سنوات مما اعتبروه وعوداً لم تنجز، بدأ أكراد العراق في التشدد في مطالبهم، بهدف انتزاع القدر الأكبر من المكاسب من جانب الحلفاء المحتملين، في أعقاب انتخابات برلمانية زادت من غموض مستقبل الحكومة العراقية، كما أنها جعلت من الحصول على دعم الأكراد الآن أمراً أعلى ثمناً من أي وقت مضى.

وخلال مقابلات أجريت الأسبوع الجاري في إقليم كردستان الواقع شمال العراق والمتمتع بالحكم الذاتي، طالب زعماء أكراد وناخبون بتسوية حقيقية لعدد من القضايا الخلافية، التي يشعر الكثيرون أن الحكومات السابقة التي تولت شؤون البلاد في أعقاب الحرب والاحتلال، حرصت على تركها مبهمة، ومن بينها حكومة نوري المالكي، الذي كان حليفاً لهم منذ أمد بعيد.

وكان من المنطقي أن يتوقع المراقبون، أثناء توجه العراقيين إلى صناديق الاقتراع في انتخابات السابع من مارس المنصرم، تحالفاً كردياً مع مناصري المالكي الشيعة، فهذا هو الخيار الأكثر معقولية. فمشاعر الاستياء التي تجمع بين الفريقين والتي تراكمت خلال عقود من معاملة كليهما كمواطنين من الدرجة الثانية تحت نظام صدام حسين الذي يهيمن عليه السنة أسهمت في شد وثاق هذه العروة بين الشيعة والأكراد.

ولكن اقتحام هذا المشهد بواسطة إياد علاوي، ذلك الشيعي المنتمي للتيار العلماني والذي تسلق صعودا على تأييد السنة، ليصل إلى دائرة الأوفر حظاً طبقا لنتائج الانتخابات، غير من عناصر المعادلة. ويقول الكثير من الأكراد، الذين تزايد لديهم الشعور بالنفور من المالكي بسبب الخلافات مع الحكومة المركزية على تعاقدات النفط وغير هذا من القضايا، إنهم على استعداد حاليا لتعديل خريطة تحالفاتهم للإبقاء على كلمة مسموعة لهم في بغداد، بالرغم من المواقف القومية التي يتبناها معظم مناصري علاوي.

وتشير السرعة التي تحرك بها المسؤولون العراقيون رفيعو المستوى المنتمون للائتلافات الرائدة لاستمالة الإقليم الذي يضم ثلاث محافظات خلال الأيام التي أعقبت انتخاب أعضاء المجلس ذي المقاعد 325، إلى الأهمية التي يحتلها الحصول على دعم هذه الأقلية السكانية الموالية للولايات المتحدة.

وقد ذهب علاوي إلى إقليم كردستان مرتين على الأقل، والتقى في بغداد الرئيس جلال طالباني، الكردي، يوم الأربعاء. وسافر نائب الرئيس عادل عبد المهدي، وهو عضو في الائتلاف الوطني العراقي الذي يهيمن عليه الشيعة، إلى شمال البلاد هو الآخر. في ما بدا المالكي أمام عدسات آلات التصوير التلفزيونية فيما يعقد لقاءات ودودة مع طالباني.

ولكن يبدو أن هذا لن يفلح وحده، فالدعم الكردي لن يمنح لقاء أثمان بخسة.

وقد صرح رئيس وزراء إقليم كردستان العراقي برهم صالح في لقاء أجري معه بمكتبه بإربيل عاصمة الإقليم أن «لا بد أن نكون على مستوى من الجدية بشأن الالتزامات التي سوف تمنحها لنا الحكومة القادمة، فالعراق لا يتحمل أربع سنوات أخرى من الجمود السياسي».

ويطالب بعض المسؤولين الأكراد بأن يتضمن أي اتفاق مع أي ائتلاف يسعى لتشكيل الحكومة شرطاً مكتوباً بكل وضوح يتم بمقتضاه منح دعم الأكراد مقابل تشكيل حكومة تقاسم سلطة بالمفهوم الشامل.

ويقول الأكراد إنهم يرغبون في أن تلتزم الحكومة ببنود الدستور الذي ما تزال البلاد حديثة عهد به، وفي الدستور بند ينص على إجراء استفتاء بشأن مستقبل كركوك، جنباً إلى جنب مع عدد من التدابير الأخرى.

كما يطالب الأكراد أيضا بتوضيح دور القوات المحلية المعروفة باسم «البشمركة»، وكذلك حصولها على المزيد من التمويل. والكثير من عناصر تلك القوات كان منخرطا في صفوف ميليشيا تمردت في السابق على صدام، ولطالما اشتكى هؤلاء انخفاض الرواتب وشح الموارد مقارنة بزملاء لهم في الجيش العراقي.

ومن بين القضايا العالقة أيضاً، مصير تعاقدات النفط والغاز التي وقعها الأكراد دون الحصول على موافقة من جانب بغداد. وقد زاد من غموض مصير تلك التعاقدات غياب تشريع قومي للنفط في البلاد.