يتفق الجميع على أن هيمنة العملاق الأميركي في العالم قد اهتزّت كثيرا خلال السنوات الأخيرة بعد أن كانت قد سادت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى مطالع القرن الحادي والعشرين. وكانت الولايات المتحدة قد قامت منذ الأساس على ركيزتين هما الرأسمالية في الاقتصاد والديمقراطية في السياسة.

وقد أرادت تعميمهما كي تشملان العالم أجمع و«حتى بالقوة». لكن الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 أبرز تناقضات المشروع الأميركي للعالم.

واعتبارا من تفجيرات 11 سبتمبر 2001 دخل إلى الوعي الأميركي إدراك أن مقولة «ضرب الآخرين دون التعرّض للضرب» لم تعد سارية المفعول، وأنها أصبحت تحتاج بالتالي إلى الهدوء في العالم من أجل ضمان أمنها.

الصين هي المرشحة اليوم لتولّي «زعامة» العالم، ذلك أنها حققت نهضة اقتصادية هائلة خلال فترة زمنية قصيرة - ثلاثة عقود - وهي تمتلك ميزتين أساسيتين لحمايتها هما عدد سكانها الكبير ومساحتها الشاسعة.

لكن الأسئلة كثيرة حول دورها ومكانتها في مستقبل العالم. فتاريخها عرف العديد من التفجيرات ومجتمعها يعرف اليوم أخطر «قطيعة» في تاريخه عبر ولوج مئات الملايين من فلاحيه إلى دورة الاستهلاك.

هناك أسئلة كثيرة تُطرح في المرحلة الراهنة حول دور القوى الكبرى في تشجيع الحرب أو السلام في المستقبل. وهذا ما يصيغه المؤلف بعدد من الأسئلة مثل: الولايات المتحدة قوة سلام أم حرب؟ وهل سيؤدي استيقاظ الصين إلى اهتزاز العالم؟

فيما يتعلق بالولايات المتحدة يتفق الجميع على أن العملاق الأميركي قد اهتز موقعه خلال السنوات الأخيرة، بسبب الأزمة الاقتصادية والديون المتزايدة والصعوبات الكبيرة والعديدة على المسرح الدولي ابتداء من ملف السلام في الشرق الأوسط وحتى العلاقات المعقّدة مع المنافس «الصيني».

لكن في بالوقت نفسه يشير المؤلف إلى أن انتخاب باراك اوباما رئيسا وما أثاره من اهتمام على الصعيد العالمي يعطي صورة للولايات المتحدة وكأنها القوة الإمبريالية الأولى التي تريد أن تتولّى قيادة العالم «المعولم». لكن السؤال المطروح بقوة هو: هل أميركا هذه هي عامل استقرار في عالم اليوم أم هي عامل في هزّ استقراره؟

إن الولايات المتحدة، كما يتم تعريفها، «عملاق إيديولوجي ولديه نزعة عدائية». ويؤكد المؤلف أيضا أن «صرامة» أو «عدائية» الولايات المتحدة وميلها نحو ردّ الضربة بضربتين لا يمكن فصلهما عن تاريخها كله.

وكانت قد قامت أصلا في نهاية القرن الثامن عشر على أساس مبدأ إقامة مجتمع ديمقراطي من المهاجرين الراغبين بالتحرر من أثقال الماضي، وحيث كان قد جرى استثناء الهنود، أبناء البلاد الأصليين، من تلك التجربة. لقد ازدهرت الولايات المتحدة مستفيدة من غنى الأرض الأميركية ومن واقع أنها محمية ب«محيطين».

فرض الهيمنة الأميركية

لقد فرضت الولايات المتحدة خلال قرنين من الزمن هيمنتها على القارة الأميركية ووصلت إلى احتلال المركز الأول على المسرح الدولي.

ومنذ الثلث الأخير في القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة قد غدت القوة الاقتصادية الأولى في العالم وفرضت نفسها خلال الحروب الكبرى الثلاث التي شهدها القرن العشرون، أي الحربين العالميتين و«الحرب الباردة» في موقع الحكم «وحامي السلام العالمي».

وتتميّز الولايات المتحدة بقدر كبير من الطموح إلى فتح آفاق جديدة أمام هيمنتها على العالم. وأثناء الحرب العالمية الثانية كان شاغلاها الأساسيان هما أولا إنهاء «القلعتين المغلقتين» اللتين كانت تشكلهما إمبراطوريتا ألمانيا الهتلرية واليابان في ظل الإمبراطور هيروهيتو، والشاغل الآخر كان وضع حد نهائي للهيمنة الاستعمارية لكل من بريطانيا وفرنسا. كان المقصود هو تحويل العالم كله إلى سوق واحدة.

ويرى المؤلف أن الولايات المتحدة قامت منذ الأساس حول مفهوم «الرأسمالية الديمقراطية» الذي يقول بقبول كل المجتمعات، على المدى الطويل، بإيديولوجية التجارة والحرية الفردية. وقد تابعت الولايات المتحدة تحقيق هذا الهدف طيلة القرن العشرين في منظور تحقيق السلام العالمي بواسطة الديمقراطية والتبادل التجاري الحر.

لكن في مرات عديدة رأت أميركا أنه لا يمكن تحقيق السلام دون اللجوء إلى استخدام القوة. وفي بدايات الحرب العالمية الأولى حلم الرئيس الأميركي توماس ويلسون بفرض السلام «الجيد»، سلامه، على أوروبا بواسطة بلاغته وحدها ودون سفك دم الجنود الأميركيين. لقد سُفكت دماؤهم في خنادق الحرب، لكن ويلسون استطاع أن يمرر، إلى هذه الدرجة أو تلك، أفكاره المعروفة بـ «مبادئ ويلسون».

متطلبات القوة الساحقة

وفي الحرب العالمية الثانية فهم الرئيس فرانكلين روزفلت جيدا أن الولايات المتحدة لن تستطيع فرض «سلامها» إلا إذا كانت قوتها ساحقة.

في مثل ذلك السياق من الفهم قصفت الطائرات الأميركية مدينتي هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنابل الذرية في مطلع شهر أغسطس- آب من عام 1945. لكن تلك القوة الأميركية لم تمنع ستالين من إشادة «إمبراطورية» في شرق القارة الأوروبية.

ويشرح المؤلف كيف أن الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003 من أجل تحويل هذه البلاد إلى «ديمقراطية» يلخّص بوضوح التناقضات التي لا يمكن تجاوزها لدى العملاق الأميركي.

ومنذ تفجيرات نيويورك وواشنطن عام 2001 أصبحت الولايات المتحدة تعيش «كابوس» القلق من الإرهاب، الأمر الذي جعلها تمضي سريعا في مغامرة نشر الديمقراطية، ولو بالقوة إذا اقتضى الأمر مثلما في العراق. لكن مثل هذه العجالة قوبلت بنفور السكان المعنيين بها.

ويحدد المؤلف القول إن الولايات المتحدة تمتّعت طيلة القرن العشرين بميزتين أساسيتين. الأولى هي أن ترابها لم يهدده أحد بفضل حمايته من قبل فوة استثنائية، والثانية هي احتكارها «شبه الكامل» للقيم الديمقراطية. هاتان الميزتان تبخّرتا خلال السنوات الأخيرة.

ذلك أن مقولة «ضرب الآخرين دون التعرّض للضرب» التي كانت سارية المفعول بالنسبة للولايات المتحدة حتى العقود الأخيرة من القرن العشرين قد انتهى مفعولها.

وإذا كانت الأراضي الأميركية لا تزال أحد الأكثر صعوبة من حيث المساس بها، فإن الولايات المتحدة تبدو أنها تحتاج بوضوح إلى المحافظة على الهدوء في العالم من أجل ضمان أمنها. ويبدو أن الولايات المتحدة قد فهمت بعد 11 سبتمبر 2001 أن الحرب لا يتم الانتصار فيها عن بعد وبالآلات فقط ولكن عبر التواجد على الأرض وإقناع السكان أن القوة يتم تأكيدها يوما إثر يوم.

استيقاظ الصين

الصين هي أكبر أمم العالم خلال التاريخ كله، وقد عرفت خلال مسيرتها الطويلة الكثير من الاضطرابات والثورات والتمزقات، لكن ها هي تبرز اليوم من جديد كأحد الكبار على المسرح الدولي. ومنذ الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون إلى بكين عام 1972، نسجت الصين علاقات ودية مع الخصم الإيديولوجي، أي الولايات المتحدة الأميركية. كان ذلك بهدف إيجاد ثقل مقابل ل«الرفاق الألدّاء» السوفييت.

وبعد نهاية الحرب الباردة أصبحت الصين والولايات المتحدة بمثابة «قاطرتي» الاقتصاد العالمي. الأميركيون من موقع المستهلكين الكبار، والصينيون من موقع المنتجين، الكبار أيضا وبأسعار زهيدة. هكذا كدّست الصين احتياطيات مالية هائلة تموّل العجز الأميركي.

لكن إلى أن تمضي الصين؟ وهل ستعمل للمحافظة على الوضع الدولي كما هو؟

ما يتم تأكيده في معرض الإجابة هو أن الكثير من الصينيين يرون أن الوقت قد حان للاندماج في المجتمع الإنساني بعد الانغلاق الطويل في الماضي.

لكن المؤلف يفتح هنا قوسين كي يشير إلى أن الأزمة المالية التي عرفتها بلدان جنوب شرق آسيا عام 2007 أحيت «كوابيس» الماضي في الصين. لكن هذا لا يمنع الخشية من أن تعرف الصين «هبّة» قومية على قاعدة نهوضها الاقتصادي الهائل.

إن الصين تمثّل عبر تاريخها الطويل كمّا بشريا ضخما، والصينيون يمتلكون ميزتين أساسيتين تؤمنان لهم الحماية. فمن جهة هناك حماية العدد، وقد كان ماو تسي تونغ قد أعلن عن تمنياته أثناء الحرب الكورية لسنوات 1950-1953 أن يقوم الأميركيون باحتلال بلاده كي تضيع قواتهم في مجاهل الصين الشاسعة.

ومن جهة أخرى هناك حماية الطبيعة، فالصين فيها الكثير من الهضاب والوديان التي تشكل حواجز عازلة بالنسبة للعديد من المناطق الصينية. لكن خوف الصين أيضا من احتياج الآخرين لها دفعها إلى بناء سورها «سور الصين العظيم» والكثير من الحواجز الأخرى التي تنهار بين الحين والآخر ولكن تتم دائما إعادة بنائها.

غموض

وتسمية الصين ب«إمبراطورية الوسط» تعود إلى موقعها في «مركز» العالم. وكانت وراء العديد من المخترعات ابتداء من الورق وحتى البارود، وتبدو كأنها ليست بحاجة إلى الخارج. وكانت قد انقطعت عمليا عن العالم خلال الفترة المادية (1949- 1976).

ذلك في منظور إعادة بنائها بعد أن كانت قد «انهارت» أمام «صدمة» أوروبا في القرن التاسع عشر. والسؤال الذي يطرحه المؤلف هو: ماذا يمكن أن تفعل الصين إذا دفعتها الأزمات نحو الفوضى؟ هل يمكن أن تنغلق على نفسها من جديد؟

أو هل يمكن للصين، على غرار انجلترا في العهد الفتكوري والولايات المتحدة خلال القرن العشرين وحتى بدايات القرن الحادي والعشرين، أن تسود العالم كله؟

الملاحظة الأولى التي يتم تقديمها حيال هذه التساؤلات تتمثل في القول إن الصين لا تمتلك رسالة كونية ـ يونيفرسال ـ مثل الولايات المتحدة التي رفعت لافتة الديمقراطية. والمادية كما هو معروف تعيش فترة من التقهقر بل وحتى الاحتضار، حيث يسعى قادتها اليوم، رغم انتمائهم الإيديولوجي، إلى تفكيك الملكية الجماعية والبقاء في السلطة بالوقت نفسه.

وسؤال آخر: ألا تواجه الصين، قبل إرساء أسس قوتها الجديدة، خطر التفجر، كما حدث لها مرّات عديدة في تاريخها؟

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى أن الكتلة البشرية الصينية الهائلة «تفجّرت» في كل مرة واجهت فيها ضغوطا وتوترات قوية عبر تمرّدات واضطرابات وبروز «سادة حرب» جدد.

تتم الإشارة في هذا السياق أيضا إلى أن العقود الثلاثة الأخيرة شهدت أكبر «شرخ» في التاريخ الصيني، إذ إن مئات الملايين من الفلاحين الفقراء منذ آلاف السنين أصبحوا من سكان المدن ودخلوا دورة الاستهلاك. ويمكن للنزعة القومية الصينية القديمة والعدائية للآخرين أن تستيقظ أمام «صدمة» التحوّل الجاري. هذا خاصة أن الصين لم تروِ عطشها إلى الثأر.

وكانت الصين قد استعادت في عهد ماو مكانتها كقوة كبرى تمتلك السلاح النووي. لكنها لم تتوصل إلى استعادة جزيرة تايوان التي تعتبرها جزءًا من ترابها الوطني. وكانت الصين أيضا قد أبرمت اتفاقيات مع روسيا تخلّت لها بموجبها على أجزاء من سيبيريا. هذان الملفان قد يكونان بؤر توتر تهدد السلام العالمي كله.

تأليف: فيليب مورو دوفارج

الناشر: أرمان كولان -باريس- 2009

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

عدد الصفحات: 160 صفحة