تتمتع المرأة التونسية بوضع قانوني لا مثيل له في العالم العربي، فمنذ صدور قانون الأحوال الشخصية الخاص بها في سنة 1956 والذي ينص على المساواة التامة بينها وبين الرجل، حفزها لتصبح طرفا فعالا في مجتمعها من كل النواحي، وليس مجرد صورة متحركة في حياة الرجل، وقد أظهرت دراسة إحصائية حديثة أن عدد النساء صاحبات الأعمال في تونس ارتفع إلى 18 ألف امرأة يشرفن على إدارة مؤسسات اقتصادية واستثمارية في مختلف المجالات.

وأضافت الدراسة التي أنجزتها الغرفة التونسية للنساء صاحبات الأعمال بالتعاون مع برنامج التحديث الصناعي وشملت عينة من 96 مؤسسة إن المؤسسات التي تديرها النساء صاحبات الأعمال تمتاز بديناميكية تفوق تلك التي يديرها الرجال، هذا فضلا عن تفوقها في العمل الإداري في المؤسسات الحكومية، إذ إن الحكومة التونسية عينت العديد من النساء في مناصب حساسة وفعالة من أعلى سلم الهرم الوظيفي الوزارة وتدرجت إلى آخر السلم الوظيفي.

كسرت قيود العبودية

تقول نزيهة بن عمار صاحبة مشروع مستقل في الصناعات التقليدية: إن المرأة في تونس انتفضت على الواقع الذي فرضه عليها الرجل وكسرت قيود العبودية التي وضعها لها الرجل، إذ كانت المرأة تعتبر مجرد ربة بيت خلقت لخدمة الرجل، وظلت تلك الصورة تتوارثها الأجيال، وما زالت المرأة في بعض الدول العربية تعاني من هذا التهميش الذي وضعها في آخر اهتمامات الرجل.

ومع أن المرأة العربية استطاعت أن تتفوق في كل المجالات الثقافية والاقتصادية والعلمية إلا أن الشوشرة التي يحدثها الرجل حولها لا تنتهي فالرجل اليوم يعتبر أن المرأة بسبب تكوينها الفسيولوجي «الحمل والولادة» غير قادرة على الالتزام الوظيفي أو المهني، بطريقة جيدة، إلا أن تلك الظروف الطبيعية لم تمنع المرأة من القيام بواجباتها المهنية بل بالعكس فهي تحمل وتلد وتربي وتهتم بالبيت والعمل معا والإحصائيات التي تظهر كل فترة وأخرى تفيد بأن المرأة العاملة استطاعت أن تتفوق في عملها ولم تثنها طبيعتها البيولوجية عن تقديم أفضل ما لديها.

وتقول نجيبة بسباس سيدة أعمال تونسية ومديرة شركة لصناعة السجاد الفاخر: لقد أثبتت المرأة التونسية كفاءتها في تحمل مختلف الأدوار التي توكل إليها، ولطالما شهد التاريخ لها بالنضال والمثابرة ففي التاريخ القديم لتونس لم يقتصر دورها على الرعي وخدمة الرجل فحسب، بل كان لها دورها الفاعل في محاربة الاستعمار الفرنسي والاحتلال الذي عانت منه تونس لسنوات عديدة.

ومنذ ذلك التاريخ استمدت المرأة قوتها وبدأت تنشط في مختلف الميادين، خاصة بعد تولي الرئيس التونسي زين العابدين بن علي مقاليد الحكم، حيث شرع في الاهتمام بالمرأة عبر إقرار جملة من القوانين التي تحميها وتحفزها نحو التطور، لإيمانه بأن المرأة نصف المجتمع.

واللافت أن المرأة في تونس تحتل المرتبة الأولى في التمثيل السياسي، وهو ما جعلها تحظى بقيمة مجتمعية توازي قيمة الرجل، كما أنني لا أعتقد أن المرأة تحب أن تعمل من باب الوجاهة الاجتماعية لأن هذه النظرة تغيرت الآن في المجتمعات العربية، فعمل المرأة في الدول النامية، تعدى مرحلة الوجاهة بخطوات، حيث أصبح حاجة ملحة لدى العديد من الأسر، بسبب المشاكل الاقتصادية التي تعاني منها الدول غير النفطية.

متعددة الوظائف

وتقول مفيدة بن جمعة صاحبة مشروع ضخم لصنع أدوات الزينة: إن المرأة في تونس لا يقتصر وجودها على وظيفة معينة دون أخرى، فهي اليوم تقود التاكسيات والحافلات وتخدم في الجيش وتعمل في الورش الصناعية، ومصانع النسيج، أي أن عمل المرأة لا يقتصر على وظائف معينة.

بل أصبحت تقتحم كل المجالات التي تجد أنها قادرة على المساهمة فيها، والمرأة التونسية يدعمها القانون إن كانت في العمل أو داخل أسرتها حتى لا يهدر حقها ويضيع تحت طائلة الرجل الشرقي الذي بات يتقبل حقوق المرأة مجبرا.

كما أن معايير النجاح في المجتمع تقاس بالنتائج الإيجابية للعمل لا بجنس العامل إن كان ذكرا أو أنثى، ومن وجهة نظري أننا اليوم في تونس لم نعد نعتبر أن وجود المرأة بشكل فاعل في المجتمع معجزة يجب التحدث عنها، بل هو واقع نعيشه بكل بساطة وتقبل، لأننا تعودنا وجود المرأة في قلب المنظومة المجتمعية الحديثة.

الرجل وخريطة المرأة

وتتساءل ناجية البريكي مديرة قسم المبيعات في شركة للصناعات التقليدية عن موقع الرجل في المنظومة الاجتماعية اليوم بقولها، أين يقف الرجل الآن خلف المرأة أم بجانبها أم هو حائط صد يقف أمامها؟ ففي أغلب المجتمعات العربية نجد أن فكرة عمل المرأة وتصدرها لأهم الوظائف باتت عائقا أمام الرجل.

وتستمد المرأة قوة شخصيتها من خلال مدى إيمان الرجل بها، وقوة شخصيته في دعمها، وفتح مجال العمل أمامها، وكلما كان الرجل مثقفاً كانت العملية أسهل في التقبل، وبتنا اليوم نرى أن أكثر الرجال في تونس يساعدون زوجاتهم وأخواتهم وبناتهم على التفوق، إن كان في الدراسة أو في العمل، وذلك دليل على السياسة الرشيدة التي تنتهجها بلادنا منذ فجر التغيير.

مساهمة المرأة في مجتمعها هو ثقافة وتطور وانفتاح نحو أجيال تتربى على احترام المرأة والاعتراف بفضلها كطرف فعال في بناء مجتمع قوي وصلب، وفي المقابل يجب أن نعترف بأن المرأة التي اختارت أن تكون عضوا فاعلا في مجتمعها تكثر عليها المسؤوليات من كل الجهات.

، فتكون مثقلة بشؤون الأسرة والعمل في ذات الوقت لأن الرجل لم يتقبل بعد فكرة مساعدة المرأة في البيت كما تساعده هي ماديا خارج البيت من خلال عملها، فالمرأة أصبحت مطالبة بأن تكون عاملة داخل بيتها وخارجه بنفس القيمة والاهتمام وهذا فقط ما أراه عائقا لتطور المرأة في عملها.

يد في المطبخ وأخرى في الكمبيوتر

المرأة دفعت ثمن حريتها بشكل عنيف برأيي، هذا ما تقوله الأستاذة في الفلسفة لمياء بن كيلاني وتضيف: منذ فجر التاريخ كانت المرأة توصف بربة البيت التي تقتصر وظائفها على الحمل والولادة ومن ثم تربية الأطفال والطبخ والكنس وغيرها، ومع تطور العالم تطورت حقوق المرأة فدخلت للمدارس وتعلمت ونالت شهادات عالية أهلتها لتولي مناصب مهمة، ومهما علا شأنها إلا أنها تبقى صورتها في ذهن الرجل أنها ربة البيت المسؤولة عن الطبخ ورعاية الأسرة.

فأصبحت مطالبة من المجتمع بأن تكون مثالية في وظيفتها التي أهداها لها المجتمع من باب الاعتراف بقيمتها، ومثالية في بيتها الذي أسسه لها الرجل، وكلما تكاسلت عن فعل شيء يذكرها ذلك الرجل بأنه هو صاحب الفضل عليها، إذ سمح لها بالخروج والعمل في المجتمع.

وهكذا أصبحت المرأة تقوم بوظيفتين شاقتين: واحدة من أجلها ومن أجل المجتمع، والأخرى من أجل الرجل، مع العلم أن المرأة تحاول جاهدة تغيير تلك الصورة النمطية التي رسمها لها الرجل حول التشكيك في إمكانياتها الوظيفية، فتقوم بمجهود مضاعف محاولة منها لإثبات نفسها، ولذلك أصبحت الإحصائيات تشير اليوم إلى تفوق المرأة الموظفة على الرجل، كما أن للفتيات نصيب الأسد في التعليم اليوم بتشجيع من المجتمع والأسرة.

ويجب أن يعي المجتمع أن حرية المرأة تلك أثقلت كاهلها، لأن الرجل لا يريد أن يتقاسم معها مسؤوليات الأسرة، ويعتكف عن المساعدة بحجة أنه رجل، والرجل لم يتربَّ على القيام بمهمات البيت والأولاد.

ضغوط اجتماعية

تعاني المرأة اليوم من ضغوط اجتماعية عديدة، هذا ما تقوله الآنسة سندة بن يوسف، موظفة حكومية، وتضيف:«صحيح أن المرأة في تونس لم تعد تبحث عن حقوق قانونية أو دستورية لضمان حقها، ولا عن تشريع يضمن لها حرية التنقل والعمل والتعليم.

ولا عن أشياء عديدة أصبحت حقا مكتسبا لدى المرأة التونسية منذ ضمن القانون والدستور ومجلة الأحوال الشخصية حق المرأة، ولكن المشكلة تكمن في المسؤوليات العديدة التي أصبحت توكل للمرأة داخل الأسرة وخارجها، فهي في صراع دائم لإثبات نفسها وجدارتها حتى لا يقول الرجل إنها لا تصلح إلا للبيت..

والمطلوب اليوم من الرجل الذي اعترف بحقها في المساواة والتعليم والعمل، أن يعترف بحقها في الحياة ويتقاسم معها الواجبات الأسرية من رعاية الأولاد والبيت، حتى يقوم كل الأطراف بواجباتهم نحو المجتمع من دون أن يثقل كاهل المرأة بآلاف الطلبات والالتزامات، بينما يقف هو بصورة ذلك الشامت الذي يستمتع برؤية التعب في عيون شريكته في الحياة».

تونس ـ ضحى السعفي