يؤكد المؤلف في مستهل كتابه أهمية البحث في تاريخ النقود، وهو تاريخ يبدأ بمرحلة ما قبل استخدام النقد أداة للتداول ومخزنا للقيمة ـ وهو ما ينطبق أساسا على معدنيْ الذهب والفضة اللذين كانا متوافرين بغزارة في مناجم وشعاب أمريكا اللاتينية..
واقتصر استخدام الشعوب البدائية في تلك المنطقة لهذين المعدنين الكريمين على أغراض الزينة حيث لم تعرف تلك الشعوب الجانب العملي أو التداولي للمال، أو على حد تعبير المؤلف لم تعرف فكرة «تسليع» المعدن النفيس. وتعرض الحلقة إلى طروحات المفكرين والمنظّرين، ومنهم من صاغ يوتوبيا ـ مدينة فاضلة لا تعرف التعامل بالنقود، ومنهم من رأى أن النقود ما هي إلا تجسيد لاستغلال فائض قيمة العمل البشري.. وتخلص الحلقة من هذه المقدمات إلى حديث عن شعوب بدائية مازالت تعيش في القرن 21 ـ في حوض نهر الأمازون بالذات ـ دون أن تعرف حتى الآن أساليب استخدام النقود في معاملات التبادل بين أفراد الجماعة البشرية
يعتبر الكتاب بحثاً علمياً سائغ الأسلوب.. يجهد فيه المؤلف إلى ما يصفه في عبارة العنوان الفرعي للكتاب بأنه «تاريخ ماليّ للعالم».. ويتألف هذا البحث من مقدمة ضافية مسهبة وخاتمة تلخص أهم طروحات الكتاب وبينهما 6 فصول تتقصى بداية استخدام النقود كوسيلة جوهرية لعمليات التبادل المادي بين الأفراد والشعوب.
فيما تربط بين النقود وارتفاع مستوى التمديْن والرقيّ المعرفي والسلوكي في حضارة الإنسان.. كما تتابع فصول الكتاب تطوّر هذه الحضارة ـ النقدية أو النقودية كما قد نسميها..
من بدايات التمدن البشري الأولى إلى عصر بناء الإمبراطوريات المزدهرة وما كان يوازيها من اكتشاف، ومن ثم استخدام أساليب الائتمان والتمويل والإبداع والادخار وتنويعات وسائل الدفع أو عناصر ما يصفه أهل الاقتصاد بأنه «الكتلة النقدية».. حيث تصاحبنا فصول هذا الكتاب ما بين حضارة بابل القديمة (في بلاد الرافدين) إلى مناجم الفضة الحافلة في بوليفيا (أمريكا اللاتينية).
من هنا يتمثل محور مقولات الكتاب في أن النقود تمثل ركيزة أساسية من ركائز التقدم البشري على نحو ما يشهد به تاريخ الإنسان حيث يرى المؤلف أن فهم وقائع ومشاكل هذا التاريخ واجب مفروض على كل من يحاول أن يتصدى لتحليل تطور الحياة على سطح الأرض.
ومع سطور استهلال هذا الكتاب يعترف المؤلف أنه تعلم الكثير من خلال البحث المستفيض الذي أجراه لكي يتابع حكاية النقود ـ منذ نشأتها ـ ومن خلال تقصي جذور وملابسات هذه النشأة، ومن ثم تطور النقود، بمعنى تطور الدور الذي اضطلعت وما برحت تضطلع به في حياة الناس.. أمما ودولا ونظما وشعوبا.. وهو دور واضح بداهة أنه حيوي وبالغ الخطورة.
3 دروس للتعلم
على أن المؤلف يعمد إلى تلخيص أو تكثيف هذا الذي تعلمه في نواح ثلاث أساسية نحاول عرضها على النحو التالي:
أولا: أن الفقر ـ في تصور البروفيسور فيرغسون لا يأتي نتيجة استغلال المؤسسات المالية الطامعة لأحوال الفقراء.. لكنه يحدث بسبب غياب مثل هذه المؤسسات الساهرة على ترشيد إدارة الأموال والنقود وحسن استخدامها.
إن وجود بنوك ـ مصارف ومؤسسات مالية تأخذ بالترشيد والعقلانية والكفاءة المهنية في إدارة حوافظ الأموال النقدية هو الكفيل ـ كما يؤكد مؤلف الكتاب ـ بإنقاذ المتعاملين ـ عامة المتعاملين.
وهم من أواسط المواطنين وبسطائهم، من براثن عناصر الاستغلال وأنياب «هوامير» الإقراض الذين لا يريدون سوى تعظيم أرباحهم وتحقيق مصالحهم ولو على حساب جماهير المستضعفين.. في هذا الخصوص يمضي مؤلف هذا الكتاب قائلا:
أن هذا الأمر لا ينطبق فقط على البلدان الفقيرة في العالم، بل يمكن أن ينطبق أيضا على أفقر المناطق أو القطاعات في أغنى بلدان عالمنا.. ومن ذلك مثلا ـ يعترف المؤلف ـ منطقة الأحياء السكنية الفقيرة من مدينة جلاسجو ـ عاصمة اسكتلندا «حيث مسقط رأسي وحيث لا يزال هناك من يكافحون للبقاء على قيد الحياة مقابل أجر يومي لا يزيد على 6 جنيهات استرلينية..
ولا يحصلون على الضروريات إلا بشق الأنفس.. يستوي في ذلك معجون الأسنان وتذكرة حافلة المواصلات».. ومع ذلك نجد أن أسعار الفائدة التي يتقاضاها هوامير القروض المحليون تزداد ارتفاعا واشتعالا كل سنة.
ثانيا: تعلمْت ـ يستطرد المؤلف ـ أمرا يرتبط وثيقا بوجود المساواة بين الناس أو بغيابها من حياة: فإذا ما كان أمامنا نظام مالي تشوبه العيوب، فذلك كفيل بأن ينعكس على أحوال المواطنين.. ولقد تعلمنا من بحوث العلوم السلوكية أن المال المغاليَ في حجمه يدفع أصحابه إلى المغالاة في السلوك.. والى السرف والتبذير..
وهو ما يزيد من اتساع الثغرات الفاصلة بين أفراد وطبقات وشرائح المجتمع الواحد.. حيث يعطي ويزداد المحظوظون والمرموقون فيما يحرم باطراد من لم يحالفهم الحظ..
ثم ها هي ظاهرة العولمة تأتي لكي تنهي ذلك التقسيم الكلاسيكي المعتاد لدول العالم بين دول متقدمة غنية، ودول فقيرة نامية أو أقل تقدما: لقد حل محل هذا التقسيم مع انتشار العولمة تصنيف ينحاز إلى الأكثر قربا أو التصاقا مع الأسواق المالية العالمية على اختلاف مواقع تواجدهم فوق خارطة كوكبنا..
ومن ثم أصبحت النقود.. الأموال وعائداتها وأرباحها هي «الفيصل» في المكانة والدور والأهمية التي يتمتع بها هذا الطرف أو ذاك على الساحة العالمية. ولكن جاء هذا على حساب احترام عائد المهارة وهو عائد العمل والجهد الإنساني بشكل عام.
ثالثا: تعلمت ـ والكلام لا يزال للمؤلف ـ أن المسار المالي محفوف بالمشاكل والارتفاعات والانخفاضات.. الإيجابيات والسلبيات.. ولدرجة صار من الصعوبة بمكان التنبؤ بتوقيت أو شكل حدوث أي من هذه الأزمات أو السلبيات.
ولقد خرجت من هذا الجانب بالذات بدرس مستفاد يقول بأن التاريخ المالي للبشرية أقرب إلى حالة كلاسيكية (تقليدية أو نمطية) تصدق عليها نظرية التطور التي سبق إلى ترويجها تشارلس دارون (منذ منتصف القرن التاسع عشر).
وإن كانت مراحل التطور في حالة الأموال أضيق زمنيا بالطبع، بمعنى أن تستغرق مراحل أقصر أمدا بكثير بالمقارنة مع مراحل التطور البيولوجي التي تحدث عنها دارون وكانت تستغرق ـ أو استغرقت ـ آجالا وحقبا تمتد إلى عشرات الآلاف من السنين.
باختصار يصدق على النظم النقدية والأساليب المالية قواعد النشوء والارتقاء.. وقواعد البقاء للأصلح.. وقواعد انقراض الأجناس أو الأنواع.. وكلها بداهة من مصطلحات القاموس الدارويني.. والمعنى أن قد آذنت حقبة انقراض نظم مالية ثبت أنها أصبحت عتيقة بحيث تجاوزتها سُنن التطور وآن لها أن تختفي ـ على نحو ما حدث بالنسبة للديناصورات سواء بسواء.
الدور الجوهري للنقود
في كل حال الدنيا تتغير.. والأوضاع تتبدل، يستوي في ذلك ـ كما نرى ـ أوضاع المناخ والطقس وسطح البحر وجبال القطب الشمالي الجليدية.. بقدر ما يستوي ـ في رأي هذا الكتاب ـ أوضاع حوافظ المال وأساليب إدارة الأعمال ونوعية النظرة إلى النقود ودورها الجوهري في حياة الإنسان.
وهذا ما يستوجب في رأي المؤلف معرفة عميقة واعية بالنقود.. وتاريخها وتطورها في سياق الحضارة البشرية.. وفي هذا أيضا يختتم الأستاذ «نيال فيرغسون» استهلال الكتاب بسطور يقول فيها:
وسواء عليك.. أكنت تناضل من أجل التوفيق بين مواردك واحتياجاتك، أو كنت تعمل جاهدا كي تصبح سيدا من سادة الكرة الأرضية، فقد صار من ألزم الضرورات في زماننا الراهن أن نفهم حكاية نشأة وصعود النقود في مجتمعنا..
وبمعنى أن نتسلح بهذا الزاد من المعرفة الشاملة الذي لابد وأن يضم بين عناصره ما نصفه بأنه المعرفة بالجوانب المالية التي تُعد النقود وسيلتها الجوهرية الأولى.
وعند المؤلف فإن هذا الدور الجوهري ـ بل هو الحيوي ـ الذي تضطلع به النقود في حياتنا.. إنما يبدأ بافتراض.. خيالي.. بالطبع يقول باختصار شديد: تخيل ـ من فضلك ـ عالما بغير نقود!
تلك هي بالضبط المقولة التي يطرحها المؤلف في مطالع الفصل الأول من هذا الكتاب (ص 17). نبادر لكي نسجل أن هذا لم يكن مجرد كلام مرسل أو من وحي خيال الشعراء الذين يتبعّهم الغاوون..
لقد ظل اختفاء النقود من حياة الناس وعلى مدار مئات من السنين، حلما يراود أجيالا من الشيوعيين والفوضويين (الأناركست كما يعرفون في قاموس السياسة) وعناصر من الأصوليين الدينيين، ناهيك عن فصائل الهيبي الذين شهدهم النصف الأول من ستينات القرن العشرين.
ولقد عمد كل من كارل ماركس ورفيقه فردريك انجلز في كتاب رأس المال الشهير (داس كابيتال كما عرفه الناس وقت صدوره عام 1867) إلى صياغة بليغة في زمانها لحلم أو دعوة اختفاء النقود من حياة الناس.. وجاءت الصياغة إلى النحو التالي:
إن النقود هي عبارة عن تحويل العمل الإنساني إلى مجرد سلعة: إنها تسليع العمل كما قد يقال وهي الفائض المتحصّل من الجهد الإنساني المبذول بإخلاص. إنها عملية تحويل مجهود البشر إلى «أشياء» من شأنها أن ترضي جشع طبقة الرأسماليين الذين لا يشبعون من التكديس أو الاكتناز.
مقولات تجاوزها الزمن
ويعلق المؤلف في هذا المقام موضحا أن تطور الزمن تجاوز مثل هذه المقولات التي تحطمت خيالاتها ودعواتها على صخور الواقع المعاش..
وحتى الدول أو النظم التي اعتنقت هذه النظريات المنقولة عن ماركس وأتباعه (وأولها روسيا السوفيتية وأوسطها الصين الشعبية.. إلى كوريا الشمالية في زماننا الراهن) لم تستطع الاستغناء عمليا عن النقود ولا عن دورها في ضبط أو تفعيل المعاملات في داخل المجتمع أو خارجه على السواء.
ماذا إذن عن المجتمعات البدائية التي قيل أنها مجتمعات متحررة نقديا ـ كاش فري ـ كما يقول التعبير الإنجليزي؟
هذه المجتمعات ـ يراها مؤلف الكتاب مع صفحات الفصل الأول ـ صورة تجسد حقيقة الترادف الحيوي بين النقود والحضارة.
هنا لا يجهد المؤلف نفسه في جهد التفتيش ضمن زوايا التاريخ أو ما قبل التاريخ: ها هو يسوق لنا مثلا عن مجتمعات بدائية مازالت تعيش اليوم بين ظهرانينا.. وكأنما انتقلت قفزاً من عصر جمع الثمار وصيد الحيوان في بدائية ما قبل التاريخ إلى زمن التكنولوجيا الراهن في القرن الحادي والعشرين.
هذا النموذج يحمل اسم واحد من شعوب قارة أمريكا اللاتينية: شعب النوكاك ترجع حكاية هذه القبيلة البداية إلى ست سنوات سبقت.. اسمها الأصلي قبائل «نوكاك ماكو» جماعات نسيها الزمن منذ أن تواجدت في غابات الأمازون المطيرة من أعمال كولومبيا ـ أمريكا اللاتينية.
ظلوا مقطوعي الصلة تماما مع العالم الخارجي وكانوا يتعيشون على صيد القرود وجمع الثمار(!) ولم يكن لديهم بداهة أي فكرة عن حكاية النقود لا من قريب ولا من بعيد!
ظل يصدق عليهم مقولة الفيلسوف السياسي الإنجليزي توماس هوبز (1588ـ 1679) في وصف الشعوب البدائية حين قال: إنها شعوب معزولة.. فقيرة.. رثة.. قصيرة القامة.. شرسة الطباع.
ظل «النوكاك» يجولون هائمين على وجوههم الداكنة السمرة في جنبات الغابة اللاتينية.. يخوضون معارك رهيبة بسبب ندرة الموارد وشحة الامكانات التي تقيم أَوَد الحياة. ومن عجب ـ يضيف مؤلفنا ـ أن كان أهم هذه الموارد اثنين هما: الغذاء والنساء الولودات.
بهذا لم يعرفوا أي عمليات للتبادل التجاري.. وحسبهم أن يشّنوا غاراتهم وأن يستهلكوا ما يتيسر لهم من طعام حينما يجدونه.. وهم لا يعرفون معنى الادخار ومن ثم فليس لديهم أي فكرة عن النقود لأنهم لا يحتاجون إليها.
عَرَق الشمس ودموع القمر
شعوب أخرى.. كانت أكثر تحضرا.. عاشت وربما انقرضت دون أن تعرف النقود منها مثلا شعب «الإنكا».هو الشعب الذي شيد إمبراطورية الإنكا الزاهرة في أمريكا الجنوبية.. عرف أهلها قيمة المعدن النفيس وكانوا يطلقون على الذهب وصفا فريدا هو: عَرَق الشمس. أما الفضة فكان لها عندهم وصف آخر هو: دموع القمر.
ولأنهم كانوا أرقى تقدما فقد عرفوا فكرة التبادل أو المقايضة.. دون أن يستخدموا النقود: كانت نقودهم هي.. العمل.
بمعنى أن العمل كان وِحدة أو معيار القيمة. وكان ذلك مبدأ ـ كما نتصور ـ غاية في العمق والارتقاء.. وقد ظل المفهوم ساريا إلى أن دار الزمن دورته على شعوب الإنكا التي تحطمت إمبراطوريتها على يد مغامر اسباني اسمه «فرانسسكو بيزارو» وكان ذلك في عام 1502 للميلاد. اجتاح أراضيهم وعاش ومات في مناطقهم عام 1541 ولكن بعد أن استرعى أنظارهم إلى أمر كانوا يرْونه غريبا ولخصوه في تساؤلات من قبيل:
ما هذا الشغف المجنون الذي أبداه هؤلاء المغامرون والغزاة القادمون من البحر المحيط إزاء مقادير الذهب والفضة التي تحفل بها أراضي شعوب الإنكا؟ وفي هذا يقول واحد من زعمائهم واسمه مانكو كوباك:حتى لو تحَولَتْ كل ثلوج جبال الإنديز إلى ذهب فلن يشبع ذلك نهم هؤلاء الغزاة القادمين.
وما كان ذلك بالطبع ليشبع نهم القادمين من أسبانيا أو البرتغال وبعض أنحاء أوروبا في القرن السادس عشر وما تلاه.. لماذا؟
الإجابة البسيطة ـ البديهية يوردها كتابنا على النحو الموجز التالي:
أن شعوب الإنكا لم تكن لتقدّر أو تفهم أن الفضة بالنسبة للمدعو بيزارو ورجاله لم تكن مجرد مادة جميلة لامعة تصلح للزينة، بل كانت معدنا يمكن تحويله إلى مادة لها مكانتها في التعامل بين الناس.. بمعنى أن تكون وحدة حساب أو مخزنا للقيمة.. أو مستودعا للقدرة والسلطة والنفوذ. وكان هذا هو الوصف المبدئي للنقود.
تأليف: نيال فيرغسون
الناشر: دار بنجوين، نيويورك، 2009
عرض ومناقشة: محمد الخولي
عدد الصفحات: 442 صفحة

