فاجأ الرئيس الأميركي باراك أوباما الجميع برحلة سرية إلى أفغانستان ليبلغ رئيسها حامد قرضاي بنفسه هذه المرة وبشكل حاسم ضرورة أن يتحرك نحو تبني منهج شفاف، وأن الولايات المتحدة لن تدعم حكومة تغض النظر عن الفساد وتتبنى المحسوبية وتقيم علاقات مع لوردات الحرب من أمثال الجنرال رشيد دوستم وغيره.

وجاءت زيارة أوباما إلى أفغانستان بعد أسبوع من تحقيقه انتصارات تاريخية، أولاها تمرير مشروع قانون الرعاية الصحية، وثانيها التوصل إلى اتفاق مع روسيا حول معاهدة التسلح، وثالثها موقفه الحازم في محادثاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حول قضية الاستيطان في القدس وضرورة البدء بمفوضات حول القضية الفلسطينية. ويريد أوباما بهذه الزيارة الإسراع بإحراز انتصار سريع وحاسم، ليتفرغ لباقي المعارك الداخلية في عام انتخابات التجديد النصف للكونغرس، والذي ستحدد نتيجته سير الانتخابات الرئاسية المقبلة.

تحجيم سادة الحرب

وتعتمد خطة أوباما للخروج من المستنقع في أفغانستان على التأكد من التزام الحكومة الأفغانية بوقف الفساد والمحسوبية واعتماد الشفافية، وتحجيم سادة الحرب، لا سيما الزعيم الأوزبكي عبد الرشيد دوستم، وغيره، وكان قرضاي قد أعاد دوستم خلال حملته الانتخابية الأخيرة رغم اتهامات للأخير بالتورط في أعمال تصل إلى ارتكابه ورجاله جرائم «حرب» ضد مدنيين أفغان، وهي الانتخابات التي انتهت بفوز مشكوك فيه لصالح قرضاي.

كما تعتمد الخطة على محاصرة زراعة والاتجار في المخدرات والتي أتاحت عائداً مالياً ضخماً وغير مسبوق لصالح أشخاص لهم علاقة بالحكم، في إشارة إلى شقيق قرضاي وغيره من المحسوبين عليه، حيث تخشى واشنطن أن يكون جانب من هذه الأموال لصالح دعم الفساد ولصالح شراء السلاح وأعمال أخرى كلها تؤدي إلى تنامي نفوذ طالبان.

ويريد أوباما التأكد من إقامة نظام قضائي مستقل، يدعم الأمل لدى الأفغان، ويحافظ على شفافية الحجم، وكذلك الإسراع بتشكيل قوات أمن أفغانية، وقبول أعضاء ينتمون إلى مختلف القبائل والمناطق الأفغانية، مع استمالة من يوصفون بالمعتدلين من طالبان، للدخول في العملية السياسية، لكي تتحول القوات الأمنية الأفغانية إلى قوات حفظ للأمن تنتشر في أنحاء أفغانستان، بما في ذلك مناطق القبائل، وليس في العاصمة كابول وحولها لحماية قرضاي وأتباعه وأعضاء الحكومة فقط.

وذلك على شاكلة نموذج الصحوة الذي نفذ في العراق بنجاح، بالتزامن مع عملية تنمية حقيقية يشعر بها الأفغان مباشرة، كتكثيف أعمال البنية التحتية، والرعاية الصحية، والتعليم.

خطط المواجهة

أما لقاؤه مع أعضاء القوات الأميركية بأفغانستان وعلى رأسهم القائد ستانلي ماكريستال، فإن أوباما الذي ذهب إلى أفغانستان هذه المرة باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة الأميركية، اطلع منهم على الأوضاع وخطط التعامل مع تنظيم القاعدة ومن يوصفون بالمتشددين في طالبان.

وأعرب أوباما عن ثقته في أن تلك القوات ستحقق المهام الموكلة إليها، ولهذا السبب أمر بإرسال مزيد من القوات والمدنيين الأميركيين إلى أفغانستان عقب توليه زمام الأمور في البيت الأبيض.

وقد وصل أوباما إلى العاصمة الأفغانية بعد أن اكتسبت رئاسته زخما جديدا من النشاط، وأعيد شحنها بالطاقة اللازمة، غير أنه بقي هو ومساعدوه يقظين ومدركين جيدا للتحديات التي ستطل برأسها في أفغانستان، وهي تهديدات قد ترتد عليه.

وجاءت هذه الرحلة عند مفترق طريق هام عقب تدفق 40 ألف جندي أميركي جديد إلى أفغانستان، وتوقع شن هجوم مشترك مع الجيش الأفغاني على معاقل حركة طالبان في قندهار.

كما جاءت عقب الانتخابات المتنازع عليها، والتي أعادت قرضاي إلى سدة الحكم العام الماضي. ولا تزال الإدارة الأميركية تشعر بمخاوف كبيرة من الفساد الذي يحدق بالحكومة الأفغانية، والمتمثل بتجارة المخدرات، ومعرفة ما إذا كان قرضاي راغباً، أو قادراً، على المساعدة في مواجهة تجار المخدرات، وتمرد طالبان.

وأوضح مستشار الأمن القومي الأميركي الجنرال جيمس جونز أو أوباما أوضح لنظيره الأفغاني أن الالتزامات الأميركية تجاه أفغانستان تتوقف على تحسين إنجازات الحكومة الأفغانية، وأنه لا يمكن الفوز في المعركة ضد طالبان بدون وجود حكومة فعالة.

في طي الكتمان

لم يبلغ الرئيس الأميركي باراك أوباما برحلته السرية إلى أفغانستان سوى عدد محدود من الصحافيين، حيث تعهدوا بعدم إبلاغ أي شخص عنها حتى ذويهم ورؤسائهم. وحرص على أن يكون لقاؤه بالرئيس الأفغاني حامد قرضاي في حضور أعضاء الحكومة الأفغانية.

في إشارة إلى محتوى الرسالة الحازمة التي يحملها الرئيس الأميركي بنفسه، وهي رسالة تلخص خطة إدارة أوباما القاضية بالإسراع في التخلص من الوجود الأميركي في المستنقع الأفغاني، كإحدى الحروب التي ورثها عن إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، ومساعده ديك تشيني، من دون حسم، ومن دون نجاح يذكر، في الوقت الذي تستنزف الأموال وأرواح الأميركيين.

بقلم - تيم ريد

ترجمة: عمر حرزالله