منذ وصول الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى البيت الأبيض في يناير من العام الماضي بدا واضحا اهتمامه البالغ بتحقيق إنجازات كبيرة على طريق تحسين سمعة الولايات المتحدة الأميركية بعد ما أصابها في عهد سلفه الرئيس بوش الابن، وكان أوباما يعلم جيدا أنه في نهاية العام سينتهي العمل باتفاقية «ستارت1» التي وقعتها واشنطن مع موسكو علم 1991 بشأن تقليص الترسانات النووية والأسلحة الاستراتيجية بين البلدين.

وبالتالي فعليه الإعداد لتوقيع معاهدة أخرى جديدة تثبت حسن نوايا الولايات المتحدة الأميركية في سعيها لتحقيق الأمن والسلام العالمي، ولكن على ما يبدو أن الأمر لم يكن بهذه البساطة والسهولة التي كان عليها عام 1991، عندما كانت موسكو هي التي تسعى لإثبات حسن نيتها وتغيير سياساتها وتخليها عن طموحاتها النووية، ومع مطلع صيف العام الماضي 2009 بدأت المشاورات بين البلدين حول البدء في الإعداد للمعاهدة الجديدة لتكون جاهزة للتوقيع قبل الخامس من ديسمبر موعد انتهاء مفعول المعاهدة السابقة، وبدا منذ البداية أن هناك خلافات في وجهات نظر الطرفين، وسيطرت هذه الخلافات على مباحثات الطرفين.

شروط موسكو

لقد كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن لا ترى ضرورة لعقد أي اتفاق جديد يُلزم روسيا بتقليص ترسانتها النووية يحل محل اتفاقية «ستارت 1» التي صدرت في مطلع التسعينات من القرن الماضي وانتهت في ديسمبر 2009، معتقدة أن روسيا لم تعد قادرة على تحقيق التفوق العسكري على الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ولم تتفق إدارة الرئيس الجديد باراك أوباما مع هذا الرأي، فسعت إلى استئناف الحوار الإستراتيجي مع روسيا. ويرى المراقبون والمحللون أن واشنطن هي الأحوج إلى اتفاق إستراتيجي جديد حيث ان أوباما بأمس الحاجة إلى ما يدل على نجاحه في مجال السياسة الخارجية بينما البعض في واشنطن يعتقدون أن روسيا هي التي تحتاج إلى اتفاق يُلزم الولايات المتحدة أيضا بتقليص ترسانتها النووية في وقت لا تستطيع فيه روسيا المحافظة على مخزونها من الأسلحة النووية الهجومية والذي سيسير إلى الانخفاض في أية حال، لكن على ما يبدو أن تطور مسار المباحثات أكد للجميع أن إدارة أوباما هي الأحرص بكثير على توقيع هذه المعاهدة.

حيث تعمدت موسكو وضع العقبات وعملت على إبطاء المحادثات لتبديَ عدمَ رضاها من أن واشنطن اتخذت قرارا أُحاديَّ الجانب بنشر منظومات الدفاع الصاروخية التكتيكية في جنوبَ أوروبا، وذلك من دون إجراء مشاوراتٍ مع روسيا، وطالب الجانب الروسي الولايات المتحدة بأن تعلنَ أنها تسعى للتشاور مع روسيا لتقدير التهديدات وأنها على استعداد للاستماع إلى التقاريرِ التي سيُعِدُها خبراءُ الجانبين في إطار آليةٍ مشتركة لتقدير تلك التهديدات ومن ثَمَّ وعلى أساسِ تلك التقارير يتم اتخاذُ القراراتِ بشأن نشر منظومات الدفاع الصاروخية في مناطقَ محددة أو بشأن نشر منظومات الدرع الصاروخية على المستوى العالمي للحمايةِ من الصواريخ العابرةِ للقارّات.

الصواريخ الدفاعية

كانت مشكلة نشر الصواريخ الأميركية التكتيكية في أوروبا إحدى العقبات الرئيسية في المباحثات، لكنها لم تكن العقبة الوحيدة، حيث رأت موسكو أن المعاهدة الجديدة يجب أن تشمل، ليس فقط الأسلحة الهجومية مثل المعاهدة الأولى، بل أيضا الأسلحة الإستراتيجية الدفاعية، بما في ذلك برامج الدرع الصاروخية الأميركية المضادة للصواريخ، والتي تنوي واشنطن المضي فيها ونشرها في أماكن متفرقة من العالم.

وبدا عند طرح هذا الشرط أن موسكو تضع العصا في الإطار، وأنها لا تريد توقيع هذه المعاهدة من الأساس، وأعلن رئيس مجلس النواب الروسي (بوريس غريزلوف) في اجتماع مع رئيسة مجلس النواب البلغاري (تسيتسكا تساتشيفا) أن مجلس النواب الروسي لن يصادق على «اتفاقية ستارت 2» إذا خلت من إشارة إلى الترابط بين الأسلحة الإستراتيجية الهجومية والأسلحة الدفاعية المضادة للصواريخ، مؤكدا قلق روسيا إزاء إمكان وضع الصواريخ الاعتراضية الأميركية في أراضي بلغاريا وغيرها من دول أوروبا مستقبلا.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن الاتفاقية المنتظرة لا يمكن أن تتجاهل مشكلة الدفاع المضاد للصواريخ. وردّت هيلاري كلينتون على نظيرها الروسي قائلة في مقابلة مع مجلة «ذي تايمز» إن واشنطن لا ترى مبررا لربط الدفاع المضاد للصواريخ بالاتفاقية الخاصة بالأسلحة الإستراتيجية الهجومية، بل «نرى أن السبيل الأفضل للسير إلى الأمام هو النظر إلى المسألتين بأنهما غير متصلتين مع بعضهما البعض»، هكذا بدا الخلاف واضحا بين الطرفين.

حيث لا ترى واشنطن مبررا للربط بين الأسلحة الهجومية والدفاعية، بينما يخشى الروس الذين يضعون شروطا على الولايات المتحدة من الآن أن يُقبل الأميركيون بعد المصادقة على الاتفاقية الخاصة بالأسلحة الصاروخية الهجومية على نشر صواريخهم المضادة للصواريخ في بولندا بالقرب من روسيا الأمر الذي سيوجب على روسيا التسلح بعدد أكبر من الصواريخ حتى تقدر على اجتياز الشبكة التي من الممكن أن يقيمها الأميركيون لحماية بلادهم من الصواريخ المهاجمة، لكنها حينئذ لن تستطيع زيادة أسلحتها الهجومية لأنها ستكون مقيدة وملتزمة بالمعاهدة.

إنذار من واشنطن

رغم هذه الخلافات المستمرة إلا أن المحادثات بين الرئيسين أوباما وميدفيديف كانت تخرج بتصاريح أكثر تفاؤلا لتؤكد أن الاتفاق بين الطرفين على وشك الإنجاز، وأن هناك بعض النقاط الفنية التي يجب إنجازها من قبل الخبراء الفنيين قبل إعداد المعاهدة للتوقيع النهائي من الرئيسين، ولكن هذه الأحاديث والتصريحات الرئاسية لم تستطيع الصمود أمام استمرار الخلافات التي باتت تهدد بالفعل توقيع المعاهدة.

وفي الحادي عشر من مارس المنصرم فاجأ الرئيس الروسي دميتري ميدفيديف نظيره الأميركي باراك أوباما حينما أخبره خلال اتصال هاتفي جرى بينهما بأنه غير مستعد لتوقيع اتفاقية جديدة تلزم روسيا والولايات المتحدة بخفض ترسانتيهما من الأسلحة الهجومية الإستراتيجية، وتبين للجميع أن المباحثات الروسية الأميركية المتعلقة بإعداد الاتفاقية «تباطأت» بسبب امتعاض موسكو من قرار واشنطن بوضع صواريخ اعتراضية في الجنوب الأوروبي دون موافقة روسيا. وبدا واضحا أن موسكو تلعب على عامل الزمن.

حيث كان الرئيس الأميركي أوباما يأمل أن ينتهي من إعداد الاتفاقية قريبا ليتم توقيعها قبل عقد قمة الأمن النووي في 12 أبريل في واشنطن. ونشرت بعض الصحف معلومات تقول ان واشنطن وجهت في 23 فبراير «إنذارا» لموسكو، إما أن توقع اتفاقية خفض الترسانة النووية قبل 9 مارس وإلا فإن أوباما سيرفع اسم روسيا من قائمة أولويات سياسته الخارجية، وكتبت صحف أخرى تقول ان «الكرملين لم يعد يؤمن بتفوق الولايات المتحدة العسكري».

حيث انه ردّ على الإنذار الأميركي بتجريب طائرة مقاتلة جديدة (ت - 50) وتبني خطة تسليح قوات الدفاع الجوي الروسية بالطراز المتفوق (س - 400) من الصواريخ الاعتراضية القادرة على تدمير الأقمار الصناعية والصواريخ ذات الرؤوس النووية وقت انطلاقها».

وووصلت مفاوضات تخفيض الأسلحة الصاروخية الهجومية مع الولايات المتحدة إلى طريق مسدود مرة أخرى، إذ طالبت موسكو بأن يأخذ الاتفاق الروسي الأميركي في الحسبان ما تملكه دولتان أخريان - انجلترا وفرنسا - من أسلحة نووية، معتقدة أن هاتين الدولتين ستشهران أسلحتهما في وجه روسيا وليس الولايات المتحدة في حال نشوب الحرب. وفضلا عن ذلك لا يرتئي المفاوضون الروس خفض الأسلحة الصاروخية الهجومية في حال وضع الأسلحة الأميركية المضادة في أراضي بلغاريا ورومانيا وبولندا وجمهورية التشيك بالقرب من روسيا.

إعلان الموعد والمكان

وحتى اللحظات الأخيرة كان الجدل قائما حول احتمالات توقيع هذه المعاهدة من عدمه، لدرجة أن وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أثناء زيارتها الأخيرة لموسكو في 18 مارس لم تستطع أن تحدد للصحافيين موعد ومكان توقيع الاتفاق الجديد بين البلدين، وبعد أسبوع واحد من مغادرة كلينتون موسكو أعلن الكريملين على لسان ناتاليا تيماكوفا، السكرتيرة الصحافية للرئيس الروسي، أن الولايات المتحدة وروسيا ستوقعان المعاهدة الجديدة حول تقليص الأسلحة الإستراتيجية الهجومية (ستارت - 2) في الثامن من أبريل المقبل في العاصمة التشيكية براغ.

وتبين حسب تصريحات الكريملين أنه تم الاتفاق نهائيا على موعد ومكان توقيع معاهدة «ستارت» الجديدة خلال مكالمة هاتفية دارت بين الرئيس الروسي دمتري ميدفيديف ونظيره الأميركي باراك أوباما بعد عودة كلينتون لواشنطن بيومين فقط، الأمر الذي جعل البعض يعتقد أن المعاهدة كانت متوقفة على شرط أخير أبلغه ميدفيديف لأوباما على لسان الوزيرة كلينتون.

ووافق عليه أوباما، وبناء عليه أعلن عن موعد توقيع المعاهدة ليكون بالفعل كما أراد أوباما قبل مؤتمر الأمن النووي في واشنطن في 12 أبريل، وبهذا يكون الرئيس ميدفيديف قد أهدى الرئيس أوباما الهدية التي كان ينتظرها منه منذ قراره بتخلي بلاده عن نشر الدرع الصاروخية في أراضي بولندا وتشيكيا.

هكذا انتهت الأزمة وأعلن نهائيا عن موعد ومكان توقيع معاهدة ستارت الجديدة، والتي يتساءل الكثيرون في العالم عن مدى جدواها الآن في زمن أصبح السلاح النووي فيه مكدسا بكميات كبيرة لدى العديد من الدول الأخرى، وباتت العديد من الدول الأخرى تسعى للحصول على هذا السلاح الذي يتوقع الكثير من المراقبين أن يستخدم في حروب قادمة في النصف الأول من القرن الجاري.

كاتب روسي

المعاهدة الجديدة:

حسب ما جاء في البيان الصادر عن المكتب الصحافي في الكرملين أن معاهدة «ستارت ـ 2» الجديدة ستسمح بتقليص الترسانات النووية بمقدار الثلث. وتثبت المعاهدة الجديدة الحد الأقصى للقوى النووية في كل من روسيا والولايات المتحدة وذلك على النحو التالي:

ـ 1550 شحنة نووية لكل من الجانبين مما يقل بمقدار الثلث عن الحد الأقصى لمعاهدة تقليص القدرات الاستراتيجية الهجومية الموقعة يوم 24 مايو عام 2002.

ـ 700 -صاروخ باليستي عابر للقارات وصاروخ باليستي منصوب في الغواصات الذرية والقاذفات الثقيلة مما يقل بمقدار الضعف عن مستوى معاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية.

ـ 800 -منصة منشورة وغير منشورة للصواريخ الباليستية العابرة للقارات ومنصوبة في الغواصات الذرية والقاذفات الثقيلة.

وتقضي المعاهدة الجديدة ان كلا من الجانبين يتمتعان بالحق في تحديد مكونات وتشكيلة قواتها الاستراتيجية الهجومية بشكل مستقل.

وتتضمن المعاهدة الأحكام الخاصة بتبادل المعطيات والإنذارات وإعادة التجهيز والتصفية والتفتيشات الميدانية وعمليات الفحص إلى جانب إجراءات تعزيز الثقة.

وتصبح آلية التفتيش والفحص ارخص وابسط بالمقارنة مع المعاهدة السابقة. ولدى ذلك فإن عملية التقليص تضمن الفاعلية والقابلية للتفتيش والشفافية.

تؤكد المعاهدة في صيغة ملزمة قانونيا الربط بين الأسلحة الاستراتيجية الهجومية والأسلحة الاستراتيجية الدفاعية والأهمية المتزايدة لهذا الترابط في عملية تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية.

وتنص المعاهدة على تأثير الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والصواريخ الباليستية المنصوبة في الغواصات الذرية وغير المزودة برؤوس نووية على الاستقرار الاستراتيجي.

وتقضي المعاهدة ان ترابط الأسلحة الاستراتيجية الهجومية يتم في أراضي البلدين فقط.

وقد تم استحداث هيئة تنفيذية وهي اللجنة الاستشارية الثنائية الرامية إلى المساهمة في تحقيق أهداف وأحكام المعاهدة الجديدة.

يعادل مفعول سريان المعاهدة 10 سنوات في حال عدم استبدالها باتفاقية جديدة خاصة بتقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية أو الحد منها.

د. ليونيد ألكسندروفتش