منذ 25 عاماً.. سلّط العالم الأضواء على مدينة لم يكد أحد يعرفها من قبل.. اسمها «ريكيافيك» وهي عاصمة دولة أيسلندا الواقعة في المناطق قارسة البرودة من شمال العالم.
كانت المناسبة هي لقاء جمع بين رئيس أميركا في ذلك الحين ـ رونالد ريجان وبين الرئيس الجديد للخصم الواقع إلى الشرق الأوروبي ـ وكان يعرف طبعا باسم الاتحاد السوفييتي. كم اعتاد الناس في عالم النصف الثاني من القرن العشرين على شكل وهيئة وهندام الزعماء السوفييت.. ما بين الشوارب الغليظة والنظرات القاسية التي كان يتميز بها جوزيف ستالين، إلى البدانة الظاهرة والرأس الأصلع والسلوك الفلاحي الذي كان يتميز به نيكيتا خروشوف إلى التقدم في السن والتحامل على النفس والنظرات الجاحظة ربما من فرط المقويات التي كان الناس يلاحظونها من حركات وسكنات ليونيد بريجينيف الذي كان يطل على الرأي العام بوجه أقرب إلى تمثال من الشمع.. وكذلك كانت حالة أندروبوف ومن في حكمهم من زعامات الكرملين التي كانت تجسد علامات للشيخوخة على اختلاف تجلياتها.. شيخوخة السن.. والفكر والملابس والأيديولوجيا والسلوكيات.
الجديد في أيسلندا... شيء جديد تماما على أهل العالم في سنة 1985. جاء إلى العاصمة الأيسلندية زعيم جديد من موسكو برفقة زوجته.. في أعطافه كانت تطل علامات الشباب وإمارات الحيوية.. وفي نظراته وسكناته كانت تتبدى روح من الدينامية والنشاط الجم.. لأول مرة رأى الناس زعامة سوفييتية ـ شيوعية يرتدي رمزها ثيابا بالغة الأناقة وتصحبه زوجة أنيقة بدورها.. تحمل أكثر من درجة علمية وتتصرف بقدر لا يخفى من الفطنة والتعبير الدقيق عن روح العصر- الربع الأخير من القرن العشرين. وبلغ الأمر أن ظهر فارق ملحوظ من حيث السن والحيوية والملكات الفكرية والأبعاد الثقافية بين رئيس أمريكا ريجان وزوجته نانسي ولصالح الوفد القادم من موسكو.
من هنا جاءت المقارنة في عيون الرأي العام العالمي لصالح زعيم الكرملين الجديد الذي رددت الميديا العالمية اسمه باستمرار وهو ميخائيل جورباتشوف.
من يومها ارتبط اسم الرجل بعدد من الأطروحات والمقولات والمبادئ والشعارات التي كان لابد وأن تصكّ الأسماع وتجذب اهتمامات المراقبين والمحللين.. وقد أطلقها جورباتشوف بعيد انتخابه عند قمة الهرم الموقع الأيديولوجي الرئاسي من الزعامة السوفييتية وهو: منصب السكرتير الأول للجنة المركزية للحزب الشيوعي (الحاكم) في الاتحاد السوفيتي.
شعارات جديدة
من هذه الشعارات ما كان يقول بالتالي: الجلاسنوست وهو اسم في اللغة الروسية مشتق من الزجاج.. ومن ثم فهو يصدق على معان كانت إيجابية في الأصل بقدر ما كانت مطلوبة.. وهي لا تزال كذلك بالنسبة لكل دولة وإدارة ونظام على مستوى العالم كله. (جلاسنوست تعني المكاشفة.. الوضوح.. المصارحة.. الإفصاح).
ومع مرور الأيام وتطور المعاني كان لابد لهذا المصطلح أن يفضي إلى بلورة تعبير ومبدأ آخر يطالب به الناس في كل مكان وهو «الشفافية».
مع ذلك فثمة تعبير أو شعار طرحه جورباتشوف يومها، وما لبث أن شق طريقه إلى حيز الكتابات والتحليلات.. والتطبيقات أيضا وهو «البيريسترويكا» ، ومعناها كما أصبح شائعا هو «إعادة البناء».
25 عاما انقضت على هذا كله.. وخلالها جرت مياه كثيرة في الأنهار واضطرمت واضطربت أمواج بغير حصر في بحار عالمنا والمحيطات.. وانطبقت قوانين التغير وسُنن التبدل الحتمي على شكل خارطة القوى والأفكار والنفوذ والدول والزعامات في عالمنا..
وبديهي أن الذي كان في مقدمة هذا كله هو تداعي، ومن ثم سقوط دولة الاتحاد السوفيتي التي كان جورباتشوف رئيسا لها بل كان آخر رؤسائها.. واختتمت بذلك حياة التكتل الشرق ـ أوروبي الذي طالما حمل اسم المعسكر الاشتراكي سواء في تطبيقه العسكري ـ حلف وارسو أو في تجسيده الاقتصادي ـ منظمة الكوميكون.. حيث أصبح هذا كله في ذمة التاريخ.
تأملات رئيس أسبق
الذي بقي هو السيد جورباتشوف شخصيا الذي تحّول بالطبع إلى رئيس سابق.. ومفكر أو محلل لاحق.. يعيش حياة شبه هادئة في موسكو ويسافر في جولات شتى حول العالم تحوطه موجات تجمع بين التقدير لدوره في المصارحة أو الدعوة إلى إعادة البناء، وبين الانتقاد المرير لدوره الذي يراه النقاد دورا بالغ السلبية لأنه أفضى ـ كما هو معروف إلى انهيار القطب السوفييتي الذي كان الطرف الوحيد المؤهل لمنافسة القطب الغربي بقيادة الولايات المتحدة..
ومما أدى بالتالي إلى خلل التوازن العالمي الذي كان سائدا خلال حقبة الحرب الباردة التي بدأت مع أواخر الأربعينات ونهاية الحرب العالمية الأولى ـ ثم انتهت ـ كما هو معروف أيضا ـ مع مطالع عقد التسعينات بزوال القطب السوفييتي وانفراد القطب الأميركي بمقاليد العالم، خاصة وقد كانت التسعينات عقدا من الارتباك السياسي والفساد السلوكي وانهيار مستويات المعيشة في الكيان الروسي (حقبة بوريس يلتسين بالذات).
مما هيأ الساحة العالمية مع مطلع الألفية الجديدة إلى روسيا المهيضة المثخنة بالجراح وأميركا المتحفزة بمخالب فصيل المحافظين الجدد الذين بسطوا سيطرتهم على مقدرات السلطات الرئيسية في واشنطن خلال ولايتي الرئيس بوش ـ الابن ورفعوا بعد أحداث 11 سبتمبر المعروفة الشعار التعصبي المعروف «من ليس معنا فهو لاشك ضدنا»، وهو ما كلف عالم تلك الفترة القريبة ثمنا فادحا بكل مقياس.
العالم منشغلاً
في الفترة الأخيرة انشغل العالم بأمور شتى فلم يكد يهدأ قليلا من رفع شعارات محاربة الإرهاب.. حتى فاجأته الأزمة المالية ـ الاقتصادية التي مازالت عقابيلها ناشبة أظفارها في بنية الاقتصاد العالمي.. هذا فضلا عن ملابسات الاهتمام العالمي ـ الإيجابي في معظمه خلال انتخاب رئيس شاب من أصول أفريقية للمنصب رقم واحد في الولايات المتحدة.
في غمار هذا كله خَفَت صوت ميخائيل جورباتشوف وكادت أفكاره وطروحاته تتغلف بستار ولو مرحلي من النسيان أو ما يشبه النسيان ، لكن ها هو جورباتشوف يطل على الساحة العالمية من جديد، حدث ذلك في الأيام الأخيرة الماضية وبالتحديد في منتصف شهر مارس، والمناسبة هي نفس السنوات الخمس والعشرون التي بدأنا بها استهلال هذه السطور.
المناسبة هي انقضاء 25 سنة على تسلم ميخائيل جورباتشوف مقاليد السلطة الأولى في الاتحاد السوفييتي (السابق) في شهر مارس عام 1985.
السيد جورباتشوف يجتاز عامه الواحد والثمانين، وربما أوصله هذا السن المتقدم إلى حيث جلس في تؤدة يعيد النظر متأملا في الأحداث التي كانت، وفي دلالات وعبرة تلك الأحداث.
هذه التأملات قادته ولاشك إلى أن جلس إلى مكتبه في الضاحية الهادئة من العاصمة الروسية (لم يعد اسمها بالطبع السوفييتية) ثم كتب تحليلا رأيناه على قدر ملحوظ من الرصانة والأمانة أو فلنقل الموضوعية بعد أن قرأناه مترجما عن الروسية وبعد أن عنيت بنشره جريدة نيويورك تايمز (عدد 14/3/2010). يأتي عنوان التحليل.. الجورباتشوفي لافتا للنظر بقدر ما أنه مثير ـ في رأينا ـ لأشجان ثقافية إلى حد بعيد ، والعنوان حرفيا هو «مبدأ البيريسترويكا المفقود».
وهنا لا يملك المثقف العصري سوى أن يستعيد واحدة من أشهر ملاحم الأدب الإنجليزي وعنوانها المعروف هو «الفردوس المفقود».. وفيها يحكي الشاعر جون ميلتون (1608- 1674) كيف أدت غواية الشيطان إلى أن ضاع نعيم الفردوس على بني الإنسان.
من هنا تستهل دراسة جورباتشوف سطورها بما يشبه التأبين الذي ينعي انتهاء أو تبدد الدعوة إلى إعادة البناء، تلك التي أطلقها الرجل منذ ربع قرن وكأنه كان يقف على أطلال تجربة تطبيق النظرية الماركسية التي كانت قد بدأت على يد فلاديمير إيليتش لينينين منذ أكتوبر عام ,1917. وتدعمت جذورها خلال ديكتاتورية ستالين ثم عاشت ربيعا قصيرا خلال حقبة خروشوف التي انتهت مع منتصف الستينات إلى أن بدأت تترنح.. ومن ثم تتداعى إلى حيث نهايتها المشهودة مع فاتح عقد التسعينات.
في جوهرها كانت «البيريسترويكا» دعوة إلى التغيير.. ومع ذلك فها هو صاحب الدعوة يعترف بعد ربع قرن من إطلاقها بأن روسيا ما زالت بحاجة إلى تغيير.
مرض الجمود العقائدي
ويمضي التحليل المنشور مؤخرا ليوضح الجانب الإيجابي من الدعوة متمثلا في ضرورة التخلي عن الجمود العقائدي.. وتلك السلفية الإيديولوجية التي تؤدي في رأينا، وفي أي بلد من عالمنا، إلى مرض تصلب الشرايين السياسي كما قد نسميه، ومن ثم إلى نوع من الانسداد الاقتصادي وهو ما أصاب الاتحاد السوفيتي في أواخر حقبة الحرب الباردة.. فما بالك وقد أضيف إلى هذه العلل السياسية والإنمائية.. علّة التدافع نحو التسلح.. في سباق كان لاهثا مع الخصم الأمريكي.. بقدر ما كان باهظ التكاليف بالنسبة للطرف السوفيتي على وجه الخصوص.
في نفس السياق نلاحظ أن جورباتشوف يعترف بما شاب المسيرة التي قادها شخصيا في ذلك الحين من تسرع وأخطاء بات الآن يتحمل مسؤوليتها وإن كان يلقي بعضا من اللوم أيضا على عاتق مدبري الانقلاب ضده في أغسطس من عام 1991.
وفيما يقر التحليل أيضا بما أفضت إليه دعواته من بؤس وتعاسة وحرمان ومسغبة عانتها أغلبية الشعب الروسي بعد سقوط الكيان السوفيتي، فهو لا يفوته أن يشيد بالجانب الإيجابي الآخر لدعوة إعادة البناء التي أطلقها وقد تمثلت معالمه على نحو ما يقول جورباتشوف فيما يلي: رفْض النظام الشمولي (الديكتاتوري) وإقرار حرية التعبير وحرية الاجتماع وحرية العقيدة الدينية وحرية الحركة (التنقل) فضلا عن مبدأ التعددية السياسية والاقتصادية.
خطأ العلاج بالصدمات
في نفس الوقت ينتقد جورباتشوف المبدأ الذي تم إتباعه خلال حقبة «يلتسين» في التسعينات وهو مبدأ «العلاج بالصدمات» ويصفه في عبارات دقيقة تقول بما يلي: كان العلاج بالصدمة أسوأ من المرض ذاته، فقد أدى إلى سقوط الكثيرين في هاوية الفقر، والى أن اتسعت الشُقّة بشكل هائل من حيث الفرق بين دخل القادرين وغير القادرين.
والى إلحاق ضربات موجعة بقطاعات الصحة والتعليم والثقافة في روسيا لدرجة أن بدأت روسيا وقتها تفقد قاعدتها الصناعية، وأصبح اقتصادها من ثم معتمدا على صادراتها من النفط والغاز الطبيعي.. وما أن حانت أولى سنوات الألفية الجديدة حتى أصبح نصف روسيا مدمَّرا وأصبحنا نواجه حالة من الفوضى ضاربة الأطناب.
بعدها، ومن باب التسليم بمقتضيات الأمر الواقع، يرى جورباتشوف منطقا معقولا في الإجراءات الحازمة (هل نقول الخشنة) بل والتدابير السلطوية التي اتخذها فلاديمير بوتين، باعتبار أن الوضع في روسيا (بعد فوضى يلتسين) كان في مسيس الحاجة إليها، لاسيما وأن روسيا تحتاج، في رأي جورباتشوف أيضا، إلى الجمع بين عنصري التنمية والتحديث وسط عالم من الاعتماد المتبادل.
ورغم أن روسيا استفادت خلال عقد من الزمن من ارتفاع أسعار البترول والغاز وهما أكبر صادراتها.. لكن ها هي الأزمة الاقتصادية العالمية وقد ضربت روسيا بأكثر مما أضرت بأي بلد آخر على نحو ما يعترف ويؤكد جورباتشوف الذي يضيف بالحرف قائلا في هذا السياق بالذات:وليس أمامنا مَن نوجه إليه اللوم سوى أنفسنا.
أخيرا يحيل جورباتشوف في مقالة «التايمز» إلى آراء الرئيس السوفييتي الحالي ديمتري مدفيديف الذي أعلن مؤخرا تساؤله على النحو التالي: هل كُتب علينا أن نصحب إلى مستقبلنا اقتصادا بدائيا يقوم على أساس مواد أولية وفساد تنتقل عدواه في كل مكان؟
الحوار هو الحل
من ناحية أخرى يحذر الرئيس الروسي الحالي من الإفراط في الاعتماد على الحكومة بوصفها المنقذ الوحيد أو رب العمل الأكبر أو المنتج الأفضل.
وفيما يجدد جورباتشوف، بوصفه رئيسا أسبق، تأييده لما ذهب إليه مدفيديف الرئيس الحالي من عدم تحميل الحكومة كل شيء.. وفيما يطالب الأسبق أيضا بمواصلة مسيرة التحديث، فهو يحرص على التنبيه بأن هذا كله لا يمكن أن يتم أو ينجح فيما يعامَل الناس على أساس من تجاهل أدوارهم أو تجاهل أهميتهم وآرائهم كمواطنين، وهو أمر لا سبيل إلى تحقيقه، وفق هذه الرؤية.
إلا بإقرار حكم القانون ولقيام حوار مفتوح وأمين بين الحكومة والشعب.. والمهم هو وعي الدروس المستفادة من مسيرة السنوات الخمس والعشرين التي انقضت على دعوة البيريسترويكا ـ إعادة البناء التي مازالت أطيافها مخيمة بصورة أو بأخرى، على روسيا وربما على بقاع أخرى من خارطة العالم.
محمد الخولي


