لا أحد يعرف من أين يمكن أن تنفجر نزاعات المستقبل وحروبه. لكن هذا لا يمنع وجود مجموعة من البؤر والملفات التي قد تنطلق منها أو بسببها الشرارات، التي تشعل الحريق الكبير.
ويحدد المؤلف منطقة الشرق الأوسط الكبير، الممتدة من المغرب العربي حتى باكستان، كأحد أكثر البؤر توتراً في العالم، حيث يمكنها أن تلعب الدور الذي لعبته منطقة البلقان في أوروبا، قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وتكتسب هذه المنطقة أهمية استراتيجية كبيرة بفضل ثرواتها من نفط وغاز، وبالتالي يمكن أن تكون موضوع نزاعات حقيقية بين القوى الكبرى. ويزيد من هشاشة هذه المنطقة أنها لا تمتلك أي تحالفات حقيقية، حيث إن التحالف الوحيد وغير المشروط هو بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية. وهناك مناطق أخرى «بعيدة» و«محيطية» لها أيضاً أهمية استراتيجية لبعض القوى، مثل القوقاز بالنسبة لروسيا وحوض الكاريبي وأوروبا الوسطى بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، وهي مرشحة لزيادة أهميتها، إذا كانت تدخل في المجال الأمني للقوى الكبرى.
وتبقى أسلحة الدمار الشامل ذات أهمية قصوى في تحديد مستقبل العالم، سلاماً أو حرباً. هذا دون نسيان الاقتصاد، حيث تذكر الأزمة الراهنة بأزمة ثلاثينات القرن الماضي وما تلاها من كوارث. هناك عدة مناطق في العالم يمكن أن تنفجر فيها نزاعات المستقبل. ويذكر المؤلف في مقدمة هذه المناطق «الشرق الأوسط الكبير»، أي المنطقة الممتدة من المغرب إلى باكستان. وكذلك ترتسم رهانات المستقبل في مناطق يصفها المؤلف أنها «محيطية» مثل القوقاز وآسيا الوسطى وحوض الكاريبي، والتي قد تصبح ذات أهمية «جيو-استراتيجية» كبيرة. وإلى جانب بؤر التوتر «الكامنة» هناك ملفات يمكن أن تكون عوامل في نشوب الحروب، ويتم تحديد أهمها في «أسلحة الدمار الشامل» و«مصير الاقتصاد العالمي».
برميل البارود... كانت منطقة البلقان هي برميل البارود في أوروبا في فجر القرن العشرين. ومن سراييفو والبوسنة ـ الهرسك، انطلقت شرارة الحرب العالمية الأولى. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين تبدو منطقة الشرق الأوسط بمثابة برميل البارود الذي قد يُشعل الحريق الكبير. ويصف المؤلف هذه المنطقة بأنها «الأكثر خطورة في العالم على الصعيد الجيوسياسي». ذلك أنه تجتمع فيها عوامل عديدة لهزّ الاستقرار. وكانت قد عانت من الاضطراب، مثل بقية مناطق العالم، بفعل صدمة الحداثة وما حملته من أفكار الحرية والمساواة والاعتماد على العلم والتكنولوجيا والتصنيع، الخ. ولا يتردد المؤلف في القول إن أثر الحداثة كان مصدراً لهز استقرار الشرق الأوسط أكثر من المناطق الأخرى، بسبب بنية المجتمعات المعنية واعتمادها على البنى القبلية والطائفية وتوازناتها.
ويضيف المؤلف أن هذه المنطقة من العالم تتبع خطّاً بيانياً منحدراً منذ العصر الذهبي للإسلام وللعرب خلال القرون السابع وحتى الثالث عشر. وبعد الحرب العالمية الأولى قامت دول مستقلة في أوروبا بينما تقاسمت فرنسا وبريطانيا إرث الإمبراطورية العثمانية. وفي هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين لاتزال المسألة الفلسطينية التي زرع بذرتها اللورد بلفور عام 1917 دون حل حتى الآن.
ويضم الشرق الأوسط نصف الاحتياطي البترولي المثبت في العالم، لكن المنطقة عرفت أيضاً عدة حروب طاحنة. الحرب العراقية ـ الإيرانية خلال سنوات 1980-1988، ثم أزمة حرب الكويت 1990-1991 والعراق يعاني من الاحتلال الأميركي بعد غزو 2003. هذه الوقائع كلها تدفع المؤلف إلى طرح السؤال: هل يمكن للشرق الأوسط أن يكون سبباً في تفجّر العالم مثلما كانت أوروبا سبب اندلاع الحرب العالمية الأولى؟
لكن الفرق كبير بين حالة أوروبا عام 1914 وما كانت تعرفه من تحالفات بين دولها وبين الشرق الأوسط في المرحلة الراهنة، حيث إن التحالف الوحيد «غير المشروط» يحدده المؤلف في التحالف الإسرائيلي-الأميركي، لكنه يشكك في إمكانية قيام الأميركيين المتورطين في أفغانستان والعراق بهجوم عسكري ضد إيران أو تشجيع إسرائيل على القيام به.
في المحصلة، يرى المؤلف أن الشرق الأوسط يجسّد اليوم عقدة من التوترات، والمنطقة غير قادرة في السياق الحالي على إقامة سلام مستقر. لكن هناك كوابح «غير مرئية أحياناً» تعمل باتجاه تجنّب الانفجار. فإيران تبدو بالنسبة إليه، ورغم ما توحي به من النظرة الأولى من أنها عنصر إخلال بالأمن والاستقرار، فإن وصولها إلى امتلاك السلاح النووي سوف يرغمها على التحلّي بأقصى حدّ من التعقل على خلفية إدراكها أنها إذا ضربت فسوف تتعرض للضرب بدورها، إذ لن تسمح الدول الكبرى بالاستخدام «السهل» لهذا النوع من الأسلحة.
المناطق المحيطية
تدمج العولمة البلدان كلها أكثر فأكثر في نفس النظام الاقتصادي والاجتماعي. لكن هذا لا يمنع سوء اندماج بعض المناطق البعيدة، أو المعزولة، أو حتى ضواحي التجمعات الكبرى، أو «المناطق المحيطية». فهل يمكن لهذه المناطق أن تكون خطيرة على الاستقرار العالمي؟ وما العمل: هل يتم تجاهلها وتركها تعيش تقاليدها أم أن إرغامها «بالقوة» على الاندماج في دورات العولمة وقواعدها هو الحل؟
هذه المناطق يتم تحديدها بصفتين أساسيتين. أولاً، بعدها، مثل القوقاز وآسيا الوسطى والغابات الاستوائية (قلب إفريقيا والأمازون). والصفة الثانية تتمثّل في تفسّخ كل بناها الاجتماعية والسياسية بعد تدمير بناها التقليدية. وهذه البنى تبدو أحياناً بمثابة «ضواحي» القوى الكبرى التي تعتبرها مجالها الأمني، وبالتالي ترفض أي تدخل خارجي فيها.
هكذا مثلاً تبقى أميركا الوسطى ومنطقة حوض الكاريبي مجالاً أمنياً للولايات المتحدة، مثلما أن منطقة القوقاز مجال أمني لروسيا، وبالتالي ينبغي على القوى الخارجية أن تراعي «حساسية» القوى الحامية المعنية.
لكن بعض المناطق «المحيطية» التي لا تدخل في المجال الأمني المباشر للقوى الكبرى تعرف، منذ سنوات طويلة، نزاعات قاتلة، مثل الصومال وغيرها، دون أن يثير ذلك سوى ردود فعل طفيفة من قبل المجموعة الدولية والمساعدات. والأمر مختلف في بعض الحالات مثل أفغانستان التي أصحبت منذ دخول القوات السوفييتية إليها عام 1979 ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للغرب.
وعندما خرج الجنود السوفييت من أفغانستان في أواخر عقد الثمانينات الماضي «خرجت» هي أيضاً من مسرح الاهتمام الدولي لتعود إليه مع وصول «طالبان» إلى السلطة واستقبالهم لعناصر «القاعدة». وبعد 11 سبتمبر أصبحت أفغانستان هي «ساحة المعركة ضد الإرهاب» الدولي. لكن المؤلف يرى أنه لا شيء يمنع من انسحاب القوات الغربية، إذ تكبّدت خسائر كبيرة، والاكتفاء بمراقبة المنطقة من بعيد.
الأسلحة وتأثيرها
لم تعرف الإنسانية طيلة تاريخها فترة من التسلّح توازي هذه التي تعرفها في هذه السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. إن ثراء المجتمعات والتقدم التكنولوجي وتزايد التهديدات المتنوعة أمور دفعت كلها نحو سباق تسلّح محموم ومتعدد الأشكال. والقوى الأكبر مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا تبحث عن امتلاك «السلاح المطلق» الذي تستطيع بوساطته تدمير أي خصم.
وامتلاك مثل هذا السلاح من قبل «الدول الصغيرة» يسمح لها عبر الجمع بين المقذوفات النووية والصواريخ الحاملة لها بإثارة الخوف لدى الكبار والثأر منهم بسبب ما مارسوه من «إذلال» للآخرين. ضمن مثل هذا السياق تختلف الآراء حول ما إذا كان الانتشار الكبير لأسلحة الدمار الشامل دافعاً نحو الحرب أم على العكس وسيلة لتكريس «سلام» ما؟
السباق إلى التسلّح يمثّل ظاهرة تاريخية مستدامة. وعند نهاية الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة هي الوحيدة التي تمتلك السلاح النووي، ما أعطاها تفوّقاً استثنائياً. لكن رد فعل الآخرين جاء سريعاً، وأظهروا استعدادهم لعمل أي شيء من التجسس إلى «شراء» العلماء لتحطيم الاحتكار الأميركي وبناء «سلام الرعب».
واليوم بالإضافة إلى القوى النووية الرسمية «الخمس»، أي الولايات المتحدة وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا، هناك على الأقل أربع دول أخرى نووية «شبه رسمية»، وهي كوريا الشمالية والهند وباكستان وإسرائيل. لكن الحقل النووي شكّل مجالاً لكل أنواع التجارة من مواد مشعّة ومفاعلات نووية وخطط ومعلومات. مع ذلك جرت بالتوازي عملية ضبط ومراقبة لمنع انتشار الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل.
هكذا ومنذ الحرب العالمية الثانية تتم عملية «إدارة» الأمن العالمي والتوازنات العسكرية، إلى هذه الدرجة أو تلك، بوساطة الدول «النووية» الكبرى. وكل دولة تطرح على نفسها سؤالاً: «لماذا ليس أنا»؟ هذا خاصة إذا كانت على قناعة أنها من «الكبار» وبالتالي تتساوى في حق امتلاك القوة مع الآخرين، مثل الحالة الإيرانية.
وهناك قاعدة بسيطة تقول إنه كلما انتشرت الأسلحة أكثر يتزايد عدد أولئك الذين يمتلكونها، وبالتالي يتزايد «تعقّلهم» على خلفية القناعة أنه إذا لجأ أحد إلى استخدام سلاحه، فإن آخرين سوف «يضربونه» لعقابه و«تحييده». تتم الإشارة هنا إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كانا على وشك استخدام سلاحهما النووي أثناء ما عُرف بأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. لكن الطرفين فهما أن استخدام السلاح الشامل سيكون وبالاً عليهما، وسيكون المستفيدون بالضرورة هم الذين يتفرّجون مثل الصين وغيرها.
لكن في بدايات هذا القرن الجديد لا يأتي الخطر الأكبر من أسلحة الدمار الشامل فحسب، ولكن أيضاً تواجه الإنسانية تحديات أخرى كبيرة، مثل الكوارث الصناعية وكوارث البيئة وتغيّر المناخ وتحدّي البيئة.
ماذا عن الاقتصاد؟
مازالت ذكرى سنوات 1929-1939 تتردد بقوّة في أذهان البشر، وعلى الأقل في أذهان قادة الغرب. ففي عام 1929 انهارت بورصات نيويورك وفي عام 1939 بدأت الحرب العالمية الثانية. وعلى خلفية أزمة 1929 وصل هتلر إلى السلطة في ألمانيا عام 1933. وعندما نشبت الأزمة المالية العالمية الراهنة في خريف عام 2008 قفزت إلى أذهان كُثر أزمة 1929، وتساءلوا عمّا إذا كانت هناك كوارث تلوح في الأفق القريب.
السياق الحالي مختلف، كما يشرح المؤلف، ففي سنوات الثلاثينات كانت أوروبا لاتزال «مركز» العالم، وكانت اليابان هي القوة الكبرى الوحيدة «غير البيضاء». أما اليوم فالعالم مؤلف من دول ذات سيادة ومتساوية الحقوق، والولايات المتحدة هي الدولة الأقوى في ظل الشروع في سباق «مفتوح» نحو الفوز بمراتب القوة. ويمثل خطاب الرئيس باراك أوباما نقيض الكثير من الأفكار التي كانت سائدة في الثلاثينات.
ومن الخصوصيات التي يتم التأكيد أنها تسهم اليوم في إدارة أفضل للأزمة قياساً بسنوات الثلاثينات، هناك «وجود رؤوس أموال طائلة» تتوافر لدى العالم بعد عقود من الازدهار، ففي عام 1965 كان إجمالي الإنتاج العالمي هو 2040 مليار دولار (وعدد السكان 3,3 مليارات). وأصبح إجمالي الإنتاج العالمي 48245 مليار دولار، وعدد سكان إجمالي في العالم 5,6 مليارات نسمة.
وخصوصية ثانية للفترة الراهنة هي أن «العواطف الجماعية أقل عدائية»، ورغم وجود التوترات ليس هناك اليوم، كما يرى المؤلف، قوى تمتلك نفس عدائية ألمانيا النازية واليابان الإمبراطورية والاتحاد السوفييتي في «عصره الذهبي»، بل إن الرئيس الروسي مدفيديف يعكس اتجاهاً قوياً إلى تقليص السلاح النووي.
وخصوصية ثالثة هي أن الحكومات أفضل اطلاعاً ومعرفة، بما يجري بالعالم. هذا فضلاً عن أنها لم تنس دروس أزمة الثلاثينات المنصرمة. ويضاف أيضاً واقع «إحاطة» المنظّمات الدولية (صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، إلخ) بالنشاط الاقتصادي العالمي. وفي المحصلة يبتعد الخطاب «البيروقراطي» السائد اليوم عن «هذيان» و«عدائية» خطاب سنوات الثلاثينات.. وهذا يذهب في اتجاه السلام.
لكن في أجواء الأزمة يمكن أن يستجد الارتماء في حضن المجهول بأي لحظة، وهذا قد يذهب باتجاه الحروب.
المؤلف في سطور
يعمل فيليب مورو دوفارج، مؤلف الكتاب، أستاذاً في معهد الدراسات السياسية العليا بباريس. وهو أحد الاختصاصيين الفرنسيين ذوي الشهرة العالمية بميدان العلاقات الدولية. وهو أحد مديري تقرير «رامسيس» السنوي، الذي يصدره المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية القريب من وزارة الخارجية.
كما يسهم المؤلف بالكتابة في عدد دوريات مختصّة بالدراسات ذات الطابع الاستراتيجي الدولي. له العديد من المؤلفات ومن بين كتبه كتاب حول العلاقات الدولية ويتضمن مجموعة من مقالاته المتعمقة ، وكذلك كتاب مقدم في الجغرافيا السياسية فضلا عن كتاب «اين نذهب اوروبا».
الناشر: أرمان كولان -باريس- 2009
عدد الصفحات: 160 صفحة
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف



