شكّل انهيار جدار برلين في خريف عام 1989، ثم تفكك الاتحاد السوفييتي عام 1991، أهم منعطفين عرفهما القرن العشرون. لقد انتهت بذلك حقبة الاستقطاب الثنائي الدولي، وبدأت حقبة «عالم جديد» يصفه مؤلف هذا الكتاب بأنه كان «موحّداً أكثر» و«مبعثراً أكثر» في الوقت نفسه، قياساً بالعالم الذي كان قائماً في أثناء فترة الحرب الباردة.

هذا «العالم الجديد» ترتسم ملامحه تبعاً لآليات مستجدّة في مقدمتها تفكك «مجموعين» كبيرين، يمثل الأول منهما المعسكر الاشتراكي السابق وعودة بلدان أوروبا الشرقية الوسطى إلى الإطار الأوروبي أو الأطلسي. و«المجموع الثاني» يتم تحديده بمجمل بلدان الجنوب التي التحقت باقتصاد السوق عامة وتبنّت نمط المجتمع الاستهلاكي. وآلية مستجدّة أخرى تتمثل في تسارع الحداثة وما يقابل هذا من محاولات الحركات المتزمّتة صدها، لكن آلة الحداثة تتقدم ويتقدم معها مطلب المساواة لدى الأشخاص والمجموعات والدول والثقافات، ما يشكّل معطى جديداً في قواعد «اللعبة الدولية». وإلى جانب تشرّب جميع مناحي الحياة، وليس الاقتصاد فقط، للعولمة، لاتزال هناك بعض بؤر التوتر في العالم. في المحصلة يبقى مطلوباً من الجميع عدم نسيان أن مستقبل الإنسانية واحد.. وأن الثقافات تتفاعل ولا تتحارب.

كان سقوط جدار برلين أحد أهم المنعطفات التي عرفتها أوروبا وعرفها العالم خلال القرن العشرين. فاعتباراً من خريف عام 1989 انهارت الأنظمة الشيوعية السابقة في أوروبا الوسطى والشرقية، وكأنها مجرّد قصور من ورق. وفي عام 1991 كان انهيار طليعة المعسكر الاشتراكي السابق وزعيمه، أي الاتحاد السوفييتي أمام أنظار العالم ومسامعه، وبقدر كبير من اللامبالاة العامة.

هكذا كان القرن العشرون «قصيراً»، على اعتبار أنه بدأ مع قيام الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، وانتهى بسقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991. وكان الطابع الأساسي لهذا القرن، كما يحدد مؤلف هذا الكتاب القول، هو الصراع بين «الرأسمالية الديمقراطية» و«النظرية الطوباوية الماركسية - اللينينية».

ومع نهاية المعسكر الاشتراكي بدأت حقبة جديدة من تاريخ العالم، ليعلن معها الباحث الأميركي فرنسيس فوكوياما أطروحته عن «نهاية التاريخ»، بعد الانتصار الحاسم والأبدي لليبرالية على الاشتراكية. وبالتالي سيادة القيم الليبرالية واقتصاد السوق ومعهما السلام الدائم والازدهار الاقتصادي والديمقراطية.

وبعد عشرين سنة فقط من انهيار جدار برلين، يبدو العالم في عام 2009 «موحّداً أكثر» من جهة و«أكثر تبعثراً» من ذلك العالم الذي كان يسود في ظل الاستقطاب الثنائي الدولي من جهة أخرى. ويحدد المؤلف خمس آليات كبرى يرتسم على أساسها هذا العالم الجديد.

الآلية الأولى تتمثل في تحلل «مجموعين» إقليميين وليس «مجموعاً» واحداً خلال العقدين المنصرمين.

«المجموع الأول» هو الذي كانت تشكله الكتلة السوفييتية السابقة. ذلك أن دول أوروبا الوسطى والشرقية ما إن تحررت من هيمنة موسكو حتى خفّت لـ «الالتجاء» إلى الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي ومختلف الشبكات الدولية.

و«المجموع الثاني» الذي تحلل كان أكثر ضخامة، حيث ضمّ القسم الأعظم من بلدان الجنوب من آسيا (الصين والهند). حتى أميركا اللاتينية (البرازيل والمكسيك). هذه الدول التحقت أيضاً بدورة التجارة العالمية الحرة، واستقبلت المستثمرين الدوليين وكدّست شيئاً فشيئاً مليارات الدولارات، وانضم مئات الملايين من العاملين الجدد إلى سوق العمل الدولي «المعولم».

تسارع انتشار الحداثة

والآلية الثانية تتمثل في تسارع انتشار الحداثة، على خلفية تفكك «قلاع الاقتصاد المخطط». وسادت نزعات البحث عن حياة أفضل، وعن الاكتفاء الفردي والنجاح وتحرر الأقليات. ويؤكد المؤلف في هذا الإطار أنه ليس هناك أي جزء من العالم بمنجاة من هذه الظاهرة، وأن الحركات المتطرفة والمتزمتة التي تقول إنها تبحث عن إحياء العصور الذهبية لا تمثل سوى محاولات ميئوسة لصد الحداثة. بل ويؤكد المؤلف أن هذه الحركات نفسها متأثرة بالحداثة.

لكن الحداثة نفسها لا تجلب إنسانية يغمرها السلام، وتتأسس فقط على العقل والعقلانية، كما يشير المؤلف الذي يؤكد أنها حملت معها، على العكس، الكثير من التوترات. ذلك بصورة بروز هويات «مفبركة» وغير مستقرّة، ونزعات قومية ضيّقة وفرق وصرعات من كل نوع. هذا كله بالإضافة إلى ولادة حركات احتجاجية ذات طابع دولي.

والآلية الثالثة تجسدها المطالب المتزايدة بالمساواة. هذا في مسيرة مستمرة منذ زمن الثورات في نهاية القرن الثامن عشر. الأشخاص والمجموعات والدول والثقافات تتزايد مكانتها داخل المجتمعات كما داخل النظام العالمي. والعلاقات بين الدول تغدو أكثر ديمقراطية وأكثر مساواة. والقوى الكبرى مهما علا شأنها تجد نفسها مدعوة لاحترام القواعد النافذة.

والدول «الصغيرة» محميّة من الاعتداء عليها في إطار المساواة، والمحاكم الدولية المكلّفة بمعاقبة الدول التي تخرق القوانين تتكاثر. نتيجة هذا كله هي أن مطلب المساواة يُحدث نوعاً من الثورة في اللعبة الدولية.

الآلية الرابعة هي أن العولمة ليست اقتصادية فقط، ولكن تتشرّب منها جميع شرائح الحياة الاجتماعية. وكان التداخل الدولي على صعيد المؤسسات قد تعزز منذ الحربين العالميتين، خاصة عبر قيام منظمة الأمم المتحدة، كما تعزز على الصعيد الإقليمي على غرار الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي. وتداخلت العلاقات الدولية في منظور حفظ السلام والأمن خاصة، كما يتنامى إدراك ضرورة المشاركة في تسيير الثروات الكونية وإيجاد قواعد ضبط يحترمها الجميع.

أما الآلية الخامسة في ارتسام العالم الجديد فيحددها المؤلف في استمرار بعض بؤر التوتر في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز ومنطقة البحيرات في إفريقيا، حيث تتصارع الطوائف والإثنيات، والأمم داخل حدود الدول أو من أجلها. وفي المحصلة يشكّل العالم في مطلع هذا القرن الحادي والعشرين منطقة واحدة للتجارة والمنافسة.

بل ويوجد نوع من «المجتمع العالمي» في إطار مجموعة من المواثيق، وفي منظومة الأمم المتحدة ضمن صلاحياتها المحدودة. وتبرز هنا أسئلة من نوع «هل يستتب أخيراً السلام الدائم؟ وهل يمثل هذا السلام معنى بالنسبة للإنسانية؟ وهل خبت الحرب أم أنها قد تنبعث من جديد؟ حرب أم سلام؟ أو حرب وسلام؟».

عالم أكثر سلاماً

تداخل عمل الدول في ظل العولمة بفضل تجارة السلع والمنتجات أو المعاملات المالية أو انتقال الأفكار وأنماط العيش. وتنامى عبر هذا كله إحساس البشر بأنهم ينتمون إلى النوع الإنساني نفسه. وساعدت التكنولوجيات على تقليص الزمان والمكان. أما النزاعات التقليدية والصراعات من أجل الحدود والمنافسات العقائدية أو الإيديولوجية تبدو كلها صغيرة، أو انتحارية، أمام أولوية أساسية هي تأمين بقاء البشر في شروط حياة طبيعية.

لكن المجتمعات في القرن الحادي والعشرين لاتزال أولوياتها تتباين، بل وتتعارض أو لا تمكن المصالحة بينها. ويشير المؤلف إلى أن بلدان الجنوب التي تواجه زيادة كبيرة في سكانها بحاجة إلى تنمية حقيقية للخروج من حالة البؤس.

ثم تأتي بعد ذلك مسألة حماية البيئة وسخونة المناخ. الأمر مختلف بالنسبة لبلدان الشمال الغنية، أي للغرب عامة، حيث تسود القناعة أن اختلالات المناخ بسبب التصنيع يمكنها أن تؤدي إلى كوارث إذا أضيف لها تصنيع الجنوب بحثاً عن التنمية. المشكلة يطرحها المؤلف عبر الأسئلة التالية: كيف يمكن إقناع بلدان الجنوب بتبنّي خطط تنمية مستدامة ولكن خاضعة للسيطرة؟ وكيف يمكن أن تتم مثل هذه التنمية؟

وإذا كان الغرب يريد فعلًا تشجيع تنمية مستدامة في الجنوب، ألا ينبغي عليه أن يقدّم الأموال المطلوبة وتحويل التكنولوجيات التي تسمح بالوصول إلى تنمية نظيفة؟ وهل يريد الغرب.

وهل يستطيع إذا أراد، أن يؤمّن رؤوس الأموال الضرورية في وضعه المأزوم؟ وسؤال جوهري عن خلفية الأسئلة السابقة كلها: في حالة انغلاق الجنوب والشمال، باسم التنمية والمنافسة، وتخلّيهما عن أي اهتمام بيئي أو مناخي، ألن تنجم عن هذا حروب من أجل المواد الأولية الاستراتيجية مثل البترول والماء؟.

وحدوث مثل هذه الحروب يعني العودة إلى القاعدة المعروفة القائلة إن زيادة ثراء البعض تعني زيادة فقر الآخرين، وهذا يعني أيضاً، كما يشرح المؤلف، نسيان الإنسانية لمستقبل الأجيال القادمة، والاقتتال من أجل آبار البترول الأخيرة.

وبكل الحالات يبقى امتلاك أرض وحدود وصونها والدفاع عنها أمام أطماع الآخرين شاغلاً حقيقياً لدى مختلف الدول والشعوب. وجميع القارات ستعرف نزاعات من أجل الحدود.

القوانين الدولية النافذة تمنع المساس بحدود الدول، وتمنع اللجوء إلى استخدام القوة من أجل تغييرها. لكن هذه القوانين نفسها تشجّع، من جهة أخرى، على تفجّر الدول من الداخل على قاعدة حق كل شعب، مهما صغر، في أن يكون له مجاله السياسي الخاص به مثل الباسكيين والكورسيكيين والكوسوفيين والشيشان والأكراد وغيرهم.

ثم إن النزاعات التي نشبت في فترة ما بعد الحرب الباردة في يوغسلافيا السابقة والقوقاز، كان لها كلها تقريباً سبب واحد هو وجود عدة شعوب أو إثنيات أو أمم تتنازع أو تتحارب من أجل السيطرة على الأرض نفسها.

الأرض صغيرة وسكان العالم يتزايدون والتكنولوجيات قلّصت الزمان والمكان، وبالنتيجة غدا البشر واقعياً، أكثر قرباً من بعضهم بعضاً، الأمر الذي سوف تكون له آثاره. وليس مستبعداً، كما يرى المؤلف، أن يسهم في نشوب نزاعات بل حروب. إن أوروبا وصلت إلى نوع من السلام بعد حربين عالميتين. وساعد على ذلك «وصاية» قوتين كبيرتين هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق. كما ساعد على ذلك خاصة قيام السوق الأوروبية المشتركة، التي دفعت إلى تجاوز الصراع على حدود الدول.

هل تحارب الثقافات؟

نال المفكر الأميركي صموئيل هنتنغتون شهرة عالمية، على أساس أطروحاته في كتابه الشهير «صِدام الحضارات»، والتي قال فيها إن الحروب المقبلة ستكون بين الحضارات والثقافات.

ما يشير إليه المؤلف هو أن مقولة تحطيم الثقافات الأكثر قوة للثقافات الأكثر ضعفاً ليست جديدة. وكان الفرنسي بول فاليري والألماني أوزوالد شبنغلر قد قالا، على خلفية الدمار الذي أحدثته الحرب العالمية الثانية آنذاك، إن أوروبا سوف تتدمّر بسبب النزعة المادية الأميركية، كما بسبب الطبقات العاملة الآسيوية والإفريقية.

ويشرح المؤلف أن الثقافات ليست كيانات جامدة لها حدود ثابتة، بل هي على العكس تتحلل وتعيد تركيبها من جديد، وتتحوّل باستمرار عبر التفاعل مع الآخرين. وما يتم تأكيده هو أن الثقافات الإسلامية لا تشذّ عن هذه القاعدة. وليس هناك أي شعب في العالم لم يواجه «صدمة» حضارة الاستهلاك. لكن هذا لا يمنع واقع وجود ثقافات تقليدية تتمرّد ضد الثقافة الغالبة، الغربية في السياق الراهن، والأقليات داخل الدول تحتج على هيمنة الإيديولوجيات التي تحاول الأغلبيات فرضها.

فهل نحن اليوم أمام تعميم نمط ثقافي واحد أم أمام تجزئة ثقافية. الاثنان معاً، يقول المؤلف، مع «التداخل» بينهما. ففي عالم ينتقل كل شيء فيه أكثر فأكثر وبسرعة أكبر فأكبر، يتمازج البشر. والنزاعات المتفرقة هنا وهناك ليست بين ثقافات، وحيث ليس هناك أية حضارة أو ثقافة «كان قد تحدث عنها صموئيل هنتنغتون»، وحتى الغربية، تشكّل مجموعاً مزوّداً ببنية وبرئيس. والعلاقات بين الدول تحددها المصالح وليس الثقافات، كما ينتهي المؤلف إلى القول.

تأليف: فيليب مورو دوفارج

الناشر: أرمان كولان -باريس- 2009

عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف

عدد الصفحات: 160 صفحة