تعيش محافظة الطائف «غربي السعودية» حالياً موسم قطف الورد، الذي اشتهرت بزراعته منذ زمن بعيد وحتى وقتنا الحالي، حتى ارتبط اسم الطائف بالورد، وأصبح يعرف باسم «الورد الطائفي»، وامتد اهتمام أهالي المحافظة بالورد فأقاموا معامل خاصة لإنتاج ماء الورد ودهن الورد وعطر الورد، وتسويق كل ذلك، ليس على النطاق المحلي فقط، بل على المستوى الخارجي.
17 ابريل المقبل هو الموعد المحدد لانطلاق فعاليات مهرجان الورد الطائفي، ويتوقع أن يجذب أكثر من 200 ألف سائح لمحافظة الطائف، وأن تصل عائداته إلى أكثر من 10 ملايين ريال . وتحتضن المحافظة التي تتربع على قمم جبال السروات أكثر من 2000 مزرعة للورد منتشرة في منطقتي الهدى والشفا والمخاضة وغيرها.
وقال محافظ الطائف فهد بن عبد العزيز بن معمر: إننا ماضون في تنفيذ خططنا للاهتمام بمهرجان الورد في الأعوام المقبلة، والعمل على تحديث فعالياته وبرامجه نحو الأفضل، بعد أن جعلنا شعاره من أجل هوية سياحية أكثر تألقاً. وأضاف: يكفي استحداثنا لفقرات تقام للمرة الأولى هذا العام.
ويعتبر مهرجان الورد الطائفي والذي تهتم الهيئة العامة للسياحة والآثار السعودية بتنظيمه مناسبة سنوية تجذب السائحين من مختلف مناطق السعودية، يحضرها المهتمون وكبار منتجي الورد وشركات العطور ومصانع البخور والدهون الشرقية من مختلف دول الخليج، ويرعاه الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز أمير منطقة مكة المكرمة، ويتم خلاله فرش أكبر سجادة من الورود والزهور.
ويقول محمد الثبيتي، وهو صاحب مزرعة للورد في الطائف: «نحن كمزارعين، مع أصحاب المعامل، نعرض منتجاتنا خلال المهرجان من الورد وماء الورد ودهن الورد، وباقي المنتجات مثل الصابون العطري والمنتجات التي يدخل الورد الطائفي في مكوناتها الرئيسية»، وأشار إلى أن هناك أكثر من 244 نبتة عطرية سيتم عرضها في المهرجان.
وعلى امتداد طرق وشوارع محافظة الطائف وضواحيها، يصطف الباعة لعرض الورد بصناديق بيضاء مصنوعة من الفلين، بجانب الفواكه والمحاصيل الزراعية الأخرى للأهالي والزوار وللمصطافين الذين يحرصون على اقتناء كميات منها في طريق عودتهم، تذكاراً لأيام سعيدة قضوها في عروس المصايف السعودية.
تخصص في الصناعة
وتشتهر خمس عائلات رئيسية، وهي: آل قاضي وآل كمال وآل قرشي وآل غريبي وآل صلحي، بتخصصها في صناعة دهن وماء الورد. وتسيطر هذه الأسر على حصة الأسد من إنتاج دهن وماء الورد المحلي. لكن ذلك لا ينفي دخول آخرين إلى هذه الصناعة، وإن كان إنتاجهم أقل كمية وجودة.
كما أن هناك معامل خاصة تعود ملكيتها لشخصيات اجتماعية مرموقة، ينحصر إنتاجها من دهن الورد على أصحابها فقط، والذين يقومون بتقديمها على سبيل الإهداء لمعارفهم وخواصهم في مواسم الإنتاج.
ويقوم البعض من المزارعين بتسويق الورد على أشكال ورود مختلفة بالأسواق المحلية، في ما البعض الآخر يقوم باستخراج مائه وعطره في المعامل المنشأة لهذا الغرض.
ويشتهر في الطائف حالياً نوعان من الورد، وهما: الورد القاني.. والورد الفاتح، الذي يعرف بين الناس في المنطقة باسم «ورد الطائف».
وعن عملية تسويق الورد وإقبال الناس عليه، قال فهد النمري، أحد الذين يملكون مصنعاً لاستخراج ماء الورد وعطره: «إننا نشتري ثمر الورد من المزارع بالألف وردة، والألف تساوي اثنين ونصف الكيلوغرام.
ويكون سعر شرائها من المزارع حسب كمية الإنتاج، فإذا كان موسم الورد ضعيفاً والكمية قليلة يكون السعر مرتفعاً، والعكس صحيح»، مشيراً إلى ازدياد الإقبال على ماء الورد وعطره، وبخاصة في شهر رمضان وفصل الصيف، حيث يباع ماء الورد طوال العام. أما عطره فتنفد كميته بسرعة نظراً للإقبال الكبير عليه، ولمحدودية إنتاجه، لأن «التولة» تحتاج إلى 13 ألف وردة.
وأشار إلى أن سعر القارورة من ماء الورد العروس يصل إلى نحو 50 ريالاً، والنوع الثاني وهو ماء الورد الثنو يبلغ سعر قارورته نحو 30 ريالاً، في ما سعر النوع الثالث واسمه السائر نحو عشرة ريالات، وثمن التولة الواحدة من عطر الورد نحو ثلاثة آلاف ريال.
أسطورة قديمة
وهناك خرافة أو أسطورة قديمة تقول إن الطائف هي في الأصل قرية شامية، حملتها الملائكة بثمارها وأشجارها وجبالها ومياها ووضعتها في هذه المنطقة المجاورة لمكة المكرمة.
ومن جهته، قال أستاذ التاريخ في جامعة الملك عبدالعزيز في جدة دكتور نايف العيسى: إن الكتب المتخصصة في تاريخ جزيرة العرب تذخر بالكثير من القصص عن منطقة الطائف، ففي واديها الشهير (وادي النمل) مرّ الملك سليمان بجنود من الجن والإنس والطير، وفيه حدثت قصة سماعه لصوت نذيرة النمل مستصرخة قومها بأن (ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون).
وأضاف يقول: «في أقصى جنوب مدينة الطائف بنى العرب أشهر أسواقهم (سوق عكاظ) ليجتمعوا فيه بحكمائهم وشعرائهم وفرسانهم، مع قوافل التجار المحملة بالخزّ والكتّان، والسّمن والعسل، وأطايب الطعام والشراب».
وفي الطائف سكن حبر الأمة عبدالله بن عباس ومحمد بن الحنفية رضي الله عنهما، وقبرهما فيها مشهور حتى الآن، ومن الطائف أيضاً خرج الحجاج بن يوسف الثقفي، إمام الطغاة المتكبرين في التاريخ البشري، والمغيرة بن شعبة الثقفي أحد دهاة العرب وقادتهم وولاتهم.
ويرى المؤرخون أن مدينة الطائف هي المقصودة في آخر دعوة لأبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، بعد أن استودع زوجته هاجر وابنها إسماعيل بجوار الكعبة قافلاً إلى أرض الشام قائلاً: (ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون).
وتشير الرواية إلى أن الله سبحانه وتعالى استجاب لدعوة إبراهيم «فأُمر جبريل الأمين بقلع قرية من الشام، فاحتملها من تخوم الثرى بعيونها وأشجارها ومزارعها، ثم طاف بها بالبيت (الكعبة)، ووضعها مكانها، فسميت الطائف».
الرياض ـ عبد النبي شاهين
