استقبل سكان مناطق الهضاب العليا الشرقية في الجزائر مطلع الربيع بالأفراح التقليدية التي ظلوا يقيمونها منذ قرون. وخرج مئات الآلاف في أكبر نزوح سنوي من مدن سطيف والبرج والعلمة وغيرها إلى الحقول والبساتين والمروج والبراري الواسعة المكسوة بالإعشاب والزهور، وتحلق الكبار والصغار، الذكور منهم والإناث في مجموعات للاحتفال في الهواء الطلق بالحدث السعيد الذي يتجدد كل عام.

وهو تقليد توارثته الأجيال ودأبت عليه العائلات بلا انقطاع. وحتى خلال فترة الاحتلال الفرنسي الحالكة «1830 ـ 1962» كان الناس في تلك المناطق يحتفلون بـ «شاو الربيع» كما يسمى محلياً أي مطلع الربيع، كونه واحداً من أهم أعيادهم وفأل خير لحلول السعادة.

ويركض الأطفال في كل اتجاه ليقطفوا أزهار النرجس رمز الربيع، وتغني الفتيات فرحاً، والجدات والأمهات يشرفن على توزيع الأكلات الخفيفة، وأهمها: «لبراج» وهي قرص من دقيق القمح الصلب يحشى بالتمر المعجون ويقسم إلى مربعات ومعينات تطهى في «طاجين» على نار هادئة، ويأكل الأطفال «القريصة» .

وهي قرص كسرة من القمح الصلب أيضاً عالي الجودة مطعماً بزبدة البقر، ولا يتم تحضيره إلا لهذه المناسبة. كما توزيع حبات البرتقال من النوع الجيد، والبيض المسلوق والحلويات من أنواع شتى.

وقالت الحاجة ساسية بن صفية وهي من مسنات ولاية البرج «لاستقبال الربيع نحضر أطباقاً تقليدية، وحلويات محلية ريفية بمواد ومكونات طبيعية، ولا يدخل في إعداد أطباق هذا اليوم أي مكون صناعي بما في ذلك السكر». وقالت «منذ صغري أتذكر أن المواد المستخدمة في إعداد الأكلات والحلويات تجلب من المواد المحلية، مثل زيت الزيتون ودقيق القمح والشعير والعسل وزبدة البقر والبيض واللحم المجفف المتبقي من كبش عيد الأضحى، ومعجون التمر أو الغرس».

ومنذ القدم كان الناس يخرجون للقاء الربيع في أول يوم جمعة مشمس من شهر مارس أو مغرس كما يسمى محلياً». وتأسفت بن صفية على اندثار عادة جميلة في هذه المناسبة وهي أداء صلاة الجمعة في الحقول، حيث لا تزال هناك القليل من القرى والبلدات فقط، متمسكة بهذه العادة الجميلة التي تزيد رونق احتفالات الربيع قوة وثراءً.

ويعتبر سكان مناطق الهضاب العليا الشرقية بداية كل ربيع ميلاداً جديداً للطبيعة، تنتعش فيه كل الكائنات الحية، إن كانت نباتاً أو حيواناً أو إنساناً، وكانت الشابات البالغات سن الزواج في القديم ينتظرن هذا الموعد بفارغ الصبر. ففيه تتم اللقاءات الحميمة لأسر العشائر والقرية، وفيها فقط يسمح لهن بمقابلة الشباب.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي