رغم انتشار الأعمال الإرهابية في منطقة شمال القوقاز في الأعوام القليلة الماضية، إلا أن العاصمة الروسية موسكو وأيضا المدن الروسية الكبيرة لم تشهد أية أعمال إرهابية تذكر على مدى السنوات الخمس الماضية، الأمر الذي أوحى للجميع، وخاصة سكان هذه المدن أن الأمن قد استتب واستقر.
وأن مايحدث في منطقة شمال القوقاز لن يخرج منها ولن يأتي إليهم، وإذا حدث وأتى فسيكون ضعيفا وغير فعال، وأسند الجميع هذا الأمن والاستقرار لرئيس الوزراء الحالي والرئيس السابق فلاديمير بوتين الذي قاد حملة قوية على جماعات المتمردين في منطقة شمال القوقاز، واستطاع أن يقضي على قياداتهم الفعالة وأن يشتت فرقهم، ويدفع الكثيرين منهم للهرب وآخرين لتسليم أنفسهم للسلطات الروسية.وبعد أن استقرت الأوضاع في جمهورية الشيشان وعاد الشيشانيون لبيوتهم ومعملهم، وأنفقت الحكومة الروسية مبالغ طائلة على إعادة إعمار الشيشان حتى عادت العاصمة الشيشانية جروزني تتألق من جديد بعد أكثر من عقد من الزمان كانت فيه شبه مدينة للأشباح وللدمار ولعصابات القتل والإجرام.
فجأة، وعلى غير المتوقع، وفي غفلة من الأمن، وقع التفجيران الإرهابيان في محطتي مترو موسكو صباح الاثنين 29 مارس، واللذان أوديا بحياة 39 شخصا وجرح العشرات، واللذان أحدثا ردود فعل قوية على جميع المستويات داخل روسيا، خاصة أن التفجيرات تأتي بعد نحو ست سنوات من أخر حادث تفجير تشهده العاصمة موسكو، وكان أيضا في مترو موسكو في 6 فبراير عام 2004 .
وأسفر عن مقتل 41 شخصا، وتأتي التفجيرات الأخيرة لتهز الثقة في الأمن والاستقرار، وتطرح أسئلة كثيرة حول جهود النظام الحاكم في الكريملين ضد الإرهاب، وأيضا حول مشاكل أجهزة الأمن الروسية، وكذلك حول منطقة شمال القوقاز التي باتت تشكل نقطة ضعف وتهديد لروسيا وشعبها.
رعب العاصمة
التفجيرات الإرهابية أصابت الشعب الروسي بحالة غير عادية من الرعب والفزع، وخاصة سكان موسكو الذين يتعدى عددهم العشرة ملايين نسمة، بخلاف نحو أربعة ملايين يزورون العاصمة يوميا.
ومن المعروف أن مترو موسكو الذي وقع فيه الانفجاران، يعد أكبر مترو أنفاق في العالم إذ يتكون من نحو 180 محطة و12 خطا، ويستخدمه يوميا نحو تسعة ملايين راكب من جميع المستويات في موسكو،سواء الأغنياء أو الفقراء، حيث إنه أسهل وأسرع وسيلة مواصلات، خاصة في الطقس البارد المتجمد، ووقوع أحداث التفجيرات في المترو.
وفي اثنتين من أكبر وأهم المحطات المركزية فيه في وسط موسكو، محطتي «لوبيانكا وبارك كولتوري»، يزيد من حجم المأساة وحجم ردود الفعل وحالات الهلع والرعب التي أصابت سكان موسكو.
وأيضا سكان المدن الروسية الأخرى،وقد كتبت صحيفة فريميا نوفوستي الروسية تقول «أن ضحايا أحداث يوم الاثنين هم جميع سكان العاصمة بلا استثناء، وليس من كانوا في مكان الحادث فقط».
وتمضي الصحيفة موضحةً أن الإرهابيين يرمون إلى بث الخوف في نفوس السكان مع كل ما يتبعه من أضرارٍ نفسيةٍ طويلة الأمد، وأن جميع المواطنين أصيبوا بصدمات نفسية لإحساسهم أنهم ممكن وبسهولة أن يكونوا ضحايا لمثل هذه الانفجارات في أي يوم قادم لأنهم يركبون المترو كل يوم.
مسلمو القوقاز
كان بديهيا ومتوقعا من أول وهلة أن تشير أصابع الاتهام في التفجيرات إلى أفراد مسلمين من جمهوريات شمال القوقاز مثل الشيشان وداغستان وأنجوشيتيا وغيرها، خاصة وأن تفجيرات الأعوام السابقة كان ينفذها أفراد من هذه القوميات، وحسب ما ورد أن الذين نفذوا العملية في مكانها هما امرأتان كانتا تحملان عبوات متفجرة.
وهو ما يشبه حوادث سابقة قامت بها نساء، مثل العملية التي نفذتها انتحاريتان في أغسطس عام 2004 فجرتا نفسيهما في يوم واحد في طائرتين احداهما في جنوب موسكو والأخرى في جنوب غرب روسيا وأسفرتا عن مصرع 90 شخصا، وحادث آخر نفذته أيضا امرأتان في ملهى ليلي في موسكو في يونيو عام 2003 .
وأسفر عن مقتل 15 شخصا، وأيضا في العملية الهجومية على مسرح موسكو في أكتوبر عام 2002 والتي نفذتها مجموعة من الإرهابيين كان ضمنها عدد من النساء وراح ضحيتها 130 قتيلا، مما أثار التساؤلات حول تعمد استخدام النساء في العمليات الإرهابية في روسيا.
ويرى الخبير الجنائي الروسي يوري ريباكوف أن استخدام النساء يرجع لسهولة مرورهن دون إثارة الشبهات حولهن وندرة عمليات تفتيش النساء في الأماكن العامة، خاصة وأن المرأة الروسية مشهورة بكثرة الحقائب التي تحملها، بينما الرجال، وخاصة منهم من الجنوبيين من منطقة القوقاز شكلهم مميز وتستوقفهم أجهزة الأمن في كل مكان.
وخاصة عند مداخل المترو، أما إقدام النساء على الانتحار فيبرره ريباكوف بسهولة الضغط النفسي على النساء وإقناعهن بالإقدام على الانتحار مقابل البطولة المزعومة أو مبلغ كبير من المال يعطى لأهلهن، خاصة إذا كن من النساء اللاتي يعانين من مشاكل اجتماعية ونفسية حادة في وسط مجتمعاتهن بسبب سلوكهن الأخلاقي، وهؤلاء كثرة في المجتمعات الإسلامية المغلقة في منطقة شمال القوقاز التي تتبع عادات صارمة مع النساء والفتيات.
الأرامل الانتحاريات
يمكن القول أن المرأة لم يكن لها أي وجود في القتال في منطقة شمال القوقاز حتى عام 2002، ولم يحدث أن شاركت النساء في أية عمليات ولا في أية أنشطة تتعلق بنشاط الجماعات المتمردة والانفصالية حتى الان.
ويفسر البعض ظهورهم بعد ذلك بأحداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك وانطلاق الحملة الأمريكية ضد الإسلام والمسلمين تحت شعار الإرهاب الإسلامي المتطرف.
وحيث أن الواقع المثبت أن هناك جهات في الغرب وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا تدعم المتمردين والانفصاليين في شمال القوقاز.
فإن هذه الجهات يهمها في نفس الوقت تشويه صورة الدين الإسلامي والمسلمين بإظهار المرأة المسلمة التي من المفترض أنها مخلوق رقيق المشاعر ومسئول عن تربية الصغار، يظهرونها في مظهر المخلوقات الشاذة القاسية التي تقدم على تفجير نفسها لتقتل الأبرياء من النساء والأطفال، وربما يكون هذا هو السبب في تأخر ظهور دور المرأة في عمليات الإرهاب في روسيا.
وهناك رأي أخر يرى أن هؤلاء النسوة الانتحاريات هن زوجات الكثير من المقاتلين من شمال القوقاز الذين قتلتهم روسيا، وأنهن قررن القيام بعمليات انتحارية انتقاما لأزواجهن، وهذا الرأي قد يكون صحيحا نسبيا.
لكنه محل مراجعة، حيث أن لإقدام المرأة على الانتحار أمرا غير عادي، خاصة مع انعدام وجود انتحاريين من الرجال تماما، كما أن عدد الانتحاريات قليل للغاية ولا يتعدى على مدى السنوات العشر الماضية خمس أو ست انتحاريات على ألأكثر، بينما الأرامل من نساء شمال القوقاز عددهن يقدر بالمئات.
حيث ثبت أن الرجل هناك كان يتزوج بأكثر من عشر نساء في وقت واحد رغم مخالفة ذلك للشريعة الاسلامية، لكنهم كانوا يبررونه بظروف القتال، كما أن من الملاحظ في حالت الانتحاريات القليلة أن أعمارهن لا تزيد عن العشرين عاما وبعضهن أقل من 18 عاما، أي أنهن فتيات صغيرات يسهل التغرير بهن وإقناعهن ببطولات مزعومة.
النزاعات العرقية
وترى صحيفة «نيزافيسيمايا غازيتا» الروسية أن قضية النزاعات العرقية تعود إلى الواجهة بعد تفجيري يوم الاثنين في موسكو واتهام إرهابيين من شمال القوقاز بتدبيرهما.
وتنقل الصحيفة عن المختص في علم الأعراق فاليري تيشكوف أن المشكلة تكمن في الصعوبات التي يواجهها ترسيخ الهويةِ الروسيةِ في البلادِ عامةً وفي شمال القوقاز بشكلٍ خاص.
ويعزو الأكاديمي ذلك إلى أن هذه المنطقة انضمت إلى الدولة الروسية في وقتٍ متأخر مقارنةً بأغلب المناطق، وعانت الكثير إبان حرب القوقاز في القرن التاسع عشر، وتعرضت بعض الشعوب القوقازية للتهجيرِ القسري على يد السلطات السوفيتية، كما ذاقت ويلات حرب الشيشان بعد تفكك الاتحاد السوفيتي.
ويضيف تيشكوف أن هذه الظروفَ مجتمعةً أدت إلى ظهور عددٍ كبيرٍ من المنشقين المسلحين الذين يشككون بانتماء شمال القوقاز إلى كيان الدولة الروسية، أما المستشرق الروسي غيورغي ميرسكي فيرى أن عامل النزاعات العرقية والنزعة الانفصالية لدى شعوب القوقاز ليس واقعيا.
وأن جمهوريات شمال القوقاز ليست جسماً غريباً عن كيان روسيا، ويقول ميرسكي أنه على سبيل المثال فإن الداغستانيين يستخدمون اللغة الروسية للتواصل مع بعضهم البعض، وذلك لتعدد اللغاتِ المحليةِ في هذه الجمهوريةِ القوقازية. كما أن اللغة الروسية تُعَد جسراً يربط شعوب القوقاز بثقافة العالم وحضارتهِ وفنونه.
ويلفت ميرسكي النظر إلى أن غالبية القوقازيين يَدينون بالإسلام، وأن المسلمين لا يشعرون بأي اضطهاد في روسيا، بل على العكس يحصلون على حقوق وامتيازات أكثر من قوميات وأعراق أخرى، ويرفضون أي فكرة للانفصال عن روسيا.
إنكار شيشاني
هناك رأي أخر يستبعد قيام الشيشانيين بهذه العمليات الإرهابية، ورغم أن دوائر أمنية في موسكو تتهم تنظيم «إمارة القوقاز» الذي يترأسه الانفصالي الشيشاني «دوكو عمروف» المختفي والمطارد من الأمن الروسي بأنه وراء هذه التفجيرات، إلا أن عمروف نفسه خرج على إحدى مواقع الانترنت ينفي تماما صلته هو وتنظيمه بهذه التفجيرات مستنكرا استهداف المدنيين الأبرياء في أي مكان، لكن عمروف جاء بعد ذلك بساعات قليلة ليظهر مرة أخرى ويعلن مسئولية تنظيمه عن التفجيرين، الأمر الذي يعكس التخبط والفوضى.
وربما انتهز عمروف فرصة عدم إعلان أية جهة أخرى مسئوليتها عن التفجيرات لينسبها لنفسه لعل ذلك يجلب عليه وعلى جماعته الأموال من جهات التمويل الأجنبية التي تغدق الأموال الكثيرة على العمليات ألإرهابية داخل روسيا.
كما نشرت صحيفة «غازيتا» في موسكو تعليقاً لرئيس مجلس النواب في جمهورية الشيشان الروسية دوكو فاخا عبد الرحمانوف، وتقول الصحيفة إن المسئول الشيشاني انهال بالنقدِ اللاذع على من أسماهم كبارَ الساسةِ والجنرالات وممثلي وسائل الإعلام الذين نسبوا العملية الانتحارية لأشخاصٍ من شمال القوقاز.
ويقول عبد الرحمانوف إن إلقاء التهم على ممثلي شعوبٍ بعينها في الدقائق الأولى بعد حدوث العمل الإرهابي أمر خاطئ، وأنه من غير الجائز استخدامَ تعبيرِ المعطياتِ الأولية، إذ لا وجود لأيِ معطياتٍ فور وقوع الحدث سوى التخمينات التي لا تستند إلى الأدلةِ أو الشهود، ويشدد رئيس البرلمان الشيشاني على ضرورة تنفيذ توجيهات الرئيس مدفيديف ورئيس الوزراء بوتين اللذين يطالبان بالقبض على المجرمين ومعاقبتهم.
ويستنكر التلميح إلى القوميةِ المفترضةِ للمشتبه بهم دون أيِ دليلٍ يثبت ذلك، ويرى عبد الرحمانوف أن اتهام القوقازيينَ جُزافاً بارتكاب الأعمال الإرهابية بات أمراً شائعاً، مضيفا أن أي شعبٍ لا يمكن أن يفوض أحداً من أبنائه لارتكاب مثل هذه الأعمال.
فالإرهابيون يتغذون من مصادرِ الإرهاب العالمي، وهم أعداء شعوبهم بالدرجة الأولى. ومن جهةٍ أخرى يلفت عبد الرحمانوف إلى أن مترو موسكو من المنشآت الإستراتيجية الهامة التي من المفترض أن تتمتع بدرجةٍ عاليةٍ من الأمان.
ولا يمكن إدخال المتفجراتِ إليه إلا نتيجةَ تقصيرِ الهيئات المختصة أو بتواطؤ بعض العاملين فيه، وربما المسئولين عن أمنه. ويخلص المسئول الشيشاني إلى أن الأجهزة الأمنيةَ في موسكو هي المذنبة وعليها تحمل المسئولية.
شمال القوقاز وقضايا الانفصال
تمتد منطقة شمال القوقاز داخل أراضي روسيا الاتحادية من ساحل البحر الأسود حتى ساحل بحر قزوين، وتضم العديد من الجمهوريات والأقاليم التي تدخل ضمن إطار الفيدرالية الروسية.
ويشكل المسلمون الغالبية بين سكان هذه المنطقة، لكنهم لا يشكلون في الواقع أكثر من ربع المسلمين في روسيا، حيث لا يزيد تعداد المسلمين في منطقة شمال القوقاز عن أربعة ملايين على الأكثر، من بين نحو 25 مليون مسلم في روسيا.
وتتعدد قوميات وأعراق المسلمين في شمال القوقاز بالعشرات، حتى أن أكبر جمهورية هناك، وهي داغستان يسكنها نحو مليونين من المسلمين ينتمون إلى عشرات القوميات ذات اللغات المختلفة ويتحدثون فيما بينهم باللغة الروسية التي تربط سكان شمال القوقاز جميعهم.
الجماعات الإسلامية موجودة في المنطقة منذ سنوات طويلة، ولها أنشطة دينية واجتماعية، لكنها لم تعرف حمل السلاح والقتال سوى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، حيث بدأ القتال في جمهورية الشيشان تحت شعار الانفصال عن روسيا.
حملت الجماعات المقاتلة شعارات الجهاد من أجل جلب الأموال والتبرعات من الخارج، وخاصة من الدول والشعوب الإسلامية، لكن الأمر في الواقع كان عند غالبية القيادات والجماعات بعيدا عن الدين وعن الإسلام، وسعيا لكسب الأموال التي كانت تتدفق عليهم بالملايين من جهات أجنبية تسعى لإثارة الاضطرابات في منطقة شمال القوقاز بهدف التأثير على روسيا وإغراقها في مشاكلها الداخلية واستنزاف قواها وشغلها عن مسيرة التنمية والتطوير التي انطلقت فيها في عام 2001.
بعد وصول الرئيس السابق فلاديمير بوتين للحكم، وثبت أكثر من مرة وجود إمدادات للمقاتلين الشيشان وغيرهم من الخارج ومن دول مجاورة مثل جورجيا التي يناصب رئيسها ميخائيل ساكاشفيلي روسيا العداء منذ توليه الحكم عام 2004.
لا يمكن لعاقل أن يتصور أن تسعى هذه الجمهوريات الصغيرة الفقيرة إلى الاستقلال عن الدولة الكبيرة روسيا، خاصة وأن معظم هذه الجمهوريات تحيطها الأراضي الروسية من كافة حدودها.
وما السبب أو الدافع للانفصال في الوقت الذي يحظى فيه المسلمون في روسيا بكافة الحقوق مثل غيرهم من باقي مواطني روسيا الاتحادية، بل أن البعض يتهم الحكومة الروسية أحيانا بتمييز المسلمين عن غيرهم من باقي القوميات الروسية الأخرى.
ولا توجد أي مشاكل أو عوائق أمام المسلمين في ممارسة شعائرهم الدينية، بل ترعى الحكومة الروسية هذه الشعائر وتنظم الحج للأراضي المقدسة في السعودية كل عام لعشرات الآلاف من المسلمين الروس، ولماذا بالتحديد مسلمو شمال القوقاز فقط هم الذين يتمردون ويثورون. إنه العامل الأجنبي والتمويل الخارجي الذي يسعى لزرع الإرهاب في روسيا ويسعى لإشعال منطقة القوقاز .
د. ليونيد ألكسندروفتش- كاتب روسي

