هي أزمة تشبه في فصولها التراجيديا الإغريقية. هكذا وصفوا الأزمة المالية والضائقة الاقتصادية التي واجهتها اليونان في الفترة القريبة الماضية.

وفي سياق هذه المقارنة بين أزمة اليونان الحديثة ومأساة الإغريق في الزمن القديم وجدنا من يحيل إلى أشعار سوفوكليس ونبوءات يوريبديس وغيرهما من كاتبي الدراما الإغريقية الذين طالما صوروا في مسرحياتهم حقائق ووقائع الصراع بين أحكام القدر وبين تصرفات البشر. من ناحية أخرى يعمد بعض المحللين للاحتكام إلى ما يعرف في العلوم السياسية بالوصف التالي: نظرية الدومينو.

وتعني ؟ من واقع اسمها ؟ سلسلة التأثير المتوالية: ما ان يحدث التأثير في وحدة منها حتى تتوالى التأثيرات لتصيب الكل بصورة أو بأخرى.. تماما كما يحدث الأمر لمجموعة مرصوصة من أحجار لعبة الدومينو.. إذا ما اهتز حجر منها تساقطت من بعده سلسلة المجموعة واحدا في أثر الآخر.

هل تندلع الأزمة

من هنا أعرب كثير من مراقبي الشأن اليوناني عن خشيتهم من أن تكون أثينا وأزمتها الاقتصادية الراهنة هي أول الأحجار في مصفوفة الدومينو التي يجسدها الاتحاد الأوروبي وبحيث يمكن ؟

كما تذكر مجلة «ذي نيشن» الأميركية (عدد 8/3/2010) ؟ أن تتسبب هذه الأزمة في اندلاع أزمة مالية تتخذ من ثم أبعادا إقليمية وربما عالمية وفي مرحلة يحاول فيها العالم أن يلتقط بعضا من أنفاس الارتياح من جراء وعواقب أزمة الرهونات العقارية التي اندلعت بدورها في الولايات المتحدة منذ صيف عام 2008.

وفي معرض الإحالة أيضا إلى التراث الكلاسيكي الأوروبي.. يستعيد المراقبون ما تابعناه عند اليونان الأقدمين بشأن «معبد دلفي» الذي قالت أساطيرهم ان الناس كانوا يفدون إليه في أثينا القديمة ليستطلعوا النبوءات التي تفيدهم عما هو مطمور من خبايا المستقبل.

وليست صدفة أن تتصدر واجهة المعبد المذكور عبارة قرأها الفيلسوف سقراط وهي: «اعرف نفسك».. وما لبث أن اتخذها شعارا لطروحاته الفكرية واجتهاداته الفلسفية.

ويبدو أن هذه العبارة، أو النصيحة كانت واجبة الاتباع عندما تولت السلطة في الخريف الماضي حكومة رئيس الوزراء اليوناني الحالي جورج باباندريو.

وربما لم تكن قد عرفت الأبعاد الحقيقية للتدهور والقصور الاقتصادي الذي ورثته عن حكومات تعاقبت على السلطة في بلاد اليونان. كانت تلك الحكومات قد أمعنت في اتباع وتكريس، بل نقول وتصنيم، قواعد الحرية الاقتصادية المطلقة ومع الانصياع بغير وعي ولا روية لما يسمى بقوانين السوق ؟

العرض والطلب بالذات ؟ وترك الساحة لحيتان الاستثمارات الرأسمالية التي تحولت بالإمكانات الاقتصادية في البلاد من مستوى التوظيف والاستثمار إلى حالة من الانفلات والمضاربات وهو ما أفضى إلى ما أصبح يسمى في أدبيات الأزمة الراهنة بأنه «رأسمالية الكازينو».

حكاية نصف الكوب

في أوائل فبراير الماضي، وعندما لاحت الأشباح الكئيبة والمخيفة للأزمة اليونانية، بادر رئيس الوزراء اليوناني باباندريو إلى شد الرحال إلى مركز الاتحاد الأوروبي في بروكسل.

وسارع إلى الاجتماع مع قيادات الاتحاد وسط توقعات أو تخمينات أو فلنقل مراهنات على أن الاتحاد سوف يبادر إلى المساعدة على إخراج أثينا من ربقة الأزمة المالية ؟

الاقتصادية التي ألمّت بها وخاصة ما يتعلق بما ورثته حكومة يسار الوسط في اليونان من عجز اتضح أنه بالغ الضخامة والخطورة في الميزانية الوطنية.

بعدها عاد المسؤول اليوناني الكبير ليبلغ مواطنيه أنه جاءهم «بنصف كوب فقط من وعود المساعدة» فيما ترامت الأنباء بأن شركاء الاتحاد الأوروبي عازفون عن مد يد المساعدة إلى الشريك اليوناني الذي تناوشته أبعاد الأزمة الراهنة الطاحنة وقد تسببت فيها سلوكيات الفساد والتهرب الضريبي وهروب رؤوس الأموال فور أن لاحت بوادر المشكلة.

وهو ما يمكن أن يهدد في نهاية المطاف بكارثة إفلاس الحكومة على نحو ما واجهته أيسلندا في الشمال الأوروبي البارد في عام 2009.

تضيف مجلة «ذي نيشن» في تحليلها موضحة أن الأشهر الستة الأخيرة التي أمضتها حكومة باباندريو اليسارية في الحكم كانت تجربة بالغة الصعوبة، إذ كان يتعين على هذه الحكومة أن تصلح ما أفسدته حكومات سابقة تركت العنان لقوى السوق فيما ظلت في حالة استبعاد لدور الدولة إلى درجة نفي هذا الدور في بعض الأحيان، هذا في حين جاءت الأزمات المالية ؟

الاقتصادية العالمية الأخيرة لتؤكد أن هذا النبذ أو التهميش لدور الدولة إنما هو إلغاء لهذا الدور الذي لا غنى عنه من أجل تفعيل الضوابط وتنفيذ اللوائح الناظمة وتطبيق المعايير الموضوعية، التي من شأنها ترشيد دورة النشاط الاقتصادي في مجتمع الدولة الحديثة بعيدا عن انحرافات الفاسدين وأطماع المضاربين وانفلات المراهنين على مقدرات الوطن، أي وطن.

تداعيات الأزمة

من هنا بادرت جموع العقلاء على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى التحذير، ولسان حالها يقول: لا تتركوا اليونان وحدها.. فإذا عجزت أثينا عن سداد ديونها والوفاء بالتزاماتها، فمن شأن هذه الحالة أن تهدد بانخفاض قيمة العملة الأوروبية الموحدة ؟

اليورو.. وإذا ما طبقنا نظرية الدومينو التي ألمحنا إليها في مستهل هذه السطور.. فذلك من شأنه أن يفضي بدوره إلى تداعيات سلبية في مجموعها تصيب سائر العملات المحلية ؟

الوطنية في أوروبا، ومن ثم تصيب الكيان الاتحادي الأوروبي في مجمله، وفي وقت قد تتعافى فيه أميركا من أزمة طاحنة وتتحفز فيه روسيا لاستئناف دور إقليمي وعالمي (غلوبالي) فاعل في شؤون عالمها وعصرها، مستخدمة امكاناتها الشاسعة والحيوية من النفط والغاز على وجه الخصوص، فما بالنا وهناك قوة عالمية صاعدة باطراد.. متحفزة بغير مراء.. ودينامية الحركة بغير توقف اسمها الصين..

وهي بالذات القوة التي لم تقتصر حركتها الطامحة، حتى لا يقال الطامعة على منافسة الاتحاد الأوروبي في أصقاع بعيدة مثل أفريقيا جنوبي الصحراء، بل ان التنّين الصيني يطمح، بل يتهيأ إلى منافسة ؟ بالأدق مزاحمة - الاتحاد الأوروبي عند تخومه البعيدة في القطب المتجمد في شمال العالم. والحق أن التركة التي ورثتها حكومة أثينا التقدمية ؟ اليسارية الاتجاه تركة فادحة ومثقلة بما خلفته حكومات عبادة قوانين السوق وتكريس ظاهرة العولمة وممارسة الانفلات تحت شعار التحرير الاقتصادي..

وقد تجسدت أبعاد الأزمة الطاحنة في مستشفيات بغير موارد وجامعات بغير رواتب وموظفين حكوميين لا يتقاضون أجورا وفلاحين ومزارعين لجأوا إلى التجمع والاحتشاد في مسالك الحَضَر وشعاب الأرياف.. يرفعون الاحتجاجات من فوق جراراتهم الزراعية بعد أن عجزوا عن بيع محاصيلهم لقاء أسعار تسد الرمق وتلبي أبسط الاحتياجات.

ولما كانت الصراحة المباشرة، مهما كانت قسوتها، هي الخطوة الصحية والصحيحة الأولى على معالم طريق شاق وطويل.. فلم يعد من مفر سوى اتباع منطق المكاشفة.. أو هي الشفافية بلغة الأدبيات السياسية السائدة في تشخيص الحالة اليونانية الراهنة ؟

لا من أجل أثينا وحسب - ولكن في سبيل وعي عبرتها المستفادة بالنسبة لسائر النظم الاقتصادية على مستوى العالم كله.

الاقتصاد الأسود

ولعل أول هذه الدروس ما يفيد أو ينبّه إلى أن مجرد انضمام الدولة المعنية إلى كيان اتحادي أكبر وأشمل.. لا يمثل ضمانا مسبقا ولا هو بمثابة شيك على بياض ولا طوق الإنقاذ الجاهز ؟

المجاني لإخراج الاقتصاد المعتل من وهدته التي أوقعته فيها سنوات السرف والتربح وتجاهل الضوابط ونفي الدولة ودورها في تنظيم وترشيد حركة المجتمع، وهو دور مطلوب بحكم المسؤولية الوطنية قبل أن تمليه دواعي الأبهة أو التباهي بالسلطة أو الصولجان.

وفي تحليلها للوضع اليوناني تذهب جريدة «النيويورك تايمز» إلى أن حكومات أثينا ظلت منذ عقد الثمانينات تتواطأ مع ما يوصف بأنه «الاقتصاد الأسود» بمعنى الأنشطة الاقتصادية غير المشروعة التي تهدف بالذات إلى تضخيم ثروات طغمة المغامرين والمتربحين والمضاربين.

وعندما انضمت اليونان إلى منطقة اليورو في عام 2000 جاء هذا الانضمام على أساس دفاتر «مطبوخة» كما يقول المصطلح الأميركي بمعنى بيانات مزيفة ومعلومات مصطنعة وإحصاءات كانت تعكس ازدهارا براقا في ظاهره دون أن يستند إلى جهد حقيقي وعمل وطني فعال وتنمية مستدامة بحق..

ذلك لأن هذا الازدهار كان يتأتّى وقتها من واقع جهود العمالة المهاجرة من ألبانيا وبلدان شرقي أوروبا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي الذي كان..

ثم زادت وطأة الأزمة إلى درجة الفداحة بسبب التكاليف الباهظة التي أثقلت كاهل الخزانة اليونانية الناجمة عن عقد دورة أثينا للأولمبياد في عام ,2004. ورغم تهليل أوساط شتى لهذا الحدث الرياضي العالمي إلا أن الأمر أسفر عن تحميل الخزانة القومية أكثر من 11 مليار دولار وهو ما يكاد يشكل نسبة الناتج المحلي الإجمالي للبلاد في السنة المذكورة.

أجندة باباندريو

ولقد اختار الناخبون حكومة باباندريو على أساس أجندة تصدرتها بنود تدعو إلى اتباع مبادئ الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد وإنهاء المشاريع التي أدت إلى تربّح القلة دون أن تفيد منها جموع الجماهير. ومن ناحيتها بادرت حكومة أثينا إلى فرض وتطبيق ما يوصف بأنه «تدابير التقشف»..

وهو ما لقى قدرا من التفهم الملحوظ ؟ رغم المعاناة ـ من جانب قطاعات واسعة من جماهير الناخبين الذين اختاروها في مقاعد السلطة. لكن مازال هناك خطر متربص يتمثل في نشاطات المضاربة والانفلات الاقتصادي ؟ «رأسمالية الكازينو» كما ألمحنا إليها.

وهذا بالضبط ما حذر منه رئيس الوزراء اليوناني في حديثه مؤخرا إلى نخبة الباحثين والسياسيين في مؤسسة «بروكنغز» الأميركية الشهيرة في مستهل زيارة المسؤول اليوناني الكبير للعاصمة واشنطن حين قال:

«سوف نصادف عقبات كأداء خلال تطبيقنا برامج الإصلاح وفي مقدمتها أن أي ثمار تنجم عن تدابير التقشف مهددة بأن تبتلعها أسعار الفائدة الباهظة». في نفس السياق دعا باباندريو أميركا والاتحاد الأوروبي إلى مكافحة أسلوب المضاربات المالية الذي يهدد كل جهود الإصلاح.

في نفس السياق نلاحظ أيضا أن استخدامنا مصطلح «الحالة» لوصف أوضاع الأزمة المالية في اليونان.. جاء في وقته، وهو ما يؤكده تصريح «فاسيليس بابا ديمترو» الناطق باسم الحكومة اليونانية .

وقد أدلى به في منتصف مارس قائلا: « لقد كان الهدف من زيارة رئيس الوزراء اليوناني إلى أميركا ولقائه مع رئيسها أوباما هو الحث على اتخاذ خطوات لتغييرات تتم في مجال القواعد المالية المعمول بها على الصعيد العالمي».

وأضاف الناطق اليوناني يقول:»نحن لا نتحدث عن مشكلة يونانية (بمعنى تخّص بلاده وحدها) ولكن نتناول حالة يونانية (بمعنى أنها أقرب إلى دراسة إفرادية ءس سشصع) تصدق على كثير من النظم والأقطار».

الاقتصاد والأمن

من ناحيته يربط النظام اليوناني الحالي بين تداعيات الأزمة المالية ؟ الاقتصادية في بلاده وبين مقتضيات الأمن الإقليمي في أوروبا خاصة وأن اليونان تتولى حاليا موقع الرئاسة في منظمة الأمن والتعاون في أوروبا. في هذا السياق يعترف السيد باباندريو بأنه رغم مرور 21 عاما على سقوط سور برلين الشهير ؟

فمازالت الصراعات القديمة بغير حل ناجع، فضلا عما يطرأ من مشاكل مستجدة تقتضي حلولا جذرية، وفي مقدمتها مثلا: أمن الطاقة وتغيرات المناخ، والجرائم عبر الوطنية وتيارات الإرهاب والجرائم الالكترونية عبر شبكات الحواسيب، هذا فضلا عن القضايا والمشاكل المتصلة بحقوق الإنسان.

العبرة المستفادة من الأزمة

كثير من مراقبي الشأن الأوروبي، وخاصة في المضمار الاقتصادي، يربطون بين «حالة اليونان الراهنة» وبين مسلسل انتقال التأثير ضمن وحدات الكيان الموحد وهو ما تجسده نظرية «الدومينو» المعروفة في أدبيات العلوم السياسية، وبمعنى الخشية من أن تنتقل تأثيرات وذيول الأزمة المالية ؟

الاقتصادية الراهنة في اليونان، ومهما تعددت الأسباب لتصيب نظما اقتصادية أخرى في أنحاء الاتحاد الأوروبي وخاصة بعد أن عمد الكيان الاتحادي المذكور إلى التوسع لدرجة التمدد ليشمل كيانات ودولا ونظما ما بين شواطئ البلطيق إلى الوسط الأوروبي (المعسكر الاشتراكي سابقا) إلى سواحل الغرب والجنوب المطلة على المحيط الأطلسي والبحر المتوسط..

هذا فضلا عن أن ثمة تباينا ملحوظا بين مستويات النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي ومن ثم القدرة على التصدي لغوائل الاختناقات المالية والأزمات الاقتصادية.

في كل حال فقد جاءت «الحالة اليونانية» على نحو ما يشير الناطق باسم حكومة أثينا بمثابة تحذير بأن تمتد عواقبها وتداعياتها إلى أطراف أخرى.. خاصة وأن الحقبة الزمنية الأخيرة التي أعقبت سقوط سور برلين.. جاءت ؟ كما أوضح رئيس وزراء اليونان جورج باباندريو ؟

بمشاكل ذات طابع جديد ما بين قضايا تغير المناخ ومشاكل البيئة وظاهرة الإرهاب أو الجرائم عابرة الحدود أو الجريمة الالكترونية التي تستخدم أداة الحاسوب.

على أن الخطر الأكبر الذي هدد النظام الاقتصادي في اليونان جاء مجسدا في سلوكيات الفساد وفي الدعوات التي سادت في الحقبة الأخيرة من ممارسة الانفلات الرأسمالي خضوعا أعمى لقوانين السوق في مجال العرض والطلب مع استبعاد دور الدولة وآلياتها في تفعيل وتطبيق معايير التنظيم ولوائح الانضباط التي تستهدف ترشيد حركة السوق.

وتأكيد الأبعاد الاجتماعية للنشاط الاقتصادي كي لا يقع ضحية لاحتكارات القلة على حساب مصالح الأغلبية التي اختارت بالانتخاب الحكومة اليونانية الحالية برئاسة باباندريو وقد ورثت عن الحكومات السابقة في أثينا عجزا فادحا في الميزانية وخللا شديدا في الأداء الاقتصادي وبما يهدد قيمة عملة اليورو ومستقبل الاتحاد الأوروبي في عمومه.

محمد الخولي