في يوليو عام 1996، وخلال جلسة اجتماع مشتركة عقدها الكونغرس، تلقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو ترحيبا حماسيا بالكلمة التي ألقاها وقال فيها:

«لقد نمت إسرائيل بمساعدة الولايات المتحدة، وتحولت إلى دولة قوية وعصرية». لكني أعتقد أن أكبر ثناء تستحقه أميركا لمساعدتها الاقتصادية طويلة المدى لإسرائيل هي أن نتمكن من القول إننا في الولايات المتحدة سنحقق استقلالا اقتصاديا، ونعتزم تحقيق ذلك. وأنه في غضون السنوات الأربع المقبلة، سنباشر على المدى الطويل عملية التخفيض التدريجي لمستوى المساعدات الاقتصادية السخية لإسرائيل.

فمنذ عام 1996، لايزال دافعو الضرائب الأميركيون يرسلون إلى إسرائيل 3 مليارات دولار سنويا، ويزودونها بضمانات قروض معززة، علاوة على وثائق التنازل، ونقل التكنولوجيا المتطورة، بالإضافة إلى المساعدات غير المباشرة.

وقبل أن يترك الرئيس الأميركي السابق جورج بوش المكتب البيضاوي، جرى توقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإسرائيل أدت إلى تعهد أميركي بتقديم رزمة مساعدات لتل أبيب بقيمة 30 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، يتم إرسال كل شريحة منها دفعة واحدة في بداية كل سنة مالية. ولاتزال الحروب والمستوطنات الإسرائيلية تتلقى أموال دافعي الضرائب الأميركيين السخية برغم الكساد الاقتصادي.

ماذا حدث لتعهد نتانياهو الوحيد أمام مجلس الشيوخ بتحول إسرائيل إلى قوة عظمى؟ الجواب المختصر لذلك هو أن الكونغرس لم يعتبر ذلك تعهدا إطلاقا، بل حقيقة واقعة.

عبر السنوات المتلاحقة، تحولت إسرائيل إلى طاغوت تكنولوجي وعسكري. كما أصبح الناتج الإجمالي المحلي لها أكبر من مثيله في مصر، على الرغم من أن عدد سكانها يقل عن عُشر عدد سكان هذه الدولة، التي تعتبر من أكثر الدول ازدحاما في العالم العربي. وتمتلك إسرائيل ثاني أكبر عدد من اللوائح في مؤشر البورصة الأميركية «ناسداك»، بعد الولايات المتحدة.

والشركات الإسرائيلية في هذا السوق تتفوق في عدد لوائحها التسجيلية على مثيلاتها في اليابان، كوريا، الصين، والهند مجتمعة. كما تتجاوز استثمارات رأسمالها المضارب مثيلاتها في الولايات المتحدة وأوروبا والصين بالنسبة لنصيب الفرد.

ويمكن القول إن إسرائيل خامس أكبر قوة عسكرية في العالم، وهي تحصل على أحدث الأسلحة الموجودة في الترسانة الأميركية، ومتفوقة في تقنيات البحوث والتطوير. وهذا الأمر جعل إسرائيل مصدرا رئيسيا للأسلحة.

وقد دبجت المقالات وألفت روائع الكتب العالمية، في الأشهر الأخيرة، عن الاقتصاد المعجزة والمبتكرات التكنولوجية في إسرائيل. وتجاوزت نسبة ناتج النمو الإجمالي فيها في غضون السنوات الخمس الماضية متوسط مثيلتها في معظم الدول الغربية. وتوفر إسرائيل لسكانها تأمينا صحيا عالميا، على النقيض من الوضع الموجود في الولايات المتحدة، وهذا يطرح السؤال التالي: «من يساعد من؟».

وهذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاقتصاد الأميركي غارق في الوحول نتيجة الكساد الاقتصادي، مع تنامي نسبة الفقر، البطالة، ديون المستهلكين، والعجز الاقتصادي الحكومي والفيدرالي. وفي بعض الولايات الأميركية يتم غلق المدارس، وتخفيض الخدمات الصحية العامة، وزيادة الرسوم الجامعية مع خفض البرامج التعليمية. وحتى المباني الحكومية في الولايات يجري بيعها.

وبحسب القوانين الأميركية، لا يمكن استخدام المبيعات العسكرية لإسرائيل في أغراض هجومية، بل للدفاع المشروع عن النفس فحسب. ومع ذلك، حدث العديد من الانتهاكات الإسرائيلية لقانون ضبط الصادرات العسكرية.

وحتى وزارة الخارجية الأميركية، التي تبدو غير مبالية بما تفعله إسرائيل، تجد بين الفينة والأخرى أنه يتم انتهاك قانون استخدام الذخائر، كالقنابل العنقودية. وعادة ما تؤدي تلك الانتهاكات إلى قطع المساعدات عن الدول المنتهكة، ولكن مع المناخ السائد في واشنطن، لم يسمح البيت الأبيض مطلقا اعتبار تلك الانتهاكات قاطعة.

وتنطبق هذه اللامبالاة على انتهاكات المساعدات الخارجية، حيث يمنع القانون الأميركي تقديم مساعدات لدول تنهمك في انتهاك حقوق الإنسان، ويشمل ذلك الاحتلال العسكري، وإنشاء المستوطنات في المناطق الفلسطينية المحتلة، والهجمات العسكرية على المدنيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، والتي يتم توثيقها بصورة منتظمة من قبل جماعات حقوق الإنسان الإسرائيلية، ومنظمة العفو الدولية، وهيئة مراقبة حقوق الإنسان الدولية.

بقلم: رالف نادر