أكد رئيس الوزراء اليمني علي مجور في مقابلةٍ مع «البيان» أن البطالة والفقر وضعف البنى التحتية التي وصفها ب«التحديات الرئيسية التي تواجه اليمن»، أوجدت «بيئة ملائمة للتطرف والإرهاب» في بلاده، مشيراً إلى أن المتطرفين يتمركزون في مناطق نائية.
ولفت إلى أن الأصوات الانفصالية «ليست وليدة معاناة المتقاعدين العسكريين كما تقول المعارضة، بل هي موجودة منذ الأعوام الأولى للوحدة»، مضيفاً أن حكومته «تعرضت لسيل من الانتقادات غير مسبوقة»، وكاشفاً عن «إشكاليات قانونية وإجرائية حالت دون استيعاب القروض والمنح التي حصل عليها اليمن خلال مؤتمر لندن الأول». كما أكد أن عمل لجنة وقف إطلاق النار مع الحوثيين «يسير بشكل ممتاز». وتالياً نص الحوار الذي ينشر بالتزامن مع مجلة «محطات» اليمنية:فيما يتعلق بمؤتمر الرياض الخاص بالمانحين لليمن، هل يمكن القول انه بمثابة نهاية الالتزامات المترتبة على مؤتمر المانحين في لندن العام 2006، وأن مؤتمر برلين سيكرس لإعلان التزامات مالية جديدة لليمن؟
مؤتمر الرياض جاء كحلقة مستمرة لاجتماع لندن الذي انعقد في نهاية شهر يناير الماضي، والذي دعت له الحكومة البريطانية ورئيس وزرائها غوردون براون والذي كرس لمناقشة التحديات التي تواجه اليمن.
وهذه التحديات هي التي أفرزت ظواهر التطرف والإرهاب حقيقة. التحديات التي توجد لدينا في اليمن، وهي تحديات الفقر والبطالة ماذا تتوقع من بيئة كهذه إلا أن تنمو فيها ظاهرة التطرف والإرهاب؟. وفي اجتماع لندن تم الوقوف على هذه المسألة والإقرار بأن هناك فعلاً ظاهرة للتطرف والإرهاب نتيجة لتفشي البطالة والفقر في اليمن.
وأوضح الوفد الذي رأسته هذه التحديات بشكل شفاف لم يسبق له مثيل. وقلت: إن التحديات الرئيسية أمام اليمن هي ضعف الموارد، كما نواجه مشكلة ارتفاع معدلات الفقر بشكل كبير وارتفاع معدلات البطالة في أوساط الشباب في مختلف المناطق، إضافةً إلى ضعف مشاريع البنى التحتية من كهرباء وطرق. وبالتأكيد هذه ستكون لها نتائج سلبية باستمرار، وستكون لها انعكاسات خطيرة..
لكن ذلك لا ينفي حقيقة وجود «القاعدة» في اليمن ؟
هي ليست بالصورة التي تم تقديمها للعالم. وأهم ما في الأمر أن اجتماع لندن أكد على حقيقة مهمة جداً هي الحفاظ على يمن موحد مستقر ومزدهر، وكل الوفود أكدت على ذلك بلا استثناء.
وشدد المتحدثون على ضرورة أن يلتفت المجتمع الدولي للتشخيص الذي قُدِّم لطبيعة المشكلات التي تواجهها اليمن؛ وبالتالي لابد من تأمين الموارد الكافية لإيجاد نهضة تنموية ولابد أن يكون هناك اهتمام كبير بحل مشكلة البطالة ولهذا جاء مؤتمر الرياض كحلقة أخرى وأكثر تفصيلاً، وطرحت فيه التحديات بصورة مفصلة. ونحن نعتبر أن المؤتمر وقف وقفة حقيقية تفصيلية أمام المشاكل والتحديات التي تواجهها اليمن.
ما هي القضايا التي طرحت في اجتماع الرياض تحديداً؟
طرحت بقوة قضية البطالة. وكما تعرفون، فاليمنيون مغتربون باستمرار وخصوصاً في منطقة الخليج. ولهذا طرح أنه لا يمكن أن نوجد حلاً حقيقياً لمشكلة البطالة في أوساط الشباب في الوقت القصير والمتوسط إلا أن نفتح باب الهجرة مرة أخرى إلى دول الخليج. وحقيقةً نحن في زيارتنا الأخيرة إلى الرياض ولقائنا بخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز طرحنا هذا الأمر.
وقلت: إنكم كنتم يا خادم الحرمين المبادرين في قمة مجلس التعاون حين دعوتم للالتفات إلى اليمن واستيعاب العمالة اليمنية كما كانت عليه في فترة سابقة. وقلت له: نريد أن تكون المملكة النموذج في هذا الأمر وينبغي أن تعود العمالة اليمنية إلى السعودية إلى عهدها الذهبي.
وكيف وجدتم الرد السعودي؟
حقيقةً كانوا متجاوبين، وأنا طرحت الموضوع أيضاً في اجتماعات مجلس التنسيق اليمني السعودي، حيث كان هذا الموضوع الرئيسي. وأمام هذا الوضع شكلت لجنة من ثلاث وزارات في السعودية واليمن هي وزارات الخارجية والشؤون الاجتماعية والداخلية لبحث المشاكل التي يعاني منها المغتربون اليمنيون في المملكة، ومن ضمنها مشكلة الكفيل والبصمة ومشكلة إلحاق أبنائهم في مدارس التعليم الحكومية هناك، وكذا دراسة آلية تدفق العمالة اليمنية الجديدة إلى السعودية.
إذاً ما الذي خرج به مؤتمر الرياض؟
أهم القضايا التي خرج بها هو التحضير الجاد لمؤتمر مجموعة أصدقاء اليمن. طبعاً هذا المقترح الخاص بإنشاء المجموعة طرح في مؤتمر لندن وطرح بقوة من إيطاليا، في ما كانت تدعم هذا التوجه أيضاً دولة الإمارات التي أشارت إلى أنه لابد من إنشاء المجموعة والتي ستهتم بدراسة وتحليل أوضاع اليمن باستمرار ولابد أن يترافق معها إنشاء صندوق دولي لدعم مشاريع التنمية في اليمن بشكل كبير.
فيما يخص تعهدات المانحين في مؤتمر لندن العام 2006م، قيل إن الحكومة اليمنية لم تتمكن من الاستفادة من تلك التعهدات؟
هناك لغط كبير يدور حول تعهدات المانحين، وهي تنتقد الحكومة بصورة لم تنتقد من خلالها أي حكومة سابقة مع أنها تواجه تحديات لم تواجهها أي حكومة من قبل. وفي هذا الشأن أقول إن التعهدات التي خرج بها مؤتمر لندن بلغت 7,5 مليارات دولار.
بعض هؤلاء مانحون تقليديون مثل البنك الدولي والصناديق العالمية الأخرى والبعض الآخر هي مجموعة مجلس التعاون الخليجي بتفاوت تعهداتها. ولهذا وفيما يخص المانحين التقليديين، لكم أن تتأكدوا أننا لم نجد أية مشكلة في الوفاء بتلك التعهدات.
ما نعانيه هو أن الأمور لم تسر بالشكل الذي نريده مع مجموعة المانحين غير التقليديين سواء في موضوع التخصيص أو في اتفاقيات القروض أو في السحب لأن هذه المبالغ ينبغي أن تمر بثلاث مراحل، أولاها الاتفاق مع المانحين على تخصيص تلك المبالغ لمشاريع على الورق وينبغي أن يكون الاتفاق حسب أولوياتنا نحن. أيضاً هناك مانحون آخرون يقولون إنهم سيشرفون على تنفيذ تعهداتهم.
وهناك من يطرح أنه سينشئ مكتباً شبيهاً بمكتب الكويت الذي كان قائماً وحقق إنجازات ونحن مع هذا وقد قالها الرئيس علي عبد الله خلال مؤتمر لندن الأول من أننا لا نريد دولاراً واحداً بل مشاريع.
هذه المكاتب لم تشكل بعد، ومن يريد أن ينشئ مكتباً ليأتي ويطرح المناقصات والدراسات ويتعاقد مع المقاولين، فهذا سيرفع عبئاً من كاهل الحكومة. ومع ذلك أشعر بأننا حققنا بعض التقدم، حيث إننا انتهينا مع بعض المانحين بتخصيص تعهداتهم وانتهينا بتوقيع اتفاقيات القروض. وعلى سبيل المثال أستطيع أن أؤكد لك أننا قد خصصنا المبلغ المقدم من السعودية وقدره مليار دولار بنسبة مائة في المائة وتم التوقيع على عقود تنفيذ.
وفيما يخص مؤتمر برلين هل سيشهد تعهدات مالية جديدة لدعم اليمن؟
أولاً، سنحرص أشد الحرص على أن يكون التمثيل في المؤتمر بما لا يقل عن المستوى الوزاري كما كان عليه الأمر في مؤتمر لندن. ثانياً، ما سيناقش في مؤتمر برلين هو خلاصة لما تمت مناقشته في مؤتمري لندن والرياض، وبالتالي سيقف على خلاصة ما تم من قبل وسيحدد ماذا على المجتمع الدولي من التزامات تجاه دعم اليمن.
وأتصور ونحن في إطار التحضير له أن هذا المؤتمر سيخرج بإشهار مجموعة أصدقاء اليمن وسيكون لهذه المجموعة كيانها الاعتباري وستقف باستمرار على الأوضاع في اليمن أولاً بأول وسيترافق مع هذا الأمر تأسيس صندوق لدعم اليمن بشكل مستمر. وقد تلتزم الدول المشاركة بتعهدات مالية خلال هذا المؤتمر أو في وقت لاحق.
ماذا عن الحرب على الإرهاب، هل تمكنتم من السيطرة على أنشطة تنظيم «القاعدة»؟
قلناها عدة مرات حتى لا يتهم اليمن، وتصبح هذه الصفة لاصقة به بأنه أصبح ملاذاً للإرهاب: ينبغي على المجتمع الدولي أن يدرس الواقع بشكل حقيقي، فنحن لا نريد منه أن يدعو لانعقاد مؤتمر من أجل اليمن لأنه أصبح ملاذاً للقاعدة. اليمن لم يكن ملاذاً للإرهاب. توجد عناصر إرهابية. والمتطرفون يوجدون في مناطق نائية.
وقبل ذهابنا إلى لندن كانت للضربات الاستباقية التي وجهت ضد مواقع «القاعدة» تأثيرها الكبير في تغيير تلك النظرة التي كانت قائمة عن اليمن.
هل هناك أوامر بتشكيل لجان للأراضي وأخرى لمعالجة الأوضاع الوظيفية والوضع في الجنوب؟
فيما يخص الوضع في المحافظات الجنوبية، فهو كما قلت في إحدى جلسات مجلس النواب إن الخطاب هو خطاب الانفصال، رفع في العام 1994.أما فك الارتباط فمصطلح جديد لا أدري من أوعز به.
وعندما يتحدث البعض عن أن الطرح الانفصالي سببه وجود مظالم وغبن في المحافظات الجنوبية فعلينا أن نقول إن هذا الطرح وجد ولمن يكن مر على الوحدة أكثر من أربعة أعوام، ولم تكن هناك قضية أراض. لم يبق الحزب الاشتراكي عندما كان في السلطة أراضي في عدن عشية قيام الوحدة.
ولهذا لا يوجد ارتباط بين عناصر لديها أجندة الانفصال وبين المظالم والغبن الذي يتحدثون عنه. وبالتالي فأنا أعتبر ما يجري في المحافظات الجنوبية دعوة من عناصر فقدت مصالحها، وكأن هذا الوطن في حالة بيع وشراء.
واللجان التي شكلت ألا تؤكد وجود مشكلة؟
لا يوجد رابط بين هذا وذاك، مشكلة الأراضي في عدن معقدة وجزء من التعقيد سببه الحزب الاشتراكي الذي كان يحكم المحافظات الجنوبية والذي خلط بين التوزيعات. نحن لدينا الآن قانون في مجلس النواب وهو قانون السجل العقاري. هذا القانون سيحسم موضوع تحديد ملكية الأراضي.
هناك اتهامات بحق الحوثيين بإعاقة عمل اللجان المشرفة على تنفيذ شروط وقف إطلاق النار. هل أنتم راضون عن سير عمل اللجان ؟
حتى الآن العمل يسير بشكل ممتاز.
فيما يخص فتح الطرق ونزع الألغام، لابد من الإدراك أن أي وقف لإطلاق النار لابد وأن يشهد بعض الاختراقات. وينبغي أن نتعامل بصبر مع هذا الأمر رغم أنهم تجازوا البرنامج الزمني الذي طرحته اللجنة الأمنية. ولقد عادت السلطة المحلية في بعض المديريات لممارسة مهامها وأعتبر أن هذه الخطوة هي الأهم لأن عودة المديريات هو الذي سيفرض هيبة الدولة.
انتقاد للمسار الطويل في إقرار المناقصات
شدد رئيس الوزراء اليمني علي مجور على أن «الخلل يكمن في مسارات إقرار المناقصات الطويلة»، مشيراً إلى أن المناقصات «لم تعد سلطة الحكومة بل اللجنة العليا للمناقصات».
وأضاف: «أصبحت هذه اللجنة مجلس وزراء موازيا لمجلس الوزراء في موضوع المناقصات»، متسائلاً عن مدى سرعة إقرار أي قرض داخل مجلس النواب. وأردف أن هناك «خللاً آخر في بعض الوزارات مثل عدم وجود وحدات تنفيذية. فبعض الوزارات غير مهيئة وليست لديها دراسات كافية عن المشاريع، والبعض الآخر اعتبرها وزارات نموذجية مثل وزارة الأشغال العامة والطرق والتي لديها دراساتها ووحداتها التنفيذية».
الدعوة إلى حل لظاهرة الإنفاق الكبير
أشار رئيس الوزراء اليمني علي مجور إلى أن سلطات بلاده «منعت بشكل جزئي استيراد الصناعات الحرفية»، مستطرداً: «ولكننا لا نستطيع المضي في هذا الأمر، ونحن ذاهبون إلى عضوية منظمة التجارة العالمية». وتمنى مجور الوصول إلى «حل لظاهرة الإنفاق الكبير التي زادت من العجز في الموازنة».
مضيفاً: «والمقصود هنا دعم المشتقات النفطية». وأفاد أن الدعم «لا يذهب إلى مستحقيه»، منوهاً إلى أنه بالإمكان «حل الموضوع من خلال تعويضات عبر صندوق الرعاية الاجتماعية».
لا تدهور في سعر صرف الريال اليمني
أكد رئيس الوزراء اليمني علي مجور في حديثه ل«البيان» رداً على سؤال فيما يتعلق بتدهور سعر الريال في السوق، أنه «لا يوجد تدهور بالمعنى الحقيقي للكلمة». وأضاف أن سعر الدولار «وصل إلى 212 ريالا، ونحن نعتبره في الإطار المعقول». واستطرد: «المشكلة الحقيقية لنا هي ارتباط السياسية النقدية بالسياسة المالية.
السياسية مازالت فيها اختلالات كبيرة، فمازال لدينا إنفاق كبير جداً لا يتناسب مع الموارد الموجودة كما أننا تأثرنا بتداعيات الأزمة المالية العالمية فيما يخص إيراداتنا المعتمدة بصورة أساسية على عائدات النفط».
وأوضح: «لقد انخفضت أسعار النفط إلى ما دون النصف عما كانت عليه في العام 2008 وهذا أدى إلى زيادة العجز في الموازنة. هناك عجز كبير في الموازنة كما كان الحال في موازنة العام الماضي، حيث وصل العجز الفعلي إلى 1, 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وأنا أعتبر ذلك وضعاً غير طبيعي».
وأردف: «فالعجز عندما يكون بهذا المستوى ستكون أنت بحاجة إلى تمويله من مصادر غير تضخمية ما يسبب لك هذا الإرباك الكبير. إضافةً إلى ذلك فنحن نستورد كل شيء».
حوار ـ محمد الغباري

