يربط المؤلف في هذه الحلقة بين الثروة والحرب. ويضرب لذلك المثل من أهم بارونات الثراء والتربّح في أوروبا منذ القرن التاسع عشر، وهي عائلة روتشيلد اليهودية التي ظلت تنفذ وصية عميدها التي تقول: إذا لم تنل حب الناس.. فعليك أن تزرع الخوف في قلوبهم!
ويوضّح الكتاب كيف عمدت هذه الأسرة الثرية إلى تمويل معركة واترلو التي أدت إلى هزيمة نابليون عام 1815 وقد أدى تربّحها من تكاليف الحروب إلى ممارسة عمليات الاستثمار في الأسهم والسندات.
ثم تتابع الحلقة نشأة الشركة المساهمة في العصر الحديث وخاصة في الثغور الإيطالية التي كانت تمارس التجارة مع أقطار الشرق الآسيوي الأقصى.
ثم ما كان من تطور هذا النمط من مؤسسات الربح والاستثمار متمثلاً في قيام الهولنديين بإنشاء شركة الهند الهولندية الشرقية التي استثمرت اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا من أجل وصول سفنها إلى جنوب شرقي آسيا لنقل كميات التوابل التي كان الأوروبيون يستخدمونها في عمليات حفظ الأغذية بالدرجة الأولى.
أسوأ الظواهر في حياة الأمم تتحقق عندما يتداخل المال مع السلطة.. وبالتحديد عندما يقع ما يصفه المحللون بحالة الزواج بين المال والسلطة.. هي حالة زواج غير مشروع لأنها تؤدي إلى وليد ممسوخ يحمل اسما سيئ الإيقاع وهو: الفساد. مع ذلك فطالما شهد تاريخ الإنسانية المعاصرة مثل هذه الحالات من وقوع نظم الحكم ومنظومات السياسة وأحوال الدول والأمم والشعوب تحت سطوة المال.
يتوقف كتابنا في هذا السياق عند حالة بعينها تحمل ولاشك دلالة خاصة بكل تأكيد. هذه الحالة وصفوا صاحبها في عام 1828 للميلاد على النحو التالي: بونابرت المال.
هذا هو الوصف الذي أطلقوه على واحد من رؤوس الجالية اليهودية في انجلترا.. اسمه ناتان ماير روتشيلد. ولقد طرحوا التوصيف السابق إشارة إلى سيرة نابليون بونابرت وما كان يتمتع به بداهة من نفوذ واسع وسلطان مبين، بل وسلطة ديكتاتورية مطلقة طيلة السنوات الخمس عشرة الأولى من القرن التاسع عشر.
والمهم أن المليونير اليهودي روتشيلد حصل على هذا اللقب ؟ نابليون الثراء.. لأنه كان - كما يوضح مؤلف كتابنا (ص78) مؤسس الفرع اللندني من أكبر بنك في العالم الذي حمل اسم عائلة روتشيلد.
جمعت الأسرة المذكورة أموال ثروتها الطائلة التي ظلت تتسع على مدار سنوات القرن التاسع عشر من تجارتها في الأسهم والكمبيالات والسندات (ومنها الصكوك الربوية بطبيعة الحال).. وكان طبيعيا أن يحصل رؤوس تلك العائلة على ألقاب النبالة ورتب الأرستقراطية في فرنسا وفي انجلترا، ومنهم بالطبع اللورد روتشيلد.
المال والسلاح
في هذا السياق أيضا يعود مؤلف كتابنا ليؤكد ما يذهب إليه الارتباط الوثيق بين المال والسلاح.. يقول ان الحرب هي الساحة الأساسية التي يتم على صعيدها جمع أكبر قدر من الأموال. لهذا يتوقف المؤلف عند «واترلو» آخر معارك نابليون بونابرت ويقول ان المعركة لم تكن فقط بين بونابرت وغريمه الدوق الانجليزي ولنجتون وهو القائد المنتصر كما سجل التاريخ في عام ,1815.
بل المعركة - في رأي المؤلف - كانت بين نظامين ماليين، أو اثنين من نظم جمع النقود: نظام فرنسي كان يقوم وقتها على جباية الضرائب المجموعة بالقهر من جيوب الشعوب التي سبق نابليون إلى هزيمتها واحتلال أراضيها واستغلال مواردها، وبين نظام انجليزي كان يحقق أمواله بفضل قروض جمعوها من موارد الدائنين الذين سبقوا إلى شراء واقتناء الأسهم والسندات، ومن ثم ازدادت بفضلهم امكانات الخزانة البريطانية وقدرتها على تمويل حربها مع الإمبراطور الفرنسي المهزوم.
نصائح روتشيلد الكبير
المهم أن عائلة روتشيلد من مليونيرات اليهود ظلت تؤدي أدوارا كان معظمها من وراء ستار التمويل والاقتصاد، ولكنها كانت في تصورنا أدوارا سياسية بالدرجة الأولى ولو بصورة غير مباشرة.. فما بالك وقد كانت هذه الأدوار التمويلية تمّس في الصميم، بل في المقام الأول حياة ومصائر شعوبنا في الشرق الأوسط العربي - المسلم.
كيف؟
تأمل مثلا حقيقة أن أموال روتشيلد هي التي اشترت حصة مصر أيام الخديوي إسماعيل (سبعينات القرن التاسع عشر) من شركة قناة السويس وكان هذا الشراء هو المقدمة التاريخية لاحتلال مصر في عام 1882.
وقد كان عّراب هذه الصفقة المغبونة التي حرمت مصر من استقلالها الاقتصادي هو السياسي اليهودي الداهية، بنيامين دزرائيلي رئيس وزراء بريطانيا في تلك الفترة. تأمل أيضا دور عائلة روتشيلد في إتاحة سبل التمويل طائلة وجاهزة لحساب مشروع الاستيطان الاستعماري الصهيوني في فلسطين الذي مازال يحمل اسم.. إسرائيل.
في كل حال يعترف كتابنا بكفاءة أو بشطارة عائلة روتشيلد إياها في تطوير قواعد التعامل بالأوراق المالية من أسهم وسندات.. خاصة وقد حرص أفراد العائلة على توريث أتباعهم أسرار المهنة من ناحية، وعلى نشر شبكة أنشطتهم المصرفية عبر أقطار غرب أوروبا من ناحية أخرى.
في هذا الخصوص ينقل المؤلف (ص 89) عن واحد من رؤوس هذه العائلة. وهو «ماير أماشيل روتشيلد» نصائحه الموجهة إلى أبنائه الخمسة قائلا: إذا لم تستطع أن تجعل الناس يحبونك، فلا تتردد في أن تجعل الناس يخشون بأسك.
ثم يعلق المؤلف قائلًا: ربما لهذا كان آل روتشيلد بحاجة إلى الحروب التي تشتعل هنا وهناك.. كانت الحرب هي أكبر مكاسبهم الطائلة.. فبغير الحروب ما كانت دول القرن 19 تحتاج إلى السندات والأسهم والقروض، وكانت تلك هي سبيل عائلة روتشيلد اليهودية إلى تكديس الثروات الطائلة والنفوذ العريض.
نشأة الأسهم والسندات
في هذا السياق أيضا يوضح المؤلف أن الأوراق المالية من أسهم وسندات، بمفهومها المتعارف عليه في العصر الحديث، إنما يرجع عمرها إلى نحو 400 سنة من الحقبة الزمنية المعاصرة.. مع ذلك فقد ظلت هذه الحقبة تشهد ما يسميه المؤلف بأنه سلسلة من الانفجارات المالية..
بمعنى أن ترتفع أسعار الأسهم والسندات إلى آفاق غير مسبوقة، ثم لا تلبث أن تعاود الانخفاض إلى مستويات لم يسبق لها مثيل.. والمؤلف يرصد حدوث هذه الظاهرة عبر خمس مراحل أو أطوار أساسية.. تبدأ بتغير الظروف بما قد يتيح فرصا لتحقيق المكاسب وجني الأرباح..
ويعقبها حالة من الانتعاش المالي وربما الزهو النفساني، بما يفضي إلى نمو سريع في أسعار السندات، وبعدها تأتي مرحلة الأزمة التي تشهد أنشطة المضاربين والمغامرين ومشاركات المستثمرين غير المجربين..
وهو ما يعقبه حالة من رفض ما يدور على مسرح الأحداث ويتلوه حالة من تأرجح الثقة التي تقتضي بذل المزيد من جهود حثيثة ورصينة وصادقة لاستعادة الأرضية الوطيدة والكفيلة بأن نبدأ من جديد.
الشركات المساهمة
مرة أخرى نطرح كقارئين السؤال: متى نشأت حكاية الأسهم.. والشركات المساهمة، وهي الصكوك التي ترجمت واقع النقود إلى أوراق للتداول.. منها ما قد يرفع الثروة إلى عنان السماء..
ومنها ما قد يودي بصاحب الثروة إلى هاوية الانحدار؟ يروي المؤلف في معرض إجابته التحليلية حكاية شركة رائدة كانت لها مكانتها التي جمعت بين عدة أدوار في وقت واحد: دور تاريخي ودور إمبريالي ودور تمويلي ونقدي.. إنها الشركة التي تأسست على يد شخصية غريبة الأطوار في التاريخ الحديث.
ولنبدأ مع الكتاب هذه الحكاية من أولها.. في سطور فضله الثالث (ص 126 وما بعدها) يتوقف الكتاب عند لافتة قديمة يلمحها زوار كنيسة «سان موازيه» في مدينة البندقية الإيطالية وتحوي اللافتة حروفا بالإيطالية ترجمتها كما يلي: تكريما لذكرى «جون لو» من أدنبره.. المراقب الأكرم لخزائن ملوث فرنسا.
يصفه المؤلف بأنه أول من اخترع حكاية التلاعب النقدي بأسهم وسندات الشركات.. جاء مولده عام 1671 في اسكتلندا وكان رجلاً طموحاً. أدين بتهمة القتل وكان مقامرا محترفا بقدر ما كان موهوبا في إدارة حوافظ النقد ومراكمة الثروات.. هرب من انجلترا إلى العاصمة الهولندية أمستردام.. لماذا أمستردام؟
لأن السنوات العشر الأواخر من ذلك العصر - القرن السابع عشر - توّجت أمستردام بوصفها عاصمة التجديد المالي والابتكار النقدي في عالم ذلك الزمان..
كان أهل هولندا قد حاربوا اسبانيا من أجل استقلال بلادهم.. ومن ثم وجهوا اهتمامهم إلى تطوير نظام النقد للحصول على المال اللازم لتلك الحروب.. ومن هنا أنشأوا ما يصفه المؤلف بأنه أول بنك مركزي في تاريخ العالم (اسمه فيسيل بانك) وقد حل مشكلة سك العملة المعدنية الذهبية أو الفضة بابتكار وطرح أوراق بنكية تحمل نفس قيمتها..
الهولنديون واختراع الشركة
بيد أن أهم ما في تلك الابتكارات ما جاء متمثلا في ما يصفه مؤلف الكتاب على النحو التالي:
ربما يكون أعظم اختراع وحيد توصل إليه الهولنديون هو تأسيس نوعية جديدة من المؤسسات التي تتعامل مع الأموال والنقود وتعرف باسمها الراهن: الشركة المساهمة.
يربط اسم هذا الابتكار باسم المغامر القادم من اسكتلندا «جون لو». ورغم أن قصة هذه الشركات بدأت قبل وصوله إلى أمستردام بنحو قرن كامل.. رغب تجار هولندا في السيطرة على تجارة التوابل الآسيوية بأرباحها الطائلة التي سبق إلى الفوز بها كل من البرتغال واسبانيا.. وكانت تلك مواد في حكم النفيسة في ذلك الزمان ومنها: الفلفل.
. والدار صيني.. وجوزة الطيب وما في حكمها.. لم تكن مطلوبة من أجل مذاق طيب للأغذية بل كانت لازمة لأغراض حفظ الأغذية ذاتها..
كانت تجارة التوابل الآسيوية الثمينة تمر عبر طرق التوابل البري من آسيا إلى ضفاف البحر المتوسط.. وبعد اكتشاف البرتغاليين طريق رأس الرجال الصالح مرورا حول القارة الأفريقية عمد الهولنديون إلى إنشاء أكثر من مجموعة أو شركة لتجميع الأموال وتسيير السفن التي تحمل إلى أوروبا ثروات التوابل عبر مسارات الطريق المذكور.
وهكذا عمد «جون لو» إلى إنشاء بنوك خاصة لتمويل هذه الرحلات.. والى تطوير شركة الهند الشرقية الهولندية وفروعها من خلال ما طرحه من أسهم وسندات شارك في تغطية قيمتها آلاف من المستثمرين الذين حرص الرجل على أن تضم صفوفهم كوكبة من الوجهاء والنبلاء وحملة الألقاب والرتب الرفيعة من أجل تحسين.
أو تجميل صورة المؤسسات المالية والنقدية التي عمل على إخراجها إلى النور، لاسيما وقد كان يؤمن عن حق بأن أهم عامل في نجاح أي مؤسسة للشراكة المالية أو المساهمة إنما تلخصه كلمة ذهبية واحدة هي: الثقة.
هي تلك اللفظة السحرية التي راهن عليها جموع الماليين والمستثمرين على السواء.. وهي بداهة تخضع - كما يوضح مؤلف كتابنا - لعوامل شتى.. منها الدرس والتحليل ومنها قراءة رصينة للحاضر.. واستشراف واع قدر الإمكان لما قد يأتي به المستقبل.
بيد أن المستقبل له مشاكله لأنه محجوب ومستور - بحكم التعريف المنطقي - ضمن أطياف الغيب، أو كما يقول المؤلف في مستهل الفصل الرابع: العالم مكان محفوف بالخطر: وأغلبنا لا يمخر عبابه دون أن يصادفه قدر كبير أو صغير من سوء الحظ.. وكثيرا ما تتمثل المسألة في أن يكون المرء في المكان الخطأ وفي التوقيت الخطأ.
كارثة كاترينا
يكاد مؤلفنا يعتز بأصله الاسكتلندي، حيث يشتهر قومه بأنهم أقرب إلى روح الحرص إلى حد البخل والتقتير.. ولكنه يوضح، أو يبرر، في كل حال أن هذه النزعة البخيلة ربما ترجع إلى الخوف من تقلبات الطقس وربما إلى تاريخ قومي من خيبة الأمل..
وأياً كانت الأسباب فالمؤلف يوضح أن عام 1744 شهد إنشاء أول صندوق تأمين يستحق الذكر وليس صدفة أن يكون ذلك في اسكتلندا على وجه التحديد.
ثم يسهب المؤلف في هذه النقطة ليقول: تأمل مثلاً أن يكون المرء في دلتا نهر المسيسبي بأميركا في الأسبوع الأخير من شهر أغسطس 2005: هذا هو التواجد في المكان الخطأ والتوقيت الخطأ لأن هذا التواجد شهد ضربة - بل ضربتين من إعصار كاترينا الذي بدأت عواصفه العاتية برياح صرصر بسرعة 140 ميلاً في الساعة لدرجة أطاحت تماما بالقوائم الأسمنتية التي تشكّل قواعد جميع البيوت الخشبية.
وقبل أن يفيق السكان من وقع الصدمة جاءت الضربة الثانية بعد ساعتين ليس إلا: إعصار عات بارتفاع نحو 30 مترا دمّر سدود المنطقة، فكان أن اجتاح مدينة «نيو أورليانز» فيضان أغرق مسالك المدينة.. هذا هو معنى المكان الخطأ.. والتوقيت الخطأ..
هذا هو بالضبط الدافع الذي أدخل إلى قواميس علوم السياسة والإدارة التعبير الشهير: إدارة المخاطر. هنا يعاود المؤلف تعليقاته قائلا (ص 177): تاريخ إدارة المخاطر هو كفاح طويل بين رغبتنا التوّاقة إلى تأمين أحوالنا المالية والنقدية وبين الواقع الصعب الذي يقول بأن الغد ينطوي على مستقبل ليس صورة وحيدة.. لأن ثمة صورا متباينة تخص «مستقبلات» شتى كلها لا سبيل إلى التنبؤ بها على وجه اليقين.
انطلاقا من هذه الحقائق.. نشأت الحاجة إلى مفهوم ونظام مؤسسي مازال يحمل اسمه المعروف: التأمين.
هو ما يعرض له مؤلف الكتاب في أحد المحاور المهمة من الفصل الرابع. والمحور يحمل بدوره عنوانا طريفا (ص 185) هو: خذ لنفسك ساتراً(يحميك).
تأليف: نيال فيرغسون
الناشر: دار بنجوين، نيويورك، 2009
عرض ومناقشة: محمد الخولي
عدد الصفحات: 442 صفحة
