في مطلع الأسبوع المنقضي، عقد اللوبي الإسرائيلي ـ ايباك ـ في واشنطن مؤتمره السنوي. ومثل كل مرة حرص على تحويل المناسبة إلى تظاهرة سياسية، تظهر مدى قوته ونفوذه كقوة ضغط؛ ومدى التأييد الذي تتمتع به إسرائيل في الساحة الأميركية.
وكالعادة أيضاً حشد لها، من أهل القرار والرأي والإعلام والمال، كما من قواعده ومناصريه في كل الولايات ومن مختلف القطاعات الطلابية والنقابية وغيرها، ما يعكس الصورة المرغوبة. مشاركة أعضاء الكونغرس، من مجلسي الشيوخ والنواب، هي الأبرز تقليدياً.
فهذه المؤسسة تعتبر عرين نفوذه ومفتاحه إلى مطبخ القرار الأميركي. كذلك حضور الإدارة بأحد كبار رموزها وإلقائه كلمة في حفل الافتتاح بات هو الآخر من تقاليد هذه المناسبة. وهذه السنة لم تكن شاذةً، من حيث المشاركة الأميركية الرسمية.
لكنها كانت في ظلّ ظروف وأجواء غير مسبوقة في برودتها. توقيت انعقاد المؤتمر، جاء وسط احتدام خلاف مكشوف وحاد بين إدارة أوباما وحكومة نتانياهو؛ ولو أنه لا يمس، بل حتى لا يلامس جوهر العلاقة الخاصة بين الحليفين الاستراتيجيين.
غير انه كشف عن اقتراب هذه العلاقة من مأزق لا يسمح بفكها أو حتى إضعافها؛ وفي ذات الوقت لا يسمح باستمرارها على ما هي عليه. الأنا الإسرائيلية تضخّمت. أو بالأحرى تسبب السخاء والتهاون الأميركي بتضخيمها. باتت تتطاول على سيّدها وتعمل على تقديم مصالحها في المنطقة على حساب المصالح والحسابات الأميركية.
في المقابل، تماهت واشنطن إلى أقصى الحدود مع حليفتها المدلّلة. وهذه الإدارة بالذات، تراخت وجبنت أمام نتانياهو؛ إلى الحدّ الذي رأى معها هذا الأخير أنه لا مانع من إهانة نائب الرئيس الأميركي، الذي كان في ضيافته.
وفي ذلك واشنطن تحصد اليوم ما زرعت. الوزيرة كلينتون، التي ألقت كلمة في المؤتمر، حرصت على تكرار اللازمة الأميركية المألوفة؛ بأن العلاقة التي تربط بين واشنطن وإسرائيل «صلبة كالصخر».
كما حرصت على التذكير بأن بلادها متكفلة بأمن إسرائيل، التي «تخدم المصالح الاستراتيجية الأميركية في المنطقة». هذه ثوابت في الخطاب الأميركي، عموماً.
لكن مع ذلك لم تقو الوزيرة على حجب طعم مرارة الإهانة. وبعد تأكيدها على مطالب الإدارة بشأن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الأخير، ألمحت إلى أن السياسات الإسرائيلية باتت تهدد ب«تقويض» المصالح الأميركية في المنطقة.
تلميح جديد، على الأقل بعلنيته، ولو خجول. ومثل هذا الكلام، إلى جانب أنه صادر عن إدارة مصفوعة بلطمة إسرائيلية محرجة ومهينة؛ يأخذ أهميته ـ وإن المتواضعة ـ من كونه يأتي على خلفية احتكاكات وتوترات سابقة بين الحليفين.
خاصة فضائح التجسس الإسرائيلي العديدة ومن خلال اللوبي، على أسرار عسكرية وأمنية أميركية، بدءا من قضية الجاسوس بولارد في الثمانينات، وانتهاء بمحاولة رئيس اللوبي ستيفن روزن وأحد مساعديه عام 2005، في هذا المجال. مع كل ذلك وغيره، بقي اللوبي يتمتع بامتيازاته ونفوذه.
خصوصا وأن الكثيرين من رجال الكونغرس سعوا للحصول على منافع انتخابية من هذه المؤسسة النافذة، ما ساهم إلى حدّ بعيد في حماية دورها.
وهو دور حذر الكثيرون من أخطاره ومساوئه على السياسة الخارجية الأميركية. وتكرر التنبيه، منذ أيام السيناتور أولبرايت وحتى المرشح الرئاسي باتريك بيوكانن والمستشار الرئاسي بريجنسكي والأستاذين الجامعيين الشهيرين، مارشايمر ووالت.
لكن تمّ تجاهل كل هذه الأصوات. الكونغرس بقي إلى حدّ بعيد في خدمة اللوبي. والبيت الأبيض بقي يخشاه، طوعاً. وتجربة أوباما شاهد حيّ.
بلوغ اللوبي الإسرائيلي ما هو عليه من قوة التأثير على صناعة القرار الأميركي الشرق أوسطي، جاء حصيلة عوامل عديدة ومتنوعة.
على رأسها حسن توظيفه للعلاقة الاستراتيجية التي نسجتها أميركا مع الكيان الصهيوني. أدرك من البداية أن عمق التزام واشنطن بأمن وتفوّق وحماية إسرائيل لا تهزّه حتى الزلازل.
من هنا استمدّ زخم نفوذه ودوره، الذي تجاوز الخطوط الحمراء مراراً، من دون كلفة. ومن هنا ينبع تمادي إسرائيل وانفلاتها. قوتها مع نفوذ اللوبي، تكشفان أزمة واشنطن؛ واستطراداً أزمة رئاسة أوباما التي كشفت، حتى الآن على الأقل، عن ضعف زائد.
فكتور شلهوب
