شكّل مؤتمر «ايباك»، الذي عقد مؤخرا في واشنطن، مناسبة لعرض وجهتي النظر الأميركية والإسرائيلية، بما يتعلق بمجمل القضايا الشرق أوسطية، ولاسيما منها قضيتي التسوية مع الفلسطينيين، وكيفية تحجيم الطموحات النووية لإيران.
وتعتبر «ايباك»، من اقوى منظمات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وقد عقدت مؤتمرها، بحضور حوالي 7000 عضو ونحو 300 من أعضاء الكونغرس الأمريكي، في ظل تصاعد الخلافات بين إدارة اوباما، وحكومة نتنياهو، خصوصا بعد الإعلان عن مخططات جديدة للاستيطان في القدس الشرقية، بينما كان نائب الرئيس الأميركي يقوم بزيارة إسرائيل، لحث مفاوضات التسوية مع الفلسطينيين.
وفي هذا المؤتمر ألقت وزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، خطابا وضّحت فيه ما هو مطلوب من إسرائيل، للتسهيل على السياسة الأمريكية، ولخدمة امن إسرائيل. وكانت كلينتون وبّخت نتنياهو، في محادثة تليفونية، على ما حدث خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي لإسرائيل، وتقدمت إليه برزمة مطالب ضمنها تجميد الاستيطان وتسهيل حياة الفلسطينيين، وبحث القضايا الأساسية في المفاوضات معهم.
الرسالة التي أرادت كلينتون نقلها بوضوح وحزم، عبر هذا المؤتمر، للنخب اليهودية في الولايات المتحدة ولحكومة نتنياهو ولشعب إسرائيل، تتمثل في الآتي:
ــ مواصلة إدارة اوباما التزامها أمن إسرائيل، مع تأكيدها بأن «من مسؤوليتنا»أن نمتدح حين يكون هذا مستحقا وان نقول الحقيقة حين تكون ضرورية».
ــ إن تسوية الصراع مع الفلسطينيين غدت ضمن المصلحة القومية للولايات المتحدة، فبحسب كلينتون فإن «عدم التوصل إلى حل يقوم على مبدأ «دولتين لشعبين» يضر بالمصالح الأميركية»، وبمصالح إسرائيل، أيضا. وبديهي أن قيام إسرائيل بعكس ذلك يصعب على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، من لبنان إلى العراق إلى إيران، ويضع إسرائيل ذاتها بدائرة مخاطر وجودية.
ــ ثمة ارتباط بين التسوية في فلسطين ومواجهة المشروع النووي الإيراني، ما يتطلب التسهيل على جهود الولايات المتحدة لمواجهة هذا الملف، عبر حث عملية التسوية، الأمر الذي ينبغي على إسرائيل أن تعمل على هديه لا ضده. وفي مقاربة مع مواقف إسرائيل وكتطمين لها أكدت كلينتون بأن الولايات المتحدة مصممة على «منع إيران من الحصول على سلاح نووي.» وأشارت إلى عقوبات «لاسعة» ستتخذ».
ــ ثمة متغيرات وتحولات ينبغي على إسرائيل أخذها في الاعتبار. وبهذا الخصوص فقد تحدثت كلينتون عن «الخطر الديموغرافي «الناجم عن الاحتلال الإسرائيلي» والذي يهدد «على المدى البعيد مستقبل إسرائيل كدولة محمية يهودية وديمقراطية». وإزاء ذلك فإن كلينتون ترى بأن « حل الدولتين هو المسار الوحيد القابل للحياة للحفاظ على إسرائيل كدولة ديمقراطية ويهودية». أما الخطر الثاني برأي كلينتون فهو الخطر التكنولوجي، حيث الصواريخ التي يستخدمها المقاتلون في غزة وجنوب لبنان تهدد العديد من البلدات الإسرائيلية.
بالمقابل ألقى بنيامين نتنياهو كلمة مغايرة تماما لخطاب كلينتون، حاول فيها حشد اللوبي اليهودي خلفه، في معركته مع إدارة أوباما، التي باتت إسرائيل تفتقد للحميمية معها. وفي هذه الكلمة أصر نتنياهو على المواقف التالية:
ــ مواصلة الاستيطان في القدس، وهي موضوع الخلاف مع الإدارة الأمريكية، بتأكيده بأن «العلاقة بين الشعب اليهودي والقدس غير قابلة للنفي»..وأن «القدس ليست مستوطنة، وإنما هي عاصمة إسرائيل ».
ــ التحفظ على الدور الأميركي في التسوية حيث «لا يمكن فرض السلام من الخارج»، وأن «الإدارة الأميركية يمكنها أن تساعد في المحادثات بين إسرائيل والسلطة»، فقط.
ــ الرد على مطالبة إسرائيل بالانصياع لسياسات الولايات المتحدة، بدعوى أن إسرائيل مدينة لها، بالتشديد على أنه «في الماضي ساعدت إسرائيل الولايات المتحدة على مكافحة الانتشار السوفييتي واليوم إسرائيل تساعد أميركا على وقف موجة الإسلام الكفاحي.» وقال نتنياهو: «جنودنا وجنودكم يقاتلون ضد أعداء متطرفين يمقتون قيمنا المشتركة.»
ــ في نوع من العنجهية وتزوير الحقائق قلب نتنياهو الأمور إذ أحال العداء لإسرائيل في المنطقة بالعداء للغرب، وبأن إسرائيل إنما تدافع عن المصالح الغربية في الشرق الأوسط. وعند نتنياهو فإن «كراهية الإسلام المتطرف للغرب لا تنبع من أعمال إسرائيل بل انه يكره إسرائيل بسبب الغرب..الإسلام المتطرف يرى إسرائيل كموقع متقدم للحرية..أن تقاتل إسرائيل أعداءها فإنها تقاتل أعداء أمريكا.»
ــ التحريض على إيران. وفي هذا الصدد قال نتنياهو: «إسرائيل تتوقع من الأسرة الدولية العمل بتصميم وثبات لإحباط خطر السلاح النووي في يد إيران، ولكن إسرائيل ستبقي لنفسها دوما حق الدفاع عن النفس.. إذا ما حققت إيران سلاحا نوويا فسيؤدي الأمر إلى إنهاء «عصر السلام النووي الذي تمتع به العالم في الـ 65 سنة الأخيرة. إيران من شأنها أن توفر السلاح النووي لمنظمات الإرهاب بل ويحتمل أن تغرى لاستخدامه بنفسها». («هآرتس»، 323)
إضاءة
يوضح يورام بيري (رئيس معهد البحوث الإسرائيلية في جامعة ميريلاند)، التغير في الموقف الأميركي بالتالي: «اوباما وفريقه يولون أهمية عليا لإقامة دولة فلسطينية. في نظرهم هذا مدماك تأسيسي، ضروري لمعالجة سلسلة من المسائل الحرجة في المجال الذي بين أفغانستان وتركيا. هم لن يتنازلوا بسهولة..التفسير وكأن إدارة اوباما ستسحب يدها من الشرق الأوسط مغلوط. العكس هو المتوقع، استبدال خطوة وتسريع المسيرة..
وهذا سيستدعي مبادرات أخرى، اقل راحة بكثير لإسرائيل. لذلك مؤشرات في السنة التي مرت، مثل المبادرة الأوروبية للاعتراف بشرق القدس عاصمة للفلسطينيين، تأييد خطة فياض التي تستهدف إقامة دولة فلسطينية بعد سنتين، حل دولي مفروض، وتوجد أيضا مبادرات أخرى.» («يديعوت احرونوت»، 228)
ماجد كيالي
