يقضي نحات من ولاية تيبازا الجزائرية وقتا طويلا في اليوم أمام أغصان وجذوع أشجار ميتة يطوعها ويحولها إلى تحف رائعة تزين المعابر السياحية للمدينة الرومانية القديمة. يبدأ جلول الساحلي عمله باكرا ويحمل معه قهوته إلى الغابة، بحثا عن شجرة ميتة يمكن أن يعيد لها الروح وتصبح مجددا عملا فنيا رائعا.

وقد نحت حتى الآن عددا كبيرا من الأشجار على شكل زخارف وتماثيل افريقية قديمة أو صومعة أو مجسما ما، تبدو وكأنها نبتت من الارض على ذلك الشكل. يقول جلول «أعيد الحياة لهذه الأغصان الميتة وأطيل عمرها... هي حية حين يهتم بها الناس وفي تحويلها صار الناس يهتمون بها وان كانت الحياة الطبيعية فارقتها منذ زمن». وقال ل«البيان» أنه بدأ صدفة حين خطرت له فكرة وهو أمام شجرة ميتة فأخذ ينبش فيها بفأسه الصغيرة وصنع رأس تمثال افريقي، وعاد اليها في اليوم الموالي وأكمل بعض أجزائها وتحولت في ثلاثة أيام إلى تمثال رائع. وقال «التف الناس حولي لمعرفة ما اصنع، وانتشر الخبر في المكان فصارت تلك الشجرة مقصدا للجميع، ومنها شعرت بأهمية الانجاز وقررت المواصلة، فكان الشغل ممتعا لأنه أعجب الناس وفي النهاية يخرج بتحفة مقنعة».

وطرحت على فنان تيبازا السؤال التقليدي «ما شعورك وأنت تنجز تلك التحف؟، فرد مبتسما» الناس يتبعون خطواتي ويعتبرون ما اقوم به استثنائيا بل ومنهم من يصفني بالعبقري لأنني أنا الوحيد الذي أقوم بهذا العمل هنا لكنني أعتقد أن هذا المجال مفتوح لأي نحات وليس هناك لا عبقرية ولا وضع استثنائي أنا مجرد مهتم بالجمال وأجسد ذلك بالطريقة التي أرى ويمكن لغيري أن ينحت الأشجار أو الصخور وحتى الجدران فيعم الجمال... حين أشتغل لا أفكر في شيء آخر غير تلك الخشبة العصية وكيف أطوعها وأحولها إلى ما اريد... حينها أكون في درجة عالية من التركيز وأحيانا لا اشعر بمن حولي». يقف جلول الساحلي أحيانا مدة طويلة أمام شجرة ميتة قبل أن يقرر الشكل الذي ستصبح عليه، ويوظف جل وقته الخارج عن الاهتمام بالعائلة لتجسيد روائعه.

وينحدر الفنان من عائلة ريفية تهوى النجارة اليدوية البسيطة، وقال انه ورث تلك الفأس الصغيرة التي يعمل بها اليوم من والده والأخير ورثها عن جده. فقد كان والده يهوى صناعة الأواني والأدوات الخشبية مثل الملاعق والصحون مختلفة الأشكال، وهي الأواني والأدوات التي يستخدمها الجزائريون قديما ومنهم من يستخدمها حتى اليوم خاصة المسنين. وكانت أسوأ ذكرى لجلول الساحلي حين قصد الغابة لانجاز تحفة جديدة فوجد إحدى الأشجار التي نحتها قبل أيام قد تعرضت لحرق من مجهولين. وقال بهذا الخصوص «لقد تأسفت كثيرا لأن نار جاهل أتت على التحفة وغيرت ملامحها، وكدت أوقف شغلي حتى أن بعض الصحف نقلت معاناتي وتوقعت بأنني لن أعود ثانية للعمل، ولقد انهالت علي المكالمات واتصل بي الكثيرون ومن بينهم فنانون ومسؤولون وعامة الناس للاستمرار». ولما عاد إلى ميدانه هللت الصحافة وبشرت بمنحوتات أجود، وتوافد عليه المئات من الأنصار والمشجعين. وقدمت جمعيات وحتى بعض الافارد من العامة مساعدات مالية للفنان حتى لا يكون تجسيد هوايته عبئا ثقيلا عليه، وهو اليوم يواصل تزيين غابات تيبازا المدينة السياحية الشهيرة في الجزائر بتحف نادرة وصار السكان يقولون من قصد تيبازا ولم يزر «متحف الساحلي» المفتوح، كأنه ما قصد.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي