يمكن التحدث مع الجميع عن إسرائيل، غير أن أكثر النقاد تشددا في أميركا، ومهما قال، فمن المرجح أن يدعم كلامه من خلال افتراضه أن الولايات المتحدة هي أفضل صديق لتل أبيب. وقد تظهر شكوك بشأن قطاع غزة والمستوطنات، غير أن أي انتقاد يتم إخفاؤه، على الدوام،.

وبصورة سريعة، من خلال الافتراض أن واشنطن لديها مصالح ومسؤوليات جوهرية تجاه إسرائيل لا تستطيع تجاهلها، خصوصا فيما يتعلق بضمان أمنها. وليس مثيرا للدهشة أن يتعهد السياسيون الأميركيون، بصورة مستمرة، وبتصميم كبير، بالحفاظ على ولائهم لهذه الدولة.

لكن هؤلاء السياسيين أصبحوا يرون الأمور بصورة مختلفة في القدس. ففي دولة يحفها الخوف، والشعور بعدم الأمن، يتحدى الإسرائيليون بقية العالم، ليس بإخلاصهم، ولكن بدرجات متفاوتة من عدم الثقة بغيرهم. ويمكن سماع ذلك من المستوطنين القاطنين في أعماق الأراضي المحتلة.

وفي مقاهي تل أبيب، التي تتمتع بالليبرالية. فهناك قلق نفسي حول أن موجة جديدة من معاداة السامية تجتاح أوروبا بأكملها، وهناك سوء إدراك للإدانة الدولية لجرائم إسرائيل في غزة، واتفاق عام على أن الأمم المتحدة تتآمر على دولتهم اليهودية.

وفي جميع هذه الأحوال، تظهر الولايات المتحدة، حتى الآن، باعتبارها أكثر الدول استحقاقا لثقة الإسرائيليين، بينما يقل مستوى الثقة ببريطانيا كثيرا. ويدرك الإسرائيليون أنهم طالما اعتمدوا على واشنطن لدعم ميزانيتهم العسكرية بسخاء، وتوفير غطاء دبلوماسي لاحتلالهم غير المشروع للأراضي الفلسطينية. لكن ذلك بعيد كل البعد عن الثقة.

فكل ما حصلوا عليه من امتيازات تضرر بشدة منذ مجيء الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى البيت الأبيض، فيما تحاول أميركا تبني الفكرة القائلة إن سياسات الحكومة الإسرائيلية لا توازن بصورة آلية بين مصالحها والترويج لعملية السلام.

وقد تجلى ذلك مع بروز أزمة المستوطنات الإسرائيلية، وكشف مدى تغير السياسة الأميركية الآن، وعجز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن استيعاب هذا الأمر.

والذي أثار قلق بعض الزعماء الإسرائيليين، ودق ناقوس الخطر لديهم، هو أن ما اعتبروه خطأ دبلوماسيا صغيرا في توقيت الإعلان عن بناء مزيد من الوحدات السكنية العرقية الاستثنائية في القدس الشرقية، أدى إلى انتقاد قوي وغير عادي من واشنطن، علاوة على تأكيد البيت الأبيض، المثير للقلق، وغير المسبوق، بأن السياسات الإسرائيلية تعرض المصالح الأميركية في الشرق الأوسط للخطر، كما تهدد حياة الجنود الأميركيين في المنطقة.

وبين عشية وضحاها رأت الحكومة الإسرائيلية نفسها تنتقل من حليف مهم للولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب، إلى المكان الحقيقي الذي تنتمي إليه كعائق رئيسي في تحقيق السلام.

وبدا الإسرائيليون العاديون مبرمجين لتكرار التعويذة المثيرة للخوف والقلق، والقائلة بأن كل ما تريده الدولة اليهودية هو السلام، لكن ما حصدته في المقابل هو الدم والقلق !.

وهذا موقف مريح بالنسبة للإسرائيليين الذين وجدوا من الصعب، في أوج عمليات التفجير الانتحارية، فهم سبب تفجير الفلسطينيين لأنفسهم. غير أن أسطورة البحث عن السلام، دون كلل، كانت أمرا مهما لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إرييل شارون، ونتنياهو، للتأكيد على أن الأميركيين لم يبحثوا معهم في السياسات التي كانت تخرب احتمالات السلام المتضائلة دوما، سواء عن قصد، أو دون قصد. ويتجلى ذلك بصورة أوضح في المستوطنات المتنامية باستمرار.

ويريد الإسرائيليون، المدافعون عن هذه القضية، أن يعتقد العالم بأن عملية بناء منازل حصرية لليهود في الأراضي المحتلة، لا يوجد لها تأثير على عملية السلام، وأن هذه القضية سيتم حلها في المفاوضات النهائية.

غير أن بناء المستوطنات يعتبر محكا لنوايا الحكومة الإسرائيلية، لأنه يغير الصورة على الأرض باستمرار.

فقد تضاعف عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية مرات عدة منذ اتفاقية أوسلو للسلام عام 1993. وهو أمر في غاية الوضوح ويهدف لتفريغ أية اتفاقية سلام مع الفلسطينيين، بشأن حدود الدولة الفلسطينية، من مضمونها.

ويدل جدار العزل الإسرائيلي، وهو يمر عبر الأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية والضفة الغربية، على النوايا الحقيقية والواضحة للحكومة الإسرائيلية. وتبرز الأدلة من خلال انعطاف والتواء هذا الجدار الذي يهدف لعزل القرويين الفلسطينيين عن أراضيهم، وتسليم تلك الأراضي للمستوطنين. ومع استمرار بناء هذا الجدار، لم تصدر عن واشنطن أية إشارة احتجاج.

وعلى الرغم من دعوة نتنياهو لبعض أعضاء الكونغرس، المدعومين من قبل المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة، لزيارة إسرائيل وحشد التأييد لها، إلا أن ذلك يؤكد أن الإدارة الأميركية، وعددا لا بأس به من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، يدركون أن إسرائيل لا تتحرك نحو السلام إلا عندما يتم دفعها إليه دفعا.

وقد أكدت الأحداث الأخيرة الرأي القائل إن نتنياهو بدأ يدرك أخيرا العواقب الوخيمة لأخطائه، وأخذ يتراجع عن موقفه تدريجيا، ويرضخ لسلسلة من المطالب الأميركية الهادفة لدفع المفاوضات مع الفلسطينيين، ويقوم بتجميد خطط الاستيطان الأخيرة. غير أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لا يتحلى بالشجاعة، ولا بالإخلاص.

وبرغم استمرار ترديده لعبارات السلام، فقد أمضى تسعينات القرن الماضي في تخريب أية محاولة للوصول إلى أي اتفاق مع الفلسطينيين، وكان يندد بأي زعيم إسرائيلي يسعى للسلام، ويصفه بالخائن، بل أسوأ من ذلك. على نتنياهو أن يلزم نفسه بإقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة، لكنه لا يقوم بالأمور الصائبة في الأوقات الملائمة.

بقلم: كريس ماكريل - ترجمة: عمر حرزالله