في كلمة ألقاها، أخيرا، خاطب الرئيس الأميركي باراك أوباما ما وصفها بأنظمة الحكم المعادية لأميركا، قائلا إنه على النقيض من مجرى التاريخ، فإن الولايات المتحدة سوف تمد يدها لتلك الأنظمة إذا رغبت بإرخاء قبضتها. وسرعان ما دعم كلماته بالأفعال، جاعلًا التعامل مع الأنظمة المناوئة لواشنطن من الأولويات الجديدة للإدارة الأميركية.

وسعى في سنته الأولى لإجراء مفاوضات مباشرة مع إيران وكوريا الشمالية بشأن برامجهما النووية. كما أعاد ترتيب العلاقات مع روسيا، من خلال البحث عن أرضية مشتركة فيما يتعلق بالحد من التسلح، ومنظومة الدفاع الصاروخية الأميركية، وقضية أفغانستان. وباشر بمراجعة الحظر الاقتصادي المفروض على كوبا، وقام بعملية جس نبض لإقامة علاقات دبلوماسية مع دول منها ميانمار.

وما يزال المراقبون مختلفين بشأن ما إذا كانت استراتيجية التعامل مع الدول المناوئة هذه تؤتي أكلها. وهناك انقسام في الرأي بين صناع السياسة والباحثين بشأن مزايا ومخاطر سياسة أوباما المتمثلة في مد يده والتصالح مع المناوئين للولايات المتحدة، وبشأن أفضل السبل لزيادة احتمال مقابلة بادرة الرئيس الأميركي بالمثل.

ويتواصل الجدل بشأن ما إذا كانت نتائج سياسة التقارب الناجمة عن التنازلات المشتركة ستروض الأنظمة المناوئة، أم أن سياسة القبضة الحديدية ستجبرها على الخضوع.

وبالدرجة نفسها ثمة جدل يدور حول ما إذا كان يتعين على الولايات المتحدة اتباع سياسة تصالحية مع أنظمة الحكم المطلقة والمتصلبة، أم أنه اشترط لتحقيق ذلك تطبيق الديمقراطية فيها. كما يستمر عدم الاتفاق بين المراقبين بشأن ما إذا كانت الدبلوماسية، أم المساعدات الاقتصادية، هي التي تمثل أكثر دروب السلام فعالية.

وقد حسم العديد من منتقدي أوباما رأيهم، فيما يتعلق بمساوئ تقاربه مع أنظمة الحكم المناوئة للولايات المتحدة، واستنتجوا أن الرئيس الأميركي لم يكن لديه الكثير ليعرضه بشأن جهوده، علاوة على أن دبلوماسيته المتراخية حطت من قدر واشنطن، وجعلت قبضتها ضعيفة. واتهمه المعلقون المحافظون بأنه رسخ موقفه، من وجهة النظر العالمية، كمهادن عظيم لأعداء الولايات المتحدة.

غير أن السجل التاريخي يوضح أن الشكوك الموجهة لأوباما هي في غير محلها، وأنه يسير على الدرب الصحيح رغم وعورته للوصول إلى مناوئيه. فالخصومات القديمة عادة ما تميل للتلاشي والاختفاء نتيجة للاحتواء المشترك لها، وليس نتيجة لسياسة التهديد القسري للطرف الآخر.

وبالطبع تتعرض سياسة المهادنة في بعض الأحيان للنبذ، وتتطلب إلغاءها، وذلك ضمن شروط معينة، في حين تنطوي التنازلات المتبادلة على الجسارة، وتعتبر استثمارا ناجحا وقت السلام. ويبدو أوباما محقاً في التراجع عن الترويج للديمقراطية عندما يكون منهمكا في مشاغلة أعدائه.

وحتى الدول التي تتبع سياسة القمع الداخلي، قد تبدو متعاونة خارجيا، وعلاوة على ذلك فإنه على النقيض من الحكمة التقليدية القائلة إن الدبلوماسية، وليست التجارة، هي عملة السلام، فإن الترابط الاقتصادي يحدث نتيجة للتقارب بين الدول، أكثر مما هو مسبب لهذا التقارب.

المعاملة بالمثل

يشار إلى أن بعض أنظمة الحكم، التي توصف بالمتمردة، والتي يسعى أوباما للتعامل معها، سترفض حتما اتباع سياسة المعاملة بالمثل مع أوباما، وتبعاً لذلك يتعين على واشنطن، بعد فترة من ملاطفتها، أن تجمد عرضها للتوافق معها، وتتبنى ضدها استراتيجية العزل والاحتواء. ومن المرجح أن توافق أنظمة أخرى على هذا العرض.

وحتى الآن فإن روسيا وإيران وكوريا الشمالية وميانمار، أظهرت كلها حداً أدنى من الاهتمام، على الأقل، في التعامل مع الولايات المتحدة. فقد تعاونت روسيا مع واشنطن في الحد من التسلح، وصعدت جهودها لاحتواء البرنامج النووي الإيراني، ووسعت المرور عبر الأراضي الروسية ومجالها الجوي للقوافل والتجهيزات العسكرية المتجهة إلى أفغانستان.

أما إيران، التي انهمكت بأوضاعها الداخلية منذ انتخابات يونيو عام 2009، فقد تبنت مجددا سياسة التقارب والتباعد في التفاوض مع الولايات المتحدة. ومن الواضح أنها تعرضت للإغراء بعرض التسوية المقدم لها في مجال برنامجها النووي، كوسيلة لتجنب المواجهة مع الغرب، أو على الأقل تأخيرها.

وبالمثل تميل كوريا الشمالية للتعامل مع واشنطن بشأن برنامجها النووي، في حين توسع كوبا حوارها الدبلوماسي مع واشنطن، بينما رحبت ميانمار بزيارة مسؤول أميركي كبير لأراضيها، وسمحت له بالاجتماع مع زعيمة المعارضة أونغ سان سو كي.

اتفاقات

ووسط هذا القدر الضئيل من التقدم، يصر النقاد على أن محاولة إبرام اتفاقات مع أنظمة حكم توصف بالمتطرفة هي أسلوب ترضية بطريقة أخرى. ويوردون مثلًا على ذلك المعاهدة الشهيرة التي أبرمها رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين مع هتلر في ميونيخ عام 1938. ويدعي معارضو سياسة التعامل مع الدول الأخرى، التي ينتهجها أوباما، بأن هذه السياسة ستؤدي إلى تصلب تلك الدول وزيادة عدائها.

غير أن السجلات التاريخية تكشف، على النقيض من ذلك، أن المهادنة الأولية للأنظمة المناوئة، بعيدة كل البعد عن الدعوة لممارسة العدوان، وهي تعتبر بداية لأزمة للتقارب بين الدول. وهذه الدعوات المكشوفة عادة ما تكون نتاج أمور ضرورية، لا بد منها، عوضا عن سياسة الإيثار.

وتسعى بعض الدول، من خلال مواجهة استراتيجية الالتزام المفرط، لتخفيف الأعباء الملقاة على عاتقها عبر مهادنة أنظمة الحكم المناوئة لها. وإذا استجابت الدولة المستهدفة لذلك ببادرة مشابهة، فقد يتبع ذلك تقديم تنازلات متبادلة، مما يمهد في الغالب لتمهيد الطريق للتخلي عن حالة التنافس والعداء والشكوك المتبادلة.

وفي المرحلة الأخيرة من سياسة التقارب، يجمع أبرز صانعو القرارات، والبيروقراطيون، والهيئات التشريعية، ومجموعات المصالح الخاصة، والمواطنون العاديون، على أنه يمكن تحقيق تلك الأهداف من خلال ممارسة الضغوط على الأطراف المعنية علاوة على التوعية العامة. وتكون هناك حاجة لتواصل اجتماعي أوسع نطاقا، لضمان استمرار التقارب حينما يوشك الزعماء الذين تسببوا بهذا التقارب على ترك السلطة.

ولضمان ذلك قد تكون هناك حاجة لموازنة عروض المهادنة بتهديدات المواجهة. غير أن العبر التاريخية تظهر أن سياسة التهادن، وليست المواجهة، هي الجزء الضروري المكمل للتقارب الناجح بين الدول. فقد ظلت الولايات المتحدة وبريطانيا عدوتين لدودتين لعقود عدة، إلى أن استجابت واشنطن لبادرة بريطانية، في نهاية القرن التاسع عشر، تتعلق بتقاسم مناطق النفوذ والحقوق الملاحية في بعض الممرات المائية، وأتاحت توسيع نفوذ واشنطن في المحيط الأطلسي.

وكما توضح عمليات التقارب بين الدول، فإن أوباما يقف على أرضية صلبة في سعيه الدؤوب لحل الصراعات القديمة من خلال سياسة التهادن، وليس المواجهة.

وبدت هذه الاستراتيجية مجدية بصورة أكبر عندما كانت الولايات المتحدة منهكة، وهي تخوض حربين في العراق وأفغانستان، وتعاني من محنة اقتصادية داخلية.

وحتما تنطوي سياسة المهادنة، التي يتبناها الرئيس الأميركي، على مخاطر، وتأتي بلا أي ضمان لتحقيق نجاح.، لكن إذا تم التعامل معها بصورة صحيحة، فإنها تعتبر من خلال العبر التاريخية من الأساليب الدبلوماسية الصحيحة، وليست سياسة مهادنة، أو ترضية.

تحديات

وفيما يواصل أوباما سياسة التقارب مع العديد من الأنظمة المناوئة للولايات المتحدة، فإنه يواجه تحديين رئيسيين. ويتمثل التحدي الأول بكيفية التعامل مع الأطراف المعنية مع توالي المحادثات، والخوض في المسائل التي يتم طرحها على مائدة المفاوضات. أما التحدي الثاني فيتمثل بكيفية التعامل مع التداعيات السياسية في الداخل والخارج.

وبالنسبة للتحدي الأول على واشنطن أن تكون مستعدة لتقديم تنازلات في الوقت الملائم، بحيث تكون جريئة بدرجة كافية لكي تفسر بأنها إشارات إلى نواياها الطيبة، وإلا فإن الطرف الآخر سيقتنع بأنها غير مخلصة في سعيها للمصالحة.

ويتعين على الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، ألا تتحرك بسرعة كبيرة، أو بجرأة كبيرة. فالتجاوزات، المبالغ فيها، قد تجعل واشنطن وشركاءها المحتملين، معرضين للخطر بصورة استراتيجية، مما يعزز المعارضة الداخلية، ويدفع الطرفين للتراجع عن موقفهما، وعدم الوقوف على أرضية صلبة.

ويتعين على إدارة أوباما اتباع سياسة تقارب تدريجية، وأن تتابع تنازلاتها بحذر شديد، وتتكيف بصورة دقيقة مع كل خطوة تصالحية طموحة ومتبادلة. ومن خلال هذه الاستراتيجية، قد تتيح العداوة المتبادلة، في نهاية الأمر، المجال للتصالح دون التعرض لخطر الاستغلال، فكل طرف يقدم التنازلات بالتزامن مع الطرف الآخر.

وتتبنى إدارة اوباما هذا الأسلوب في معالجة علاقاتها مع روسيا، فقد دعمت دعوتها لإعادة ترتيب علاقاتها مع الرئيس الروسي مدفيديف من خلال اتباع سياسة الحد من التسلح النووي، وعالجت المخاوف الروسية فيما يتعلق بمنظومة الدفاع الصاروخي الأميركية، وأنشأت مجموعات عمل ثنائية لمعالجة مجموعة من القضايا.

وأتاح الكرملين في المقابل حدوث تقدم في المفاوضات المتعلقة بخفض التسلح، وإجراء محادثات دبلوماسية بشأن إيران، والوصول إلى أفغانستان عبر أراضيه.

بقلم ـ تشارلز كابتشان - ترجمة ـ عمر حرز الله