قامت حروب كثيرة في التاريخ على خلفية النزاعات الحدودية. لكن هذا العامل «الحدودي» في نشوب النزاعات يتضاءل في السياق الدولي الراهن، حيث تتقاسم العالم نحو 200 دولة، تربطها معاهدات ومواثيق وقوانين دولية. كما أن العولمة جعلت الحدود «غير مرئية أكثر فأكثر». لكن مقولة ل«كل شعب أرضه» كانت بالمقابل مصدر تفكك بعض الدول من الداخل مثل يوغسلافيا السابقة.

إن تجارب التاريخ ودروس الواقع القائم، تدل على أن الأمم عندما تكون قوية تنزع نحو تأكيد مكانتها، بل و«تفوقها» في العالم. هكذا كان حال روما الإمبراطورية، وفرنسا لويس الرابع عشر ونابليون، وألمانيا هتلر في الأمس، وحال الولايات المتحدة اليوم. إيجاد الحجج لمثل هذا المشروع في الهيمنة سهل باسم «تحضير» الآخرين وإخراجهم من «الهمجية». لكن «النزوع» نحو العدائية قد يكون أيضاً على خلفية «الإحساس بالمهانة» أو ب«الانحطاط» وفقدان المرتبة «بين الأقوياء». بكل الحالات تبقى الدولة «ذات السيادة» هي إحدى الأدوات في تعزيز النظام الدولي، لكن عليها أن تواكب «الحداثة» أو تتقهقر سريعاً. تبيّن دروس التاريخ استعداد البشر للتضحية بحياتهم من أجل الدفاع عن ترابهم الوطني. لكن شبح الحروب نفسها تلاشى في القارّة أوروبا بعد مجزرتي الحربين العالميتين. والمدارس في أوروبا لم تعد تعلّم الأطفال «روح الوطنية»، ولكن بالأحرى «روح الإخاء». بل إن الخدمة العسكرية الإلزامية أخلت المكان للجيوش المحترفة المكلّفة غالباً بمهمّات دولية. بالمقابل يدور الصراع في مناطق كثيرة من العالم من أجل الأرض، كما بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وكذلك بين الروس والشيشان وبين الهنود والباكستانيين. ثم إن الحربين العالميتين قامتا على خلفية الصراع على الحدود، حيث كانت أوروبا هي الرهان، بل العالم كله كان هو الرهان. فلمن يعود هذا العالم؟ كان ذلك هو السؤال آنذاك.

مع ذلك يرى مؤلف هذا الكتاب أنه في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين، تقاطعت عدة تطورات كي تجعل النزاعات الحدودية صعبة ولا طائل منها. فأولًا هناك نوع من التحديد الثابت لأراضي الدول، حيث تتقاسم العالم نحو 200 دولة (192 دولة عدد الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة عام 2009). هذه الدول، أو على الأقل السواد الأعظم منها، يجمع بينها عدد من المواثيق والمصالح تؤكّد عدم المساس بترابها الوطني وعدم استخدام القوة لتغيير الحدود واحترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. لا شك أن ضمان عدم المساس بالحدود من قبل الأمم المتحدة ليس كاملًا، ولا شيء يسمح بالقول إن هناك ما هو مكتسب نهائي وكامل في إطار النظام الدولي. هكذا أثارت روسيا في عام 2008 انفصال مقاطعتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية عن جورجيا. الدول الأخرى كلها اكتفت بمراقبة ما يجري وعدم الاعتراف باستقلال الكيانين الجديدين. بالمقابل لم تقم روسيا بضمهما، «لم تتجرأ على ذلك»، كما يقول المؤلف.

التطور الثاني هو أن الحدود غدت تقريباً «غير مرئية». فبعد الحرب العالمية الثانية أدى تقليص الحواجز والرقابات من قبل الدول إلى جعل الحدود «افتراضية» أكثر فأكثر. ثم إن تعاظم التبادل التجاري وغيره، يفرض عمل أي شيء من أجل تسهيل الانتقال. مع ذلك لا شك أن الحدود سوف تبقى قائمة طالما أن هناك دولًا موجودة تتقاسم الأرض. والتطور الثالث هو أن الدول نفسها تقبل بكامل إرادتها الخضوع لمئات المعاهدات المبرمة بينها، وبرقابة المؤسسات ذات الطابع الدولي، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، بل وحتى المنظمات غير الحكومية لنشاطاتها. بالمقابل قد لا يكون بمقدور أي شعب أن يوجد ويستمر دون وجود أرض يعترف له الآخرون بأنها أرضه (ربما باستثناء الغجر). وحدود أي بلد هي «بيت» الذين يعيشون بداخلها والمساس بها يستدعي «الثأر». يذكر المؤلف في هذا السياق تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وما تلاها من ردود أميركية.

«لكل شعب أرضه إذاً». مثل هذه المقولة تتكرر وقد يترتب عليها تفكك الدول داخل حدودها. هذا ما حدث عام 1991 بحالة يوغسلافيا السابقة عندما حصلت شعوبها من سلوفينيين وكرواتيين وصربيين على «وطن» لكل منها.

لكن هذا لا يمنع واقع أن هذه الكيانات نفسها تعرف حالة من عدم التجانس الإثني والمذهبي على غرار يوغسلافيا السابقة، فالبوسنة والهرسك فيها بوسنيين (مسلمين) وصربيين (أرثوذكس) وكرواتيين (كاثوليك)، ونفس التنافر، بدرجات متفاوتة، تعرفه الكيانات الأخرى.

أمم عدائية بطبيعتها؟

يحفل التاريخ بالأمم التي اقتنعت ذات يوم بأن العالم يعود لها. الأمثلة التي يضربها المؤلف تذهب من بلاد فارس سابقاً وحتى روما القديمة، ومن فرنسا لويس الرابع عشر ونابليون، حتى الولايات المتحدة الأميركية. مثل هذه الشعوب «العدائية» والطامحة إلى توسيع حدودها أثارت الاضطراب في المنظومات السائدة في زمنها.

ويسأل المؤلف: لماذا تكون أمة ما عدائية؟ وهل يمكن لهذه النزعة العدائية، مصدر الكثير من الحروب، أن تحمل السلام؟ وهل يمكن لمثل هذه النزعة أن تزول أو يتم شطبها من النظام الدولي؟ الملاحظة الأولى التي يقدمها المؤلف في معرض الإجابة عن هذه الأسئلة هي أن النزعة العدائية لدى الأمم، كما لدى الأفراد، لا يمكن عزلها عن تطور المعنيين فيها وتاريخهم.

إن الشعوب التي تجمع مواصفات القوة من مساحة كبيرة، وعدد سكان مهم، وثقافة نشيطة، تؤكد مكانتها كما حدث لألمانيا في عهد غيّوم الثاني، ثم في عهد أدولف هتلر. والولايات المتحدة الأميركية فرضت نفسها كقوة عظمى على قاعدة تدخلاتها «الحاسمة» في الحربين العالميتين. ثم إن الأمم الصاعدة تجد بسهولة الحجج الممتازة من أجل تأسيس أو تبرير توسعها.

ومن بين هذه الحجج القول ب«تفوّق» مجتمعها أو القناعة بأنها مكلّفة بمهمة لدى «المتوحشين»، الذين لا حظ لهم في الخروج مما هم فيه من جهل وتخلف سوى قدوم الفاتحين «المتمدّنين». وكان المستعمرون يرددون خلال التاريخ كله أنهم حملة حضارة لأولئك الذين يستعمرونهم.

النزعة العدائية القائمة على القوة تقابلها نزعة عدائية أخرى قائمة على «الإحساس بالمهانة». والشعوب التي يخامرها مثل هذا الإحساس تبحث دائماً عن الثأر. ألمانيا أهانها المنتصرون من الأوروبيين في الحرب العالمية الثانية، والصين في عهد ماوتسي تونغ أرادت الثأر ل«إمبراطورية الوسط» التي مزّقها الأوروبيون في القرن التاسع عشر.

الإحساس بالانحطاط

ويتحدث المؤلف عن نزعة عدائية ثالثة مصدرها «الإحساس بالانحطاط». ذلك أن الشعوب التي تصيبها «الشيخوخة» وتخسر سلطتها يعتريها الغضب، وقد «تخرج مخالبها». يتم هنا عرض مثال فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث قاتلت من أجل عدم ضياع الهند الصينية، ثم من أجل عدم ضياع الجزائر. ثم إن روسيا لم «تهضم» أبداً زوال الاتحاد السوفييتي، وهي لاتزال تريد حتى الآن فرض نوع من «الهيمنة الإمبريالية الجديدة» في منطقة الجوار.

ويميّز المؤلف بين النزعة العدائية «الخطيرة» عندما لا تستطيع فرض إرادتها ولا يترتب عليها سوى سفك الدماء وإشاعة المآسي، وبين النزعة التي تتواكب مع قوة لها مصداقيتها. النزعة الأولى تجد تجسيدها في اليابان التي أرادت تشييد إمبراطورية استعمارية في الصين خلال ثلاثينات القرن الماضي ففشلت.

وصربيا في عقد التسعينات المنصرم، عندما أراد سلوبودان ميلوزفتش إقامة صربيا الكبرى، لكنه فشل هو الآخر في إخضاع المكوّنات الأخرى ليوغسلافيا السابقة من كرواتيين وبوسنيين وكوسوفيين.

أما النزعة الثانية التي تسهم في صياغة منظومات تعزز النظام الدولي، فتجد الأمثلة عليها في روما الإمبريالية، وإنجلترا في العهد الفيكتوري، والولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى مطلع القرن الحادي والعشرين.

الدولة والسيادة والديمقراطية

ترافقت نهاية الحرب الباردة بالإعلان عن نهاية «الدولة ذات السيادة» أيضاً مع تلاشي الحدود وانتصار السوق. لكن بعد أقل من عشرين سنة ومع انطلاق الأزمة المالية العالمية الراهنة منذ خريف 2008، «عادت الدولة» كأداة ضبط لابد منها بالنسبة للسوق ووسيلة لتأمين التضامن الاجتماعي، من جهة أخرى.

لكن الدولة هي بالتعريف الذي يقدمه المؤلف «أداة من أجل الحرب»، وقامت في خضمّ الحرب وبسبب الحرب، ذلك تحديداً في أوروبا، حيث تشكّلت الدولة الحديثة تدريجياً منذ العصور الوسطى.

لكن هذا النتاج «التاريخي» عرف تحولات كبيرة حديثاً بفعل مؤثرات متنوعة ؟ المؤتمر الأول هو «عولمة الدولة»، حيث تتقاسم نحو 192 دولة العالم اليوم. لكن هذه الدول بينها ما هي قديمة وعمرها قرون وبينها ما هي حديثة. بكل الحالات يرى المؤلف أنه من واجب المجموعة الدولية تقوية بنية الدول.

ذلك على أساس أن الدولة هي بمثابة الأداة الاجتماعية الأكثر ملاءمة لتنظيم عملية الاندماج للسكان المعنيين في النظام الدولي. ويحدد المؤلف أهمية بناء الدولة بالنسبة لبلدان مثل أفغانستان والعراق اليوم.

المؤشر الثاني في تحوّل دور الدول يتم تحديده ب«تدويل العلاقات بين الدول»، حيث ترتبط الدول «ذات السيادة» بمواثيق ومعاهدات مع الدول الأخرى. ومن حق الدولة «ذات السيادة» أن تنقض ما أبرمته من مواثيق، لكنها تدفع ثمن ذلك غالياً، بسبب ما يثيره من حذر في الخارج وهرب للمستثمرين في ظل «عدم الوضوح» في سلوك الدول.

وما يتم تأكيده هو أن الدول «لن تتحلل»، ولكنها تعرف دائماً تحولاّت «تجدد شبابها»، من خلالها بين الحين والآخر. هذا لا يمنع التركيز على القول إن «الدولة ـ القلعة» قد يكون مصيرها الزوال. ثم إن المجتمعات الحديثة محكوم عليها بالتطور وبمواكبة التقدم العلمي والتكنولوجي.

وإذا توقفت «في الطريق» بفعل الإنهاك أو «غضباً»، فإنها سوف تتقهقر سريعاً. بكل الحالات تبقى الدولة هي إحدى الأدوات التي يعتمد عليها النظام الدولي.

الديمقراطيات لا تمنع الحروب

والديمقراطية هل هي عامل في تعزيز النظام الدولي أم في الحرب؟ يسأل المؤلف، وينقل في معرض الإجابة قول الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون إن «الديمقراطيات لا تمنع الحروب». وهذا ما يعلّق عليه بالقول إن الولايات المتحدة، الديمقراطية الكبرى، أظهرت عدائيتها الكبيرة عندما أحسّت بأنها مهددة.

وهكذا كانت الحرب على أفغانستان والإطاحة بنظام طالبان، ثم الحرب على العراق واحتلاله عام 2003. وبالتالي لا يسأل المؤلف من جديد: هل الديمقراطية تعني السلام؟

ويشرح المؤلف أن «يافطة» الديمقراطية تدل على «سلع متنافرة» منذ أثينا القديمة وحتى الديمقراطيات «الشعبية» في المعسكر السوفييتي السابق، والديمقراطيات الغربية «العريقة» في الولايات المتحدة وإنجلترا وفرنسا وحتى الهند، أكبر ديمقراطية في العالم اليوم.

ثم إن سنوات 1989-2009 تؤكّد أن انتشار الديمقراطية لا يعني السلام، وكل تجربة ديمقراطية لها خصوصياتها. وبمقدار ما تقترب الديمقراطية من المساواة تغدو عاملاً في صنع السلام. فالتباينات الكبرى هي «أم كل النزاعات».

اضاءة

يتحدث المؤلف عن نزعة عدائية مصدرها «الإحساس بالانحطاط». ذلك أن الشعوب التي تصيبها «الشيخوخة» وتخسر سلطتها يعتريها الغضب، وقد «تخرج مخالبها». يتم هنا عرض مثال فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث قاتلت من أجل عدم ضياع الهند الصينية، ثم من أجل عدم ضياع الجزائر. ثم إن روسيا لم «تهضم» أبداً زوال الاتحاد السوفييتي، وهي لاتزال تريد حتى الآن فرض نوع من «الهيمنة الإمبريالية الجديدة» في منطقة الجوار.

المؤلف في سطور

يعمل فيليب مورو دوفارج، مؤلف هذا الكتاب، أستاذاً في معهد الدراسات السياسية العليا بباريس. وهو أحد الاختصاصيين الفرنسيين ذوي الشهرة العالمية بميدان العلاقات الدولية. وهو كذلك أحد مديري تقرير «رامسيس» السنوي، الذي يصدره المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية القريب من وزارة الخارجية. كما يسهم المؤلف بالكتابة في عدد من الدوريات المختصّة بالدراسات ذات الطابع الاستراتيجي الدولي.

الناشر: أرمان كولان -باريس- 2009

عدد الصفحات: 160 صفحة

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف