تذكّر الأزمة القائمة بين إسرائيل والإدارة الأميركية، والناجمة عن إعلان مخططات الاستيطان في القدس الشرقية، إبّان وجود نائب الرئيس الأميركي جو بايدن في إسرائيل، بالأزمة التي اندلعت قبل أشهر قليلة مع تركيا، إثر حادثة «الكرسي»، التي حصلت لسفيرها في إسرائيل

وكما أسهمت حادثة «الكرسي» بضعضعة علاقات إسرائيل بتركية، ما يؤثر في مكانة إسرائيل الإقليمية، في ظرف إقليمي حرج، حيث الجهود الإقليمية والدولية تبذل لمواجهة الملف النووي الإيراني، فإن حادثة الإعلان عن استمرار الاستيطان خلقت أزمة مماثلة بين إسرائيل وحليفتها الاستراتيجية الإدارة الأميركية.

وكما في الحادثة الأولى، التي اعتبرتها تركيا بمثابة إهانة لها، فإن الحادثة الثانية فهمت كنوع من الاستخفاف بالإدارة الأميركية، وبسياساتها في المنطقة.

هكذا، أثارت هذه الحادثة المحللين الإسرائيليين، الذين بدأوا بمراجعة العلاقات الاستراتيجية التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة. وفي هذا السياق خصصت صحيفة «يديعوت احرونوت» عددا خاصا (يوم 16/3) لهذا الغرض، تحت عنوان معبّر: «لماذا نحتاجهم؟ هل يمكن لإسرائيل أن تتدبر بدون أميركا؟».

المحلل الاقتصادي للصحيفة سيفر بلوتسكر، أكد قوة إسرائيل الاقتصادية، إلا انه طالب بعدم المبالغة بالأوهام. وبرأيه فإن التورط مع أميركا سيتطلب «شد الحزام..بألم شديد». وذكر بلوتسكر معلومات تفيد بتعهد الولايات المتحدة تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل «قدرها 3 مليارات دولار في السنة..في أعوام 2008 ـ 2018».

وعنده فإن «تعبير «مساعدة عسكرية».. مضلل.. هذه معونة اقتصادية ..الاقتصاد الإسرائيلي دون ما يسمى ب«المساعدات العسكرية الأميركية» كان سينمو بوتيرة أبطأ بكثير ؟

ومستوى المعيشة كان سيكفّ عن الارتفاع..كذلك تحدث بلوتسكر عن منح الولايات المتحدة ضمانات قروض لإسرائيل مرتين، الأولى لدعم هجرة يهود الاتحاد السوفييتي (السابق)، في عقد التسعينيات، والثانية في 2002 إبان أحداث الانتفاضة الثانية.

فوق ذلك فإن «الولايات المتحدة هي المشتري الأكبر للصادرات الإسرائيلية: في السنة الماضية صدرت إسرائيل إلى السوق الأميركية منتجات ب17 مليار دولار واستوردت بضائع ب6 مليارات دولار فقط.

ومن الفائض، 11 مليار دولار، موّلت إسرائيل كل عجوزاتها مع العالم.» ويخلص بلوتسكر إلى النتيجة التالية: «هذا تعلّق عميق..إذا كبح الاقتصاد الأميركي شهيته للمنتجات الإسرائيلية ؟ بسبب الركود أو بسبب تلميح يصدر عن البيت الأبيض ؟

فإن الاقتصاد الإسرائيلي سيتدهور إلى أزمة حادة..فضلا عن كل الحسابات هذه، يوجد واقع من التأييد الأميركي المتواصل وغير المهزوز لإسرائيل ليس له سعر مالي ؟ وقيمته لا تقدر بالذهب. يجدر بنا أن نتذكر هذا.» («يديعوت أحرونوت»، (16ـ 3).

أما المحلل السياسي للصحيفة شمعون شيفر فعدد أوجه الدعم السياسي الأميركي لإسرائيل، الذي لا يقدر بالذهب (على ما ذكر المحلل الاقتصادي سيفر بلوتسكر)، يقول شيفر: «في 1948، سارع الرئيس الأميركي هاري ترومان إلى الاعتراف بالوطن اليهودي للشعب اليهودي في بلاد إسرائيل..أميركا هي الدولة الأولى التي اعترفت بإسرائيل.

منذ ذلك الحين وحتى اليوم، فإن الذخر السياسي ذا المعنى الأكبر..الذي يسمح للإسرائيليين بالإبقاء على دولتهم في المنطقة المشوبة بالنزاع والعنف هنا، يرتبط بالتماثل التام مع أميركا، ومع السترة الواقية التي توفرها. إسرائيل ربحت من هذا التقارب وليس فقط المساعدات الاقتصادية والأمنية.

على مدى السنين دقت دول كثيرة باب إسرائيل..عرفوا في هذه الدول بأن خلف الإسرائيليين تقف قوة عظمى.» («يديعوت أحرونوت»، (16ـ 3).

في المجال الأمني عدد أليكس فيشمان الامتيازات التي تحظى بها إسرائيل نتيجة علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، في المجال العسكري والتسليحي والاستخباراتي، وفوق ذلك فإن إسرائيل (وهذا الأهم) تتمتع بضمانة الولايات المتحدة لأمنها واستقرارها.

وكمثال على ذلك، يقول فيشمان: «لنقل إن حكومة إسرائيل يمكنها أن تطلق طائرات سلاح الجو لقصف المنشآت النووية في إيران دون أن تبلّغ أو تنسّق ذلك مع الإدارة الأميركية.

ولنقل إن سلاح الجو جاهز لتنفيذ مهمات بعيدة المدى من هذا النوع، وان في وسعه أن يقدم انجازات دراماتيكية. إذن ماذا؟ ماذا سيحصل بعد دقيقة من عودة الطائرات إلى البلاد؟

ماذا سيحصل بعد أن تتبدّد سحب الدخان من فوق الأهداف؟ هل دولة إسرائيل قادرة على أن تترجم مثل هذا الانجاز العسكري إلى انجاز سياسي، إلى اتفاق سياسي، دون الظهر الأميركي؟ الجواب هو لا». ومن ذلك يصل فيشمان إلى نتيجة مفادها أن «السند الاستراتيجي الأميركي هو الذخر الأمني الأكبر والأهم الذي لدى إسرائيل اليوم.

فقط بفضل هذا الذخر يمكن لإسرائيل أن توجد على مدى الزمن، برفاه، في ظروف المواجهة المتواصلة..المكانة الاستراتيجية لإسرائيل دون شبكة العلاقات الأمنية الخاصة هذه، دون هذا السند المتين، ستكون مغايرة تماما. في مثل هذا الوضع ستكون إسرائيل أكثر ضعفا وأكثر هامشية بكثير في حياة الشرق الأوسط». («يديعوت أحرونوت»، (16ـ 3).

ماجد كيالي