الطلبة.
وهي تنطوي ضمن العمل الإجرامي في ظل غياب دولة القانون. وكانت أولى عمليات الاغتيال للأستاذة العراقيين في 27 يوليو 2003، عند مقتل الدكتور محمد الراوي، وكان قد شغل منصب رئيس جامعة بغداد في عهد النظام السابق، وبعدها تتالت عمليات الاغتيال بشكل ملفت للنظر.
3 ـ انخفاض الدخل الشهري للأستاذ الجامعي في العراق بالمقارنة مع أقرانه في الدول المجاورة، حيث أكد هذه الحقيقة عدد من المسؤولين في وزارة التعليم العالي العراقية.
ومنهم رئيس جامعة بغداد الذي أهاب بالكفاءات العراقية المهاجرة العودة إلى أرض الوطن، ولكنه حذر في الوقت نفسه من انخفاض المردود المالي في العراق، مما يستوجب التضحية.
4 ـ نقص الأجهزة والمستلزمات العلمية والمختبرية والكتب والمصادر التي تساعد في عملية التدريس والبحث العلمي، حيث ساعدت عمليات النهب التي حدثت إثر سقوط النظام، في تردي الأوضاع وتخريب المباني ونهب الموجودات التي لا يمكن أن تعوض بسهولة.
وعلى الرغم من أن الوضع الأمني في العراق بات يفوق قدرة الحكومة العراقية في السيطرة عليه، إلا أن ذلك لا يبرر الصمت المطبق على اغتيال العلماء والأساتذة الجامعيين، فأغلب هذه الجرائم ظلت بدون متابعة أو تحقيق جدي.
فالمطلوب من الحكومة العراقية الجديدة أن تضع أمن العلماء والأساتذة في أولى أولوياتها، من خلال توفير الأمن للبلد ككل، ثم بتأمين العلماء أنفسهم، ونشر قوات الأمن في المراكز العلمية وفي تجمعات الأساتذة، مما يضيق الخناق على المجرمين ويحد من جرائمهم.
وينبغي الإشارة إلى أن هناك جهات دولية انتبهت لهذا الوضع المأساوي، وطالبت بدور ملموس في هذا الشأن، وكان على رأسها منظمة «بروكسل تربيونال» أو «محكمة بروكسل».
والتي قدمت مذكرة وقع عليها العديد من المنظمات الإنسانية الدولية ومن المثقفين في العالم، إلى هيئة حقوق الإنسان في المقر الخاص للأمم المتحدة في بجنيف، تطالب بـ «إجراء تحقيق فوري عالمي مستقل، في عمليات اغتيال العلماء والأكاديميين العراقيين».
وخاصة بعدما تبين أن الطبقة المتوسطة المتعلمة التي ترفض التعاون مع الاحتلال تتعرض لتصفية كاملة، مؤكدة أن الولايات المتحدة كقوة احتلال، تتحمل حسب القانون الدولي، مسؤولية حماية المدنيين العراقيين ومن ضمنهم الأكاديميون والمثقفون
باحثة عراقية بداية هجرة الكوادر العراقية
تزخر الأرض العراقية بكثرة كفاءاتها العلمية والأدبية والتقنية وفي المجالات كافة، التي هاجرت من وطنها، وهذا له انعكاساته السلبية على الوضع العراقي.
فرغم أن الحكومات العراقية المتعاقبة عملت على تربية وإعداد كفاءات علمية متميزة وعلى المستويات كافة، إلا أنها لم تعمل على احتضان تلك الكفاءات، وتوفير المناخ البيئي والعلمي والاجتماعي لها، ورفدها بكل مقومات الاستقرار. وهذا يتضح من كثرة استمرار نزيف هجرة الكفاءات العراقية، ومنذ فترات مبكرة من تاريخ العراق الحديث.
والعراق ليس هو البلد الوحيد الذي تعرض لمثل هذه الهجرة، فهناك العديد من الدول العربية والإسلامية والأجنبية التي تعرضت إلى هجرات متوالية.
واستنزاف العقول مصطلح ابتدعه البريطانيون، للدلالة على خسائرهم الناجمة عن تسرب العقول البريطانية من العلماء والمهندسين والأطباء.
في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى الولايات المتحدة الأميركية، سعيا وراء الدخل المادي المرتفع، والدعم الواسع للبحث العلمي. ويعرف استنزاف العقول وتركهم لمواطنهم الأصلية إلى بلدان أخرى، بأنه «نوع من فقدان أو خسارة مصدر حيوي من دون تعويض، سواء من جانب الدولة المستفيدة للدولة الخاسرة، أو من العلماء المهاجرين أنفسهم لأوطانهم الأصلية».
وقد بدأ تيار الهجرة يتصاعد في العراق بعد استلام حزب البعث السلطة في العام 1968، وحسب بحث أعدته منظمة العمل الدولية، فقد بلغ عدد المهاجرين العراقيين من أصحاب الكفاءات، حوالي 4192 إلى الولايات المتحدة و204 إلى كندا، خلال الأعوام 19661969.
كما شهدت سبعينات القرن الماضي تزايدا ملحوظا في هجرة الكفاءات، حيث يعد العامل السياسي الدافع الرئيسي وراء الهجرة في هذا العقد، أما الدافع الاقتصادي فقد كان ثانويا بعد تحسن وضع الاقتصاد العراقي بسبب ارتفاع أسعار النفط.
وإزاء هذه الحالة أصدرت الحكومة العراقية في العام 1972 قانون رعاية الكفاءات، لتشجيع الكفاءات العلمية الموجودة في الخارج على العودة إلى العراق، غير أن هذا القانون لم يوقف نزيف الهجرة العراقية.
ففي دراسة أجرتها اليونسكو، تبين أن العراق يقع ضمن سبعة بلدان عربية يهاجر منها كل عام 10 آلاف من المتخصصين، كالمهندسين والأطباء والعلماء والخبراء، وفي دراسة أجرتها الأمم المتحدة عام 1974، قدرت أن 50% من حملة الشهادات الجامعية الأولى (البكالوريوس) في العلوم والهندسة و90% من حملة الدكتوراه، هم في خارج العراق.
د. سهير عواد الكبيسي

