في 31 يوليو عام 1991 قبل أربعة أشهر من انهيار الاتحاد السوفييتي وقع الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف مع الرئيس الأميركي جورج بوش الأب معاهدة تقليص الأسلحة الهجومية الإستراتيجية «ستارت1» والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1994 بعد تصديق برلماني البلدين عليها، استمر العمل بالمعاهدة لمدة خمسة عشرة عاما حتى الخامس من ديسمبر عام 2009.

وألزمت المعاهدة كلا من روسيا والولايات المتحدة بتخفيض مخزونها من الأسلحة الإستراتيجية الهجومية إلى ما لا يزيد عن 6000 رأس نووي و1600 وسيلة لحمل الرؤوس النووية، وكانت بالفعل معاهدة تاريخية أنهت سباقا حادا بين البلدين لصناعة وتكديس الأسلحة النووية وجعلت احتمالات الحرب النووية أقل توقعا، خاصة وأن الطرفين التزما إلى حد كبير بتنفيذ التزاماتهما الواردة في المعاهدة وقاما، تحت رقابة مشتركة، بتقليص أسلحتهما المذكورة في المعاهدة للحد المطلوب.

عندما وصل الرئيس الأميركي باراك أوباما للحكم في البيت الأبيض في يناير 2009 كان يعلم جيدا أن معاهدة ستارت1 ستنتهي في نهاية العام، وأن عليه أن يعد مع إدارته لتوقيع معاهدة أخرى جديدة، حسبما ورد في ستارت1 بأن يعد الطرفان لمعاهدة جديدة قبل انتهاء مدة العمل بها، واعتقد الرئيس أوباما وإدارته أن الأمر سيكون سهلا مثلما كان سهلا للغاية مع الرئيس بوش الأب عام 1991.

حيث وجد ترحيبا كبيرا من الزعيم السوفييتي ميخائيل جورباتشوف لتوقيع المعاهدة، ولكن على ما يبدو أن الرئيس أوباما وأفراد إدارته لم يقرأوا التاريخ جيدا، فالدولة التي وقعت ستارت1 تختلف كليا شكلا وموضوعا عن الدولة التي يريد أوباما توقيع المعاهدة الجديدة معها، فقد وقعت موسكو ستارت1 وهي في أضعف أحوالها التاريخية.

حيث كان المعسكر الشيوعي الذي تتزعمه قد انهار تماما قبل توقيع المعاهدة، كما انهار جدار برلين، ولم يعد للاتحاد السوفييتي أي نفوذ دولي، بينما كانت عوامل الانهيار الداخلي تتصاعد حدتها والتي أسفرت عن انهيار الاتحاد السوفييتي وتفتته لخمس عشرة دولة مستقلة بعد توقيع المعاهدة بأربعة أشهر فقط، وكان بديهيا أن يأتي أول رئيس لروسيا المستقلة بوريس يلتسين، الذي كان يهرول بسياسته وبلاده لكسب رضاء الغرب وواشطن، ليصادق على هذه المعاهدة بلا تردد.

الآن تواجه توقيع المعاهدة الجديدة ظروف مختلفة تماما على كلا الجانبين، سواء في موسكو أو في واشنطن، حيث لم تعد روسيا الدولة الضعيفة المنهارة اقتصاديا وعسكريا كما كانت في عهد الرئيس الراحل يلتسين، بل عادت مع بداية الألفية الثالثة مع الرئيس السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين تستعيد مكانتها الدولية وقوتها العسكرية لتطمح للعودة لممارسة دورها كدولة عظمى، هذا في الوقت الذي لم تعد فيه أيضا الولايات المتحدة الأميركية بنفس القوة والهيمنة التي كانت عليها في زمن بوش الأب.

وذلك بعد المغامرات التي خاضها ابنه جورج بوش الابن على مدى ثماني سنوات أفقدت الدولة العظمى الكثير من هيبتها وقوتها ومكانتها الدولية، ثم جاءت الأزمة المالية العالمية لتنخر فيما تبقى لهذه الإمبراطورية التي باتت على وشك التراجع للخلف لتحل محلها قوى أخرى.

هذه التغييرات الجذرية بين ظروف توقيع معاهدة ستارت1 والظروف التي تواجهها المعاهدة الجدية فرضت صعوبات جمة على الجانب الأميركي بالتحديد لكي يستطيع الحصول على موافقة موسكو على توقيع المعاهدة الجديدة.