يمثل القرن العشرون الأكثر عنفا في التاريخ الإنساني كله، ولكنه أيضا هو القرن الذي عرف إحدى أطول فترات السلام، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويحدد مؤلف هذا الكتاب عددا من المؤشرات، التي تذهب كلها باتجاه تعزيز السلام في العالم. مثل مساهمة مفهوم حقوق الإنسان بخلق عالم أفضل. لكنه يربط فاعليته بعدة شروط أهمها توفر حد أدنى من الازدهار الاقتصادي، و«تعلّم» المعنيين فيه قبوله والدفاع عن حقوقهم وعن حقوق الآخرين أيضا، والشرط الثالث هو قيام «المؤسسات» التي تمتلك سلطة تنفيذه.
ويتم التأكيد، في هذا السياق، «الداعم للسلام»، على أهمية القبول بالتعددية الثقافية والتسامح بين الشعوب، مع احترام خصوصيات الجميع. ذلك كله في إطار البحث عن الاعتراف بحق الاختلاف مع المحافظة على وحدة المجموع.
وهناك التأكيد أيضا على دور النساء، حيث أخذت المرأة دورها في الحياة العامة لبلدانها أكثر فأكثر خلال القرن العشرين. هذا مع الإشارة إلى أن السلام في العالم يتعلق بعدد هام آخر من العوامل تلتقي فيها جهود الجميع، الرجال والنساء. وللأمم المتحدة دور في السلام العالمي، لكنه دور «الوسيط» أو «الشرطي»، لكنه لا يستطيع تجاوز حق النقض «الفيتو» من الكبار في مجلس الأمن. ويبقى السؤال: هل يلوح السلام العالمي في الأفق أم أن جرثومة الحروب لا تزال فتّاكة؟
يعيش العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إحدى أكبر فترات السلام في التاريخ، رغم النزاعات والحروب «الصغيرة» التي نشبت هنا وهناك. وانتهت الحرب الباردة وما عرفته من توترات حقيقية دون «حادث» خطير.
فهل اكتشف البشر أخيرا «سرّ» العيش بسلام ووضعوا فؤوس الحرب ومدافعها جانبا أم أن «جرثومة» الحرب مازالت فتّاكة وهي تنتظر اكتمال تأقلمها مع العالم المعولم؟ مؤلف هذا الكتاب يكرّس الصفحات الأخيرة منه للحديث عن مجموعة من المؤشرات تذهب كلها في اتجاه تعزيز السلام في العالم.
أثناء هبّة الحماس، التي واكبت نهاية الصراع بين الغرب والشرق، ساد خطاب يؤكد أهمية حقوق الإنسان ودورها في إقامة سلام حقيقي. لكن الواقع كذّب ذلك سريعا. فممارسة حق شعوب يوغسلافيا السابقة - بتقرير مصيرها جرت بالدم والحقد. ورأت بعض بلدان العالم الثالث في حقوق الإنسان آلة حرب غربية بخدمة «الإمبريالية الجديدة»، ووسيلة لاستعمار جديد «مقنّع» لبلدان الجنوب.
ويحدد المؤلف القول ان نشر حقوق الإنسان تطوّر دائما تبعا لموازين القوى في الواقع. إن فرنسا الثورية رفعت عام 1789، عام قيام الثورة الفرنسية الكبرى، شعار حقوق الإنسان وأعلنت السلام في أوروبا. بعد ثلاث سنوات فقط اعتبرت فرنسا نفسها أن سلامها لن يتم فعلا إلا إذا قامت في الجوار جمهوريات «شقيقات»، وهكذا أغرقت أوروبا في دورة من الحروب استمرّت حتى عام 1815. ثم إن الألمان والإيطاليين والأسبان والروس حاربوا آنذاك فرنسا باسم «حقوق الإنسان» أيضا.
ثلاثة شروط
وحقوق الإنسان في هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين لا تزال رهينة المنافسات السياسية. وهي «تتعولم» في إطار العولمة. وهذا قد يتطلّب إعادة تعريفها أو إعادة تكييفها مع «مستلزمات» هذا الطرف أو ذاك.
ويحدد المؤلف ثلاثة شروط كي يساهم مفهوم حقوق الإنسان في إشادة سلام حقيقي. أول هذه الشروط توفر حد أدنى من الازدهار الاقتصادي فالفقر وحقوق الإنسان «خصمان» بالتعريف والضرورة. ثم إن «حيوية التجارة وحيوية الحرية في الولايات المتحدة لا يمكن الفصل بينهما»، كما نقرأ.
والشرط الثاني هو «تمثّل حقوق الإنسان من قبل المعنيين فيها. وهذا يحتاج إلى «تعلّم دؤوب» للوصول إلى الدفاع عنها والدفاع أيضا عن حقوق الآخرين. ويبقى مفهوم حقوق الإنسان بحاجة إلى دولة «تضمنه» وبالتالي إلى «مؤسسات» تمتلك سلطة «تنفيذه»، وهذا هو الشرط الثالث.
التعددية الثقافية والتسامح
إلى جانب القبول بمبدأ حقوق الإنسان كعامل في تشجيع نشر السلام في العالم، يتم التأكيد في التحليلات المقدّمة على أهمية مبدأ التعددية الثقافية والتسامح بين البشر، بحيث يتم الاعتراف ب«خصوصيات» الجميع. وفي هذه السنوات من مطلع القرن الحادي والعشرين هناك قبول أكبر بمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها الذي كان وراء تغيير كيان يوغسلافيا السابقة وتحويله إلى عدة دول وولادة جمهوريتي تشيكيا وسلوفاكيا من انقسام تشيكوسلوفاكيا السابقة. مثل هذه الدينامية تعكس القبول بالتنوع والاختلاف.
ويحدد المؤلف القول ان أية خصوصية ثقافية أو دينية هي مجرد خصوصية. وأية صفة للهوية ينبغي أن تتضمّن في عمقها مبدأ المساواة. ثم إن هوة الاختلاف تتقلص في الحقبة الراهنة بفعل الحداثة التي «يستخدم» ثمراتها الجميع. كما يتم التأكيد في هذا السياق أن التعددية الثقافية تشجع إقامة مواثيق اجتماعية وتوازنات بين مختلف مكونات المجتمع. ذلك كله في إطار البحث عن «الاعتراف بحق الاختلاف والحفاظ على وحدة المجموع».
النساء والسلام
جاء في الإعلان الصادر عن «قمّة الألفية» بتاريخ 15 سبتمبر-أيلول 2005 ما نصّه: «إننا نؤكّد أهميّة دور النساء في الوقاية من النزاعات وتسويتها وفي تعزيز السلام». وهذا ما يعقّب عليه المؤلف بالقول ان تحرر النساء يشكّل إحدى الثورات التاريخية في القرن العشرين.
لكن النساء مازلن حتى الآن يمارسن السلطة على غرار ما يمارسها الرجال. ويحدد المؤلف امرأتين جسّدتا السلطة بقوّة في القرن العشرين، هما انديرا غاندي، التي قادت حربا ظافرة ضد باكستان، وأظهرت صرامتها باستمرار وماتت غيلة من قبل اثنين من حرّاسها ينتمون إلى طائفة «السيخ».
والثانية هي مرغريت تاتشر، التي اشتهرت بلقب السيدة الحديدية. وقد جسّدت شخصية قائد حربي أيضا. وكانت في عام 1982 وراء حملة عسكرية بريطانية كبيرة لطرد القوات الأرجنتينية من جزر فولكلاند (مالوين) القريبة من شواطئ الأرجنتين.
السلطة إذن ليست ذات «جوهر ذكوري». لكن يسأل المؤلف هنا: ماذا يمكن أن يحدث في العالم إذا شغلت نساء أغلبية مناصب القيادة؟ إن المشاكل المطروحة لن تتغيّر وحاجات البشر سوف تستمر. ولا يبدو أن هناك «أنماط» عمل متباينة بين الرجال والنساء من أجل تلبيتها.
مع ذلك تلفت الانتباه تجربة بلدان شمال القارة الأوروبية، السويد والنرويج خاصة، حيث هناك «تكافؤ» كامل في اقتسام مهمّات ومسؤوليات السلطة بين الرجال والنساء.
ثم إن القرن العشرين هو حتى الآن القرن الأكثر عنفا في التاريخ الإنساني، حيث أثبت البشر أنهم يمتلكون قدرات تخريب عالية. لكنه بالوقت نفسه هو القرن الذي شهد تقدّما كبيرا باتجاه إقامة السلام عبر آليات الرقابة والمؤسسات الدولية والقانون الدولي. ولا شيء يدلّ في السياق الحالي على أن تدخّل «العنصر النسائي» سوف يكون له أثر حاسم في تعميم السلام العالمي.
وبعد الحرب العالمية الثانية قامت منظمات دولية مثل الأمم المتحدة والمؤسسات المختصة، وذلك بجهود «جيل من الرجال» على خلفية إدراك أن البشرية لا يمكنها أن تلقي دوريا بأبنائها في حروب دموية ومخربة. ثم إن المحاكم الدولية التي قامت منذ نهاية الحرب الباردة صبّت في فائدة النساء باعتبارهن يمثّلن أغلبية الضحايا.
ويشير المؤلف إلى أن دخول النساء إلى الحقل السياسي بدأ واقعيا منذ نهايات القرن التاسع عشر. أما تأكيد «الخصوصية النسائية» على المسرح الدولي فلم يظهر بوضوح إلا خلال العقدين الأخيرين، ولكن الظاهرة تبقى «محدودة جدا». وإذا كان المؤلف يشير إلى إمكانية أن يدفع الوجود النسائي الفاعل على مسرح العلاقات الدولية نحو قدر أكبر من السلام في العالم، فإنه يؤكد بنفس الوقت أن مثل هذا السلام يتعلّق بعدد هام من العوامل الأخرى.
الأمم المتحدة والحرب
حلم السلام الدائم يدغدغ باستمرار عقول البشر، لكن هذا لا يمنع واقع أن الحرب تمثل أفق النظام العالمي، كما يقول المؤلف. ثم يضيف أنه في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، وحتى لو كان العالم يبدو أكثر هدوءا، تنفجر النزاعات المسلّحة هنا وهناك. فما هو الدور الذي يمكن لمنظمة الأمم أن تلعبه؟
إن كلمة «الحرب» غير واردة إطلاقا في ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945. والمنظمة الدولية تضم اليوم ما مجموعه 192 دولة. إنها تشكّل بالتعريف «مجتمعا» دوليا واحدا، وبالتالي يُفترض ألا تتقاتل فيما بينها.
أما مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة فدوره أن يكون «وسيطا» أو ربما «شرطيا» مهمته وقف الاقتتال. إنه، كما يصفه المؤلف، «شرطي العالم الذي تقع على عاتقه مسؤولية منع قيام المجابهات المسلّحة أو تفريق المتحاربين».
ذلك كله شريطة ألا تستخدم إحدى الدول الأعضاء، دائمة العضوية، الخمس «الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا» حق النقض «الفيتو». ثم إن قرارات مجلس الأمن لا تستطيع ردّ إرادة «الكبار» عندما يستخدمون قوتهم العسكرية مثل الولايات المتحدة في فييتنام بالأمس وفي العراق اليوم.
ثم إن الدول لا تبدو مستعدة للتخلّي عن أحد أسس شرعيتها وسلطتها، أي الرقابة على قواتها المسلّحة. لذلك لم يتم تنفيذ الإجراءات التي اتخذتها الأمم المتحدة ل«التصرّف» بهذه القوات ونقلها إلى هذه المنطقة أو تلك من العالم، رغم أن ميثاق الأمم المتحدة ينصّ على ذلك والتي لها «أهميتها» في النظام الدولي الراهن لكنها تبقى «غير محددة المعالم»، و«غير محدد» دورها في المحافظة على السلام في العالم.
وأخيراً... السلام؟
كانت الأولوية الدائمة لدى الإنسانية منذ بداياتها هي: البقاء. وفي مطلع هذا القرن لا يزال التحدي نفسه قائما. ولذلك تسعى إلى تحقيق سلام دائم يسمح لهم بالبقاء. إن البشر استفادوا من العلوم والتكنولوجيا وزاد عددهم كثيرا وتعاظم بنفس الوقت «خطر» التناقضات المترتبة على معضلة تأمين ما يحتاجونه.
ويحدد المؤلف القول ان العولمة تحمل في طياتها مجموعة من النزاعات التي تتطلب مواجهتها قيام تضامن دولي حقيقي ومؤسسات دولية حقيقية. ذلك من أجل معالجة المسائل الكبرى من التغيّر المناخي حتى نزع الأسلحة.
وفي هذه السنوات من مطلع القرن الحادي والعشرين، أثبتت الأزمة العالمية الراهنة أن الدول لا تستطيع مجابهتها، كل منها على حدة، هذا على قاعدة إدراكها أن «سقوط الدولة الأخرى» قد يشكل مقدمة ل«انهيارها» هي نفسها. وهكذا مثلا تقوم الولايات المتحدة بتمويل ديونها من الأموال الصينية بينما تخشى الصين من فقدان ما تملكه من مليارات الدولارات قيمتها إذا انهار الاقتصاد الأميركي.
لكن مصدر الخطر يحدده المؤلف بالقول ان البشر لا يزالون يتخذون قرارات عشوائية ويتورطون في نزاعات وحروب رغم ما يشاهدونه أمامهم من «تقلّص» الزمان والمكان وحاجة الأرض لإدارتهم المشتركة أمام ثقل المشاكل العالمية المطروحة. تقول الجملة الأخيرة من الكتاب: «طالما أن البشر لا يتوقفون عن السؤال: لماذا يمتلك الآخر ما لا أمتلكه أنا؟ ولماذا الآخر هو أفضل مما أنا عليه؟ فإن السلام سيبقى هدفا بعيدا ولا يمكن الوصول إليه».
