مع تراجع الهيمنة الأميركية في العالم، منذ بدايات هذا القرن الحادي العشرين، رغم بقاء الولايات المتحدة القوة الأولى فيه، تثار التساؤلات حول الدور الذي تساهم فيه «حربا» أو «سلما» كل من روسيا والاتحاد الأوروبي والدول الأخرى.

ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن روسيا لا تزال تحنّ إلى عظمتها الماضية، في العهد السوفييتي أو زمن القياصرة. وبعد فترة من التراجع الذي شهدته خلال السنوات التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي، عادت ورفعت رأسها، بفضل عائدات البترول والغاز. وهي لا تزال ترى في أوروبا مصدر تهديد لها، ولعلّها قد تفكر ب«الثأر».

أما الاتحاد الأوروبي فقد جعل من القارة القديمة «منطقة سلام» ذلك على خلفية اجتماع أربعة شروط تتمثل في «تعب الشعوب» من الحرب. وفقدان الأوروبيين ل«حق الحرب» بسبب الوصاية الخارجية والنهوض الاقتصادي و«توسيع إطار الاتحاد الأوروبي».

والآخرون «الدول الصغيرة» فهي مؤهلة لخلط الأوراق أكثر من تسهيل مسيرة السلام في العالم. الأمثلة المضروبة هي فنزويلا وإيران وكوريا الشمالية وإسرائيل.

يمثل انهيار جدار برلين في خريف عام 1989 ثم تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991 حدثين ـ منعطفين كبيرين في التاريخ المعاصر. ولم تتأخر بلدان أوروبا الشرقية والوسطى التي استعادت استقلالها في «الالتجاء» إلى الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي مما مثل حدثا ـ منعطفا آخر.

في الوقت نفسه ظهرت ميول «الصغار» إلى تأكيد مكانتهم على المسرح الدولي. لقد بشّر كُثر بعالم جديد أكثر هدوء وسلاما وأمنا. لكن الواقع يشير إلى عدم نهاية النزاعات بل زيادة بؤرها، هذا إلى جانب ظاهرة الإرهاب التي تشكل تحديا جديدا أمام العالم.

مع نهاية الاتحاد السوفييتي وتفككه عام 1991، أمام لا مبالاة كبيرة من العالم كله، بدا أن روسيا قد فقدت «مرة واحدة وإلى الأبد» مكانتها كقوة كبرى على المسرح الدولي.

الدب الروسي وخطورته

لكن روسيا لم تفقد «حنينها» إلى عظمة الاتحاد السوفييتي وإلى عظمة روسيا في عهد بطرس الأكبر. وعلى خلفية مثل هذا الحنين تمتّع فلاديمير بوتين بشعبيته الكبيرة.

ولم تتردد روسيا ـ بوتين في شن الحرب على الشيشان من دعاة الاستقلال، كذلك لم تتردد في مواجهة جيورجيا، المدعومة من الغرب كله، عام 2008. هذا ما يثبتّه المؤلف ثم يسأل: هل لا يزال الدب الروسي خطيرا؟

انتصارات وانكفاءات

عرفت روسيا في تاريخها الكثير من الانتصارات والانكفاءات، وأقامت دائما مع أوروبا علاقات متناوبة من القرب والبعد ولم يفارقها أبدا حلم تجاوز الغرب.

ولكن هذا الحلم يعرف الكثير من العقبات التي ليس أقلّها انحسار عدد الروس حيث وصل إلى قمته في عقد التسعينات الماضي (150 مليون نسمة) ثم بدأ بالانحدار.

والجيش الروسي يعرف نفس المسار التراجعي. لكن هذا كله لم يمنع المؤلف من التأكيد أن روسيا تبقى عملاقا، إذ هي صاحبة أكبر مساحة بين بلدان العالم، وتمتلك ثروات طبيعية هائلة ليس أقلّها البترول والغاز اللذين شكّلا «محرّك» الاقتصاد الروسي خلال العقدين الماضيين.

ومهما يكن من أمر الواقع الروسي، فإن العالم نظر باستمرار إلى روسيا على أنها قوّة كبيرة. وكانت قد اعتبرت أنها تمثل «مركز» العالم بعد انحطاط روما وبيزنطة.

وطرحت نفسها أثناء الحقبة السوفييتية ك«وطن الاشتراكية» الأول و«محررة الإنسانية» من الرأسمالية. لكن الحلم انقلب إلى كابوس وإلى معسكرات الاعتقال في سيبيريا. روسيا ما بعد الشيوعية لا تزال ترزح تحت ثقل الماضي القريب.

وروسيا التي أراد قياصرتها باستمرار توسيع إمبراطوريتها تعيش باستمرار أسيرة قلق التهديد بتفجرها وغزوها. ولا يزال في ذاكرتها الغزوات التي تعرضت لها من قبل المغول ونابليون الأول وألمانيا الهتلرية. كما عرفت فترات طويلة من القمع الشديد كانت الحقبة الستالينية نموذجا بليغا لها.

إن أحد أكبر التهديدات يجده الروس في أوروبا التي تبحث عن إفسادهم وتفكيك بلادهم عبر نشر الأفكار «الهدّامة» مثل الحرية الفردية لمبالغ فيها والثراء الرأسمالي. أما السلطة في روسيا فيجد المؤلف أنها واجهت، في عهد «القياصرة الارثوذكس» أو «القياصرة الحمر»، مشكلة السيطرة على مساحة شاسعة وعلى مواطنين لا يملكون من وسائل الدفاع سوى السلبية و«الفودكا».

ومع تفكك الاتحاد السوفييتي انفتحت روسيا على الخارج متبنيّة نوعا من الديمقراطية «المقنونة جدا». وخلال السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين جلب ارتفاع أسعار البترول والغاز أموالا طائلة سمحت بدرجة من الازدهار ورفعت روسيا رأسها إذ انتهى «زمن الذل» وجاء «زمن الثأر».

هكذا جرى إخضاع منطقة القوقاز وإرغام اوكرانيا على «التزام حدودها» وكبح توسع الحلف الأطلسي باتجاه تخومها ومد اليد لأولئك الذين يعارضون الغرب عامة من دول العالم مثل فنزويلا بقيادة هوغو شافيز.

لكن مع انطلاق الأزمة المالية العالمية «ذابت» الاحتياطات الروسية الكبيرة من العملات الصعبة مثل «ذوبان الثلج تحت حرارة الشمس».

وتركّز اهتمام القادة الروس داخل حدود بلادها بعيدا عن حلم إنقاذ الإنسانية». فهل عادت روسيا من جديد دولة مثل بقية الدول، يتساءل المؤلف، ويجيب أن القادة الروس يخشون دائما تفجّر بلادهم، إذ بعد نهاية الديمقراطيات الشعبية في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي لماذا لا يصل الانقسام إلى «القلب» نفسه؟

إن روسيا مطالبة بتبنّي نظام مرن يسمح لها بإدارة ال17 مليون كيلومتر مربع التي يعيش عليها مواطنوها، وإن لم تنجح في ذلك فإنها قد تصبح من جديد فريسة غزوات كالتي قام بها المغول منذ قرون. من هنا تساهم روسيا في سلام العالم وحروبه.

مسيرة الاتحاد الأوروبي

في عام 1993 قام الاتحاد الأوروبي انطلاقا من مسيرة لتوحيد القارّة بدأت منذ سنوات الخمسينات مع «اتفاقية روما» عام 1957. ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول أن هذا الاتحاد الأوروبي يشكّل تجسيدا ناجحا لمسيرة تعزيز السلام والاستقرار في القارة القديمة، وبالتالي في العالم.

ذلك أن الحرب أصبحت شبه مستحيلة بين الدول الأوروبية التي أصبح لها مصالح عامة مشتركة. بهذا المعنى يمكن اعتبار الاتحاد الأوروبي ك«آلة لصنع السلام»، ولكن هل اختفى شبح الحروب تماما من أوروبا، أو على الأقل هل اختفت التوترات الشديدة؟

أوروبا قارة خاضت حربين عالميتين في القرن العشرين وحده، تحوّلت إذن إلى قارة سلام. احتاج الأمر إلى جهود كبيرة، ولكن كان لا بد من اجتماع أربعة شروط كي تصبح «مختبرا» للسلام. هذه الشروط يحدد المؤلف أولها ب«تعب الشعوب». فالأوروبيون أدركوا رعب الحروب وتدميرها. هذا فضلا عن أنها أنهت قوتهم وحطّت من مكانتهم على المسرح الدولي كي تصبح القارة بعد الحرب العالمية الثانية تحت «الوصاية» المباشرة عمليا للقوتين المنتصرتين في تلك الحرب، أي الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي.

والشرط الثاني هو «مصادرة حق الأوروبيين بشن الحرب». ذلك أن الدول الأوروبية بأغلبيتها الساحقة أصبحت تنتمي، بعد الحرب العالمية الثانية للحلف الأطلسي بالنسبة لغرب القارة ولحلف وارسو بالنسبة لوسطها وشرقها.

ويشير المؤلف هنا إلى أن بريطانيا وفرنسا حاولتا في عام 1956 تسوية حساباتهما عسكريا مع جمال عبد الناصر بعد تأميمه لقناة السويس، فأرغمتهما واشنطن وموسكو على وضع السلاح جانبا.

ذلك على أساس أن الزمن الذي كانت تفرض فيه القوى الغربية قانونها قد مضى وانقضى. وبدا في ظل الحرب الباردة أنه إذا كان حق الحرب لا يزال قائما في أوروبا فإنه يعود بالأحرى إلى «الكتلتين».

الشرط الثالث لجعل أوروبا «مختبرا للسلام» يكمن في «نهوضها الاقتصادي المستمر» فيما عُرف بفترة «الثلاثينات المجيدة»، أي سنوات 1945 ـ 1975.

وقد سهّل ذلك الاندماج التدريجي بين اقتصادات بلدان أوروبا الغربية. وبكل الحالات استطاع الاتحاد الأوروبي أن يتجاوز العقبات وكان التوصّل إلى تبني عملة أوروبية مشتركة ـ اليورو ـ لعدد هام من بلدانه أهم إنجازاته حتى الآن.

ويمثل «توسيع إطار» الاتحاد الأوروبي الشرط الرابع. ذلك أنه بدأ بستة دول عام 1957 وانتهى إلى 27 دولة حاليا. وذلك على عدة مراحل. وهناك بلدان أخرى «تقرع» على باب الاتحاد الأوروبي وتطلب «الدخول» إلى البيت الأوروبي المشترك.

ويؤكد المؤلف أن الأزمة المالية العالمية الحالية تهزّ أسس البناء الأوروبي. ثم إن الأزمة زادت من ميل «الانكفاء على الذات» لدى الدول الأوروبية.

وهذا يذهب في اتجاه معاكس لتعزيز وتعميق مسيرة التوحيد. والسؤال المطروح على الأوروبيين هو: هل ينبغي توسيع، أو عدم توسيع، إطار الاتحاد الأوروبي؟

عدم التوسيع يعني تحوّل الاتحاد الأوروبي إلى «قلعة» تحاول تقوية جدرانها في مواجهة العالم، مع ما يمكن أن يتولّد عبر هذا من مشاعر العداء لدى الجوار، وخاصة لدى أولئك الذين أبدوا رغبتهم في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

والتوسيع بلا ضوابط حقيقية يطرح سؤال: أين تقف حدود أوروبا؟ وهذا يتضمن التشكيك بالهوية الأوروبية نفسها عند ذلك.

بكل الحالات، يبقى مشروع الاتحاد الأوروبي هو إشارة «سلام حقيقي»، وليس مجرّد هدنة بين حربين. هذا يتطلب واقعيا تغيير جذري في العلاقات بين الشعوب المعنيّة.

وبلوغ مثل هذا الهدف يتطلب بدوره أن تصبح أوروبا ذات قوة جذب والوصول إلى توازن صعب بين المحافظة على «التلاحم» الداخلي الأوروبي و«الانفتاح» على العالم الخارجي.

وهذا ما يخلص منه المؤلف إلى القول أن «أوروبا» المطلوبة التي تساهم في سلامها وسلام العالم لا يمكنها أن تكون «قلعة» تخلق مناخا من البغض بينها وبين جيرانها الذين لن يكون لديهم سوى هم واحد هو «تهديم هذه القلعة». وبهذا المعنى يصبح الاتحاد الأوروبي «عامل حرب».

ماذا عن «الصغار»؟

«الصغار» الذين يقصدهم المؤلف يمثلون الدول ذات الحجم المتواضع مساحة وعددا في السياق الراهن والتي دفعتها التغيرات الجيوسياسية لتأكيد مكانتها على المسرح الدولي.

ويشير المؤلف إلى أن «انكلترا الصغيرة» في القرن السابع عشرـ كان عدد سكانها أقل بضعفين ونصف من عدد سكان الدولة العملاقة فرنسا آنذاك ـ استطاعت السيطرة على المحيطات.

وبروسيا «الصغيرة» فرضت نفسها خلال القرن نفسه ـ السابع عشر ـ كأحد القوى الأوروبية الكبرى.

إن القوة تكمن، حسب التحليلات المقدمة، بالقدرة على فرض النفس وعلى التنظيم، ولكن أيضا على إلحاق الأذى وبزرع الفوضى.

ويحدد المؤلف أربع دول «صغيرة» يُحسب لها حساب في بدايات هذا القرن الحادي والعشرين. الأولى هي فنزويلا بزعامة هوغو شافيز التي تمثل رأس حرية معارضة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية.

وكوريا الشمالية، أحد أكثر البلدان فقرا في العالم، إنما التي تمتلك السلاح النووي. وإذا تعرّضت للخطر فقد «تضرب». ذلك أن همها الأكبر هو البقاء. ثم إيران في ظل النظام الحالي والباحثة عن الاعتراف فيها أحد «الكبار» في الشرق الأوسط. لذلك تريد الحصول على السؤال النووي.

وهي تستفيد من سباق دولي تكابد أميركا فيه بالعراق، وأفغانستان والجيران العرب يلعبون دور المتفرج، وإسرائيل قد لا تستطيع التحرّك عسكريا دون «الضوء الأخضر» من واشنطن. وأخيرا إسرائيل، التي تشوش الوضع في الشرق الأوسط. أما مصدر قوتها الأكبر فيتم تحديده في التحالف العميق مع «شقيقها الأكبر» المتمثّل في الولايات المتحدة.

لكن رغم التأكيد على قدرة «الصغار»، في خلط الأوراق، فإن المؤلف يطرح السؤال التالي: مع ذلك ماذا يستطيع هؤلاء الصغار أن يفعلوا دون دعم «الكبار»؟

كذلك وبرغم التأكيد أيضا على أن دور «الصغار» هو أكثر «فاعلية» في صنع الحرب وخلق التوترات في العالم، فإن المولف يؤكد القول أن الإرهاب هو «الوحش الجديد في الغابة العالمية». ذلك أنه قد «تعولم» هو الآخر مثل الاقتصاد.