المشاركة في صنع القرار محكومة بقاعدة «لا غالب ولا مغلوب»

اللبنانية.. حقوق ضائعة في الدهاليز الطائفيّة والسياسيّة

صورة

في الآونة الأخيرة، ارتفع على جوانب بعض طرقات لبنان إعلان يشير إلى «حقّ» المرأة باقتناء قطعة من المجوهرات.. وهو «حقّ» رفعه الإعلان نفسه عبر شاشات التلفزة، بكل ثقة، وبعيداً عن فنون الدعاية والتسويق، يبدو الإعلان مضحكاً إذا ما تمّت مقارنته بالحقوق التي تطالب بها بعض الجمعيات المناصِرة للمرأة، أو حتى بالتحفّظات التي أبداها لبنان لدى توقيعه على «اتفاقيّة القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة» (السيداو)، عام 1996، أي بعد مرور 17 سنة على إقرارها في الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ أسقط من عنوانها كلمة «كل»، الأمر الذي أبقى قبضة الطوائف مُحكمة على قوانين الأحوال الشخصية ذات المواد المجحِفة بحق المرأة، وجعل أهل السياسة عاجزين عن إحداث أي تغيير، لأسباب طائفيّة في معظم الأحيان، لاسيما وأن الطوائف تحكم مناصبهم، بدءاً من الترشيح ومروراً بالتعيين والتكليف ووصولاً إلى الانتخاب.

ويتصدّر قائمة حقوق المرأة اللبنانية حقّها في منح جنسيتها إلى زوجها وأولادها الأجانب، وهو حقّ لا يزال رهن السجالات السياسية ـ المدنيّة المفتوحة على سلسلة من الاقتراحات إلى أجل غير مسمّى، رغم أن «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان»، والذي تتضمّنه مقدّمة الدستور اللبناني، يكفل للمرأة هذا الحق، بيد أن أي تقدّم ملموس لم يسجّل في هذا المجال، حتى أن مشروع تعديل قانون الجنسية لم يسلك طريقه بعد لا إلى مجلس الوزراء ولا إلى المجلس النيابي. وإذا كانت السجالات التي تدور على وقع إعطاء الجنسية، أو ما يوازيها، لا تصطدم بالحواجز الطائفية فحسب بل أيضاً بعوائق سياسية أبرزها «ذريعة» التوطين، تؤكّد رولا المصري، منسّقة حملة «جنسيتي حق لي ولأسرتي» ل«البيان» أن «الحملة مستمرة في النضال وحشد الجهود إلى حين تعديل قانون الجنسية، لأن حقّ المرأة بإعطاء الجنسية هو من صلب حقوق المواطنة».

وريثما يصدر قانون عادل للجنسيّة يلغي مفاعيل «حقّ مهدور» في لبنان منذ عام 1925، و«الإفراج» عن اقتراح قانون مقدّم من النائبين السابقين بهيج طبّارة وبيار دكّاش إلى رئاسة مجلس النواب، يقضي بتعديل الفقرة الأولى من المادة الأولى من قانون الجنسية اللبنانية، بحيث تصبح: «يعدّ لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني أو من أم لبنانية»، بما يضمن الاعتراف للمرأة اللبنانية بمواطنتها الكاملة غير المنقوصة، فإن هذا «القانون العادل» كان ولا يزال يشكّل محور «أمنيات» نحو 18 ألف لبنانيّة، متزوّجات من أجانب، واللواتي ما مللن قطّ من المطالبة بحقّهن، عبر التظاهر أمام السراي الحكومية لسنوات طوال، وهنّ يرفعن اللافتات، ك«دماؤنا في عروق أبنائنا.. فلماذا جنسيّتنا مختلفة؟»، ويحملن في جعبهنّ قصص حياة لم تنته فصولها البائسة.. قصص يجمع بينها الخوف والفقر والترحيل من البلاد التي اختاروها وطناً.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن «شبكة حقوق الأسرة» نجحت، وبعد جهد سنوات، ضمن حملة 13/15 التي تهدف إلى توحيد سنّ الحضانة عند الطوائف كلها، وجعله 13 سنة للذكور و15 للإناث، بتعديله لدى الطائفتين الإنجيلية والروم الأرثوذكس فحسب، فضلاً عن تحويل مشروع القانون المعدّل للطائفة السنية إلى لجنة الإدارة والعدل في انتظار إقراره في مجلس النواب.

واستكمال الشبكة النضال من أجل تعديله في جميع الطوائف دون استثناء.. أما الحصيلة في هذا المجال، فنساء يُختطف أولادهن بعد حصولهن على أحكام من بلدانهن تقرّ الحضانة لهن، وأخريات ينتظرن بفارغ الصبر رفع سنّ الحضانة لربح وقت إضافي مع فلذات أكبادهن قبل خسارتهم.. ويبقى الرهان على جهد بعض الجمعيات النسائية لتغيير الواقع لمصلحة الأم والأولاد.

إنجازات وإخفاقات

احتفل لبنان بمناسبة يوم المرأة العالمي، في 8 مارس الماضي، مستنداً إلى حراك ملحوظ في عام 2009، نجحت خلاله الحركة النسوية من تسجيل عدد من الإنجازات، لعل أبرزها «مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري»، الذي صاغته منظمة «كفى» وأحيل إلى مجلس الوزراء لوضعه على جدول أعمال المجلس تمهيداً لإقراره.

«لم نغيّر شيئاً... ما تقهريني».. هكذا يبدأ الحديث مع جمانة مرعي، وتقول هذه العبارة تعليقاً على توضيح لمضمون المقابلة التي ستتناول عملها في الحركة النسوية في لبنان، ولا تعود إليها إلا في نهاية الحديث، محاولة تبرير سبب عدم القدرة على التغيير في أوضاع المرأة «ليست الحركات النسوية فحسب من يتحمل المسؤولية، بل النظام السياسي الطائفي في البلد الذي منع التغيير على أكثر من مستوى».

مرعي هي منسقة عامة لمنتدى النساء العربيات، ومنسّقة أنشطة المعهد العربي لحقوق الإنسان في لبنان.. توضح فكرتها بجمل مدروسة تجعلها أقرب إلى محاضرة عامة من حديث عن شأن خاص: «إنه الجو العام الذي تسيطر فيه نظرة دونية، شئنا أو أبينا، إلى النساء»، لافتة إلى أن عملها مع النساء جعلها تكتشف أمراً بالغ الأهمية، إذ «كثيرات من النساء لا يعرفن أنهن معنّفات.. كنا نواجه مشكلتين رئيسيتين خلال لقاءاتنا معهنّ: كيف نجعلهنّ يعرفن أنهن يتعرّضن للتعنيف، وكيف يفصحن عن هذا العنف».

برأيها، النساء «أثبتن أنفسهن وتفوّقن في العديد من المجالات، لكن كلّ مجال فرضت فيه المرأة نفسها كان نتيجة جهود جبّارة، لأن كلّ شيء حولنا هو بعكسنا وبعكس طموحنا.. المرأة تتفوّق، صحيح، لكنها تبذل جهداً وطاقة لتثبت جدارتها، فيما تكون الأمور تحصيلاً حاصلاً للرجل الذي لا يخوض معركة إثبات نفسه يومياً».

هذه المعركة اليوميّة سببها التمييز الذي يرتبط بنظرة المجتمع وبالقانون أيضاً: «المرأة اللبنانية مظلومة بقوانين الأحوال الشخصية، سواء في الزواج والطلاق، وحتى الإرث.. قانون الجنسية يميّز ضدّها، وقانون العمل لا يساوي في التقديمات الإجتماعية..

وكذلك الأمر بالنسبة إلى جرائم الشرف، الاغتصاب والزنا.. ومن البديهي الإشارة إلى أن القوانين لا تشجع المرأة على المشاركة السياسية، علماً بأننا حاولنا كثيراً إقرار الكوتا، وأطلقنا حملة وطنية لإصلاح قانون الإنتخاب الطائفي الذي لا يتيح لنا الوصول».

مؤكدة أهمية وصول نساء إلى المجلس النيابي «بالتأكيد سنحدث فرقاً إذا كانت النساء يحملن قضايا المرأة.. عندها، ستكون الأنانيات والمحسوبيات أقل، وإمكانات فضّ النزاعات موجودة أكثر، وهذا ما تؤكده العديد من الدراسات عن دور النساء في الحقل العام».

أليست بخير

«المرأة اللبنانيّة ليست بخير، وليست أفضل حالاً من أختها العربية عموماً»، هذا ما توضحه، بدورها، الباحثة اللبنانية فهمية شرف الدين، وتلفت ل«البيان» إلى أن نسبة 87 % من اللبنانيات يتعرّضن للعنف الكلامي، و3,68% يتعرّضن للعنف الجسدي، بدءاً من الضرب وانتهاءً بالخنق والحرق، و90% يتعرّضن للعنف النفسي، داعية إلى «وضع خطّة وطنية للنهوض بالمرأة في لبنان، وتتمثل في ثلاثة مستويات: تنزيه القوانين عن التمييز ضد النساء، بناء ثقافة المساواة، وتمكين النساء وبناء قدراتهن الذاتية».

وإذ تطرح شرف الدين تساؤلاتها عن علاقة العنف بالدين والمجتمع، فهي ترى أنّ الثقافة السائدة في لبنان وقوانين الأحوال الشخصيّة «تخضع للمرجعيّات الدينيّة المختلفة، بمعنى الخضوع لرموزها، ما يضفي قدسيّة تُعلي من شأن الأدوار الاجتماعية، حتى يغدو الاقتراب منها انتهاكاً لمحرم يستند المجتمع إليه لتحقيق توازنه وضمان استقراره، حتى وإن لم يكن ذلك الاستقرار قائماً على فكرة العدالة»، ف«قد يكون شعار: فتّش عن المرأة، هو المناسب لهذا العصر، لكن ليس لوضعها موضع الاتهام، بل للاعتراف بها ضحية، ومن ثم البحث عن سبل نجاتها».

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن منظمة «كفى» نجحت بتحويل قضية العنف ضد المرأة قضية وطنية شاملة، في ظل استمرار وقوع عدد كبير من النساء ضحيةً للعنف الأسري والاغتصاب الزوجي غير المصنّف كجريمة.. ولكن، الاستحقاق الأبرز يتمثل في «القدرة على جعل العنف الأسري، سواء أكان جسدياً أم جنسياً أم نفسياً أم اقتصادياً، جرماً يعاقب عليه القانون»، وفق رأي شرف الدين..

وقد أثمرت مساعي بعض الحركات النسويّة إنجازاً يتمثل بالسماح للمرأة اللبنانية بفتح حساب مصرفي لأولادها القصّر، وإن كان هذا إنجازاً «طبقيّاً» إلى حد ما، تستفيد منه النساء الميسورات مادياً، ومُرِّر لعدم مسّه بالعباءة الطائفية للأطراف السياسية كلها.

صعود النائبات

إلى ذلك، لا يخفى خجل اللبنانيات المهتمات بالشأن العام بالسيّدات المشاركات في الحياة البرلمانية في لبنان، وخصوصاً أن موضوع القرابة العائلية يبقى السبب الأساسي في احتلال السيدات مقاعد في البرلمان.. ومن المؤكد أنه حين نرى صورة للمجلس النيابي تبدو كأنها «بوست كارد» عن الديموقراطية، صورة تودّ الحكومات اللبنانية إرسالها إلى العالم الباحث عن الكوتا، وكأنها الدليل على وجود الحرية والتقدّم للنساء.

ورغم أن موضوع الكوتا النسائية يبقى أمراً شديد التداول بين النساء، نجح النظام في خداع المواطنات، من خلال تأكيد واقع المشاركة السياسية للنساء في الحكم، وفي إمرار رسالة خفيّة تفيد بضرورة الخضوع والتشرّب التام للقيم العائلية والسياسات الطائفية.. أما النساء الراغبات في احتلال مقعد نيابي، فتفيد الرسالة في البحث عن أقرب نائب أو وزير عازب والارتباط به، على أمل موته في القريب العاجل أو الانتظار إلى موت وريث العائلة الأخير واحتلال موقعه.

وكانت نتائج الانتخابات النيابيّة الأخيرة التي جرت في لبنان، في 7 يونيو 2009، تمخّضت عن فوز 4 نساء في الندوة البرلمانية: بهية الحريري، ستريدا طوق جعجع، نايلة جبران تويني وجيلبرت زوين.

وإذا كان فوز تويني (24 عاماً) قد جاء، كما يفسّر البعض، بفعل «احترام حرمة الموت» التي تعتبر أن المقعد النيابي جزء من التركة أو جائزة ل«جبر الخاطر» عن حادث جلل أدّى إلى استشهاد والدها الصحافي والنائب السابق جبران تويني، فإنه تعدّى إضافة رقم في السجّل النيابي، بما جعل عدد النساء اللواتي زيّن قبّة البرلمان طوال 83 عاماً من عمره 10 بدلاً من 9، ليصبّ في خانة «خطّ الاستقلال والانتفاضة وثورة الأرز»، وفق قولها ل«البيان»، مشيرة إلى أنها لا تؤمن ب«توريث السياسة»، لكن الانتخابات «جاءت مصيريّة، دفاعاً عن لبنان العظيم».

والحريري التي لا تزال في النيابة منذ عام 1992 ترتبط بقرابة من الدرجة الأولى للرئيس الأسبق للحكومة الشهيد رفيق الحريري.. أما زوين، وإن كانت تنتسب ل«بيت زويني» له تاريخه السياسي، إلا انها لم تجرّب حظّها في الترشّح خارج لائحة قوية.

وحدها ستريدا جعجع، فقد شكلّت ما يمكن اعتباره استثناءً.. هي قد تكون في تجربتها النيابيّة أقرب إلى تجربة زوين.. فإذا كانت هذه الأخيرة ابنة النائب موريس الذي كان من الوجوه النيابية التاريخية، فإن جعجع عوّضت عن تأثير الحسب والنسب بتفعيل العطف الذي قدّمه لها الزوج قائد «القوات اللبنانية» سمير جعجع، عندما سُجِن لأكثر من عشر سنوات، وجعلت منه حالة، أخذها طابخو اللوائح وقيادات روحية بالاعتبار، فكانت على لائحة جعلت التوازنات وتقسيمات الدوائر صعبة الاختراق.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن دخول المرأة اللبنانية إلى الندوة البرلمانيّة لم يعد حدثاً بحدّ ذاته، وإن كانت مشاركتها تكون دوماً «خجولة»، قياساً مع العدد المحدّد لمقاعد مجلس النوّاب الـ 128.

وفي جردة حساب سريعة، لا بدّ من التذكير بأن سبعين سنة مرّت قبل أن تزيّن المرأة مجلس النواب بوجودها، وبأن ثلاثين سنة انقضت قبل أن ينتهي مشوار إضافة أسمائهن للوائح الشطب.. أما عملية سلب المرأة حقّها في أن تكون ناخبة ومنتخَبة طوال تلك السنين، فجاءت بسطو على القانون تَشارك فيه قارئو الدستور والمؤتمَنون على تطبيقه، لأن النص كان واضحاً لجهة التأكيد على «أن اللبنانيين سواء أمام القانون.

ويتمتّعون بالسواء بالحقوق المدنية والسياسية» وأن «لكل لبناني بلغ الحادية والعشرين من العمر أن يكون ناخباً». أما استرجاع المرأة حقّها الدستوري في الانتخاب، عشية انتخابات 1953، لم يكن بجهد كاف منها، إنما جاء في إطار الترويج لعهد رئاسي جديد، بدليل أن المرسوم الاشتراكي الذي منح هذا الحق اشترط لممارسته أن تكون المرأة قد نالت الشهادة الابتدائية على الأقل، تلك الشهادة التي لم تكن متاحة إلا للخاصة جداً..

وإذا كان هذا الشرط قد ألغِيَ بمرسوم لاحق، فلم يكن ذلك بضغط «نسوي»، بقدر ما كان نتيجة لإدراك أن حمَلَة الشهادة الابتدائية يتمركزن في بيئة اجتماعية وسياسيّة محدّدة.

.. «حقل» المطالبة و«بيدر» التأليف

وضمّت تشكيلة الحكومة الـ 89 في تاريخ لبنان، والثانية في عهد رئيسه الثامن عشر ميشال سليمان، اسمَي سيدتين: ريا الحفار الحسن (وزيرة المالية) ومنى عفيش (وزيرة دولة).. وبمعزل عن كون الأولى كانت من حصّة رئيس الحكومة سعد الحريري، وعن كون الثانية من حصّة رئيس الجمهورية، فإنهما تشاركان في حكومة ولِدت ولادة عسيرة من رحم الخلافات، مكرّسة للمرة الألف قاعدة السلطة والحكم في لبنان، والتي هي قاعدة ذهبية تاريخية يستعيدها اللبنانيون في المحن والأزمات: «لا غالب ولا مغلوب».

هي القاعدة نفسها أتاحت لكل منهما أن تنعم بلقب «معالي الوزيرة»، في بلد لم يتِح للمرأة اللبنانية أن تتسلّم فيه حقيبة وزارية إلا بدءاً من العام 2004، أي بعد 40 عاماً على دخولها الندوة البرلمانية (عام 1963، عندما خلفت ميرنا المرّ والدها في النيابة).

وذلك بتعيين وفاء الضيقة حمزة وزيرة دولة لشؤون مجلس النواب إلى جانب ليلى الصلح حمادة وزيرة الصناعة في حكومة الرئيس عمر كرامي، علماً أنه امتاز بكونه أول بلد عربي أعطى المرأة الحق في التصويت، وتحديداً في العام 1953، عدا عن كونه صادق في العام 1995 في «مؤتمر بيجينغ» على مبدأ الكوتا النسائيّة التي تبيح للمرأة تبوّؤ عدد معين من المقاعد النيابية والحكومية.

بيروت- وفاء عواد

طباعة Email
تعليقات

تعليقات