لم تشكّل زيارة نتنياهو إلى واشنطن أي انجاز لجهة استعادة الثقة وتحسين العلاقة مع الإدارة الأميركية، بل إنها، عكس ذلك، عمّقت الفجوة بين الطرفين، في مجمل القضايا الشرق أوسطية. والأهم أن لقاء نتنياهو مع الرئيس الأميركي دفع ثمنه باهظا، بتسلّمه رزمة مطالب (13 مطلبا)، تشمل التسهيل على السلطة الفلسطينية، بانسحاب إسرائيل من المناطق التي أعادت احتلالها في ربيع العام 2002، وتخفيف الحصار عن قطاع غزة، والإفراج عن مئات المعتقلين؛ على أن تكون هذه البوادر أحادية.
بمعنى تنفيذها دون تلقي أي بادرة حسن نية من الفلسطينيين. وتشمل باقي المطالب وقف الاستيطان في الضفة، والامتناع عن البناء في القدس الشرقية، ومناقشة القضايا الأساسية (وضمنها الحدود والقدس واللاجئين)، في المفاوضات، والتوصل إلى حل بشأنها في غضون عامين. وثمة تسريبات تفيد بأن اوباما حاول فرض تصوراته بالنسبة للموضوع الإيراني والفلسطيني على نتنياهو وانه طلب منه التوقيع على وثيقة أعدت مسبقا حول تصرفات إسرائيل حيال هذين الموضوعين.
ويبدو أن الإدارة الأميركية تتعامل من منطق القوة والحزم مع حكومة نتنياهو، فهذا اللقاء جاء بعد نجاحها بتمرير مشروع الضمان الصحي، وهي لا تشعر بأنها مضغوطة من قبل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، الذين ينتمي اغلبهم إلى التيار الليبرالي المؤيد لأوباما.
أيضا ثمة استطلاع للرأي أفاد بأن 58 في المئة من الجمهور الأميركي باتوا يرون إسرائيل «حليفة»، قياسا بـ 70 في المئة اعتقدوا ذلك قبل بضعة أشهر. (بن كسبيت معاريف 18/3) وبحسب تسفيا غرينفيلد (عضوة كنيست سابقا)، فإن «اوباما انتخب دون حاجة إلى دعم يهودي.. وله أجندة واضحة ومتحمس لتغيير أساسي لجميع مبادئ الإدارة السابقة..
ولّى عهد الضغوط اليهودية والانغليكانية في أميركا.. يجب أن يكون واضحا.. لنتنياهو، أن سياسته ستثير مقاومة شديدة في أميركا وتعرض للخطر إسرائيل ومستقبلها.. بيبي خطر على اليهود. («هآرتس» 23/3)
فوق ما تقدم ثمة إجماع غير مسبوق في الإدارة الأميركية، على المستوى السياسي، والعسكري أيضا، بشأن سياسات حكومة نتنياهو، المتمثلة بإعاقة عملية التسوية، والاستيطان وتهويد القدس الشرقية، تضرّ بمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبجهودها للجم الطموحات النووية لإيران، ما يضع الأمن القومي الأميركي في دائرة الخطر.
هكذا فإن الرئيس اوباما ونائب الرئيس بايدن، ومستشار الأمن القومي جيمس جونز، ووزير الدفاع روبرت غيتس، ورئيس أركان القوات المشتركة الأميرال مايك مولن، وقائد القيادة الأميركية الوسطى الجنرال ديفيد بتراوس، باتوا يقرون بأن عملية التسوية مع الفلسطينيين بوابة لابد منها لتحسين مكانة أميركا في الشرق الأوسط، وتحجيم إيران، وجلب الأمن والاستقرار للمنطقة، ولإسرائيل ذاتها.
وفي هذا السياق كشفت إذاعة الجيش الإسرائيلي (25/3) عن تخوّف الوفد الإسرائيلي في واشنطن من إقدام الإدارة الأميركية على التصعيد ضد إسرائيل بمجالات التكنولوجيا والمساعدات والرقابة على المعلومات، حيث ألمح مستشار الأمن القومي جيمس جونز إلى ذلك. ويعتقد شمعون شيفر أن«إسرائيل تخشى أن تبحث الإدارة الأميركية بالسلاح النووي الإسرائيلي، خلال المؤتمر الذي يعتزم الرئيس الأميركي عقده بعد أسابيع للحد من انتشار السلاح النووي، خلافاً لاتفاقات سابقة بعدم بحثه علنا». («يديعوت احرونوت»، 325)
المهم أن ثمة ما يفيد بأن «الاميركيين مصممون: في هذه الولاية للرئيس اوباما سيكون اختراق سياسي». (مايا بنغل «معاريف»، 325)؛ فهل يحدث ذلك حقا؟
إضاءة
تعرض نتنياهو إبان لقائه اوباما «لإهانات»، ضمنها عدم التقاط صور وعدم الإدلاء بتصريحات مشتركة، وبقطع اوباما اللقاء لتناول العشاء مع عائلته. وفسّر شمعون شيفر هذا الجفاء، بأن أوباما «لا يصدق نتنياهو في شيء.. بين نتنياهو واوباما يسود انعدام ثقة عميق». («يديعوت احرونوت»، 325).
ونقلت «معاريف» (25/3) عن موظف أميركي كبير قوله أن «اوباما سئم لعبة كسب الوقت، التي ينتهجها نتنياهو، وصبره نفد». وبرأي اولي ازولاي، فإن «اوباما.. لا يطلب شيئا لم تطلبه إدارات أميركية قبله..
ما تغير هو أن اوباما أبطل الغمز. لم يعد غمز بين رئيس أميركي ورئيس حكومة إسرائيلي على البناء في المناطق.. قصد اوباما كل ماقاله، لكنهم في جهة نتنياهو ظلوا يغمزون.» «يديعوت أحرونوت»، 319) وبحسب بن كسبيت ثمة «ألف سبب لاوباما لينقض على نتنياهو.. لإهانته.. استقبلوه كاستقبال رئيس غينيا الذي يدخل ويخرج في السر.. بلغ نتنياهو لحظة الحقيقة.. إسرائيل كلها وصلت مفترق الطرق الذي تحاول الهرب منه منذ 40 عاماً..
الولايات المتحدة تخلت عنا وغدت مثل أوروبا.. الآن نحن وحدنا تماماً. العالم بأسره يدعم قيام دولة فلسطينية على مساحة أراضي 1967. اوباما يريد معرفة أين نتنياهو من كل هذا.. يريد جواباً خطياً واضحاً لا شفهياً أو بالغمز أو بنعم ولكن.. على نتنياهو أن يحسم أمره بين يشاي وليبرمان (شريكيه المتطرفين) وبين سائر العالم..
انتهى الرقص في كل الأعراس. انتهت ثقافة الكذب.. نريد أن نعرف من هو بيبي (نتنياهو).. وأين يقف وماذا يريد فعلاً.. المشكلة أن نتنياهو لا يعرف بعد ماذا يريد». («معاريف»، 325)
