شهدت العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين تغييرات جذرية وتطورات واسعة النطاق طرأت على حياة وتاريخ العرب.. وجاءت في أغلبها سلبية برغم ما استطاع العرب أن ينجزوه في الخمسينات بالذات عندما حققوا استقلال أقطارهم عن قوى الاستعمار الانجليزي أو الفرنسي، مع انطلاقهم في مسيرة التنمية أو العمل القومي الوحدوي وإعادة البناء.

من هذه السلبيات مثلا انفصام الوحدة المصرية ـ السورية، ومنها نكسة 1967، ومنها اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ثم استشراء ظواهر التشدد ومن ثم العنف المسلح الذي بلغ مستوى الإرهاب متشحا برداء ديني أو عقيدي.. ورغم أنه أتيح للعرب ثمار عصر النفط وهو ما أفادهم في مواجهتهم ضد قوات الاحتلال الصهيوني في مناطق قناة السويس وسيناء والجولان، إلا أن عقد الثمانينات جاء ليشهد اغتيال أنور السادات ومن بعده جاء عقد التسعينات ليشهد احتلال قوات صدام حسين للجارة العربية ـ الكويت.. وجاء القرن الجديد ليشهد هجمات الحادي عشر من سبتمبر بكل ما نجم عن هذه الأحداث وتداعياتها من آثار كانت سلبية في مجموعها بالنسبة لشعوب الأمة العربية ومصالحها الحيوية وقضاياها المصيرية.

تبدأ الفصول الأخيرة من هذا الكتاب بالتركيز على جمال عبدالناصر.. بداياته وسيرته وإنجازاته ثم المشاكل التي صادفها والإخفاقات التي مُني بها. يذهب المؤلف إلى أن مسيرة النجاحات المتواصلة التي ظل عبدالناصر يحققها على طول الخط في الخمسينات وصلت إلى نهايتها.. أو إلى طريقها المسدود مع بدايات عقد الستينات من القرن العشرين.

يقول الكتاب في الفصل الحادي عشر: في سنة 1961 تفككت عرى الاتحاد (الوحدة) بين مصر وسوريا.. ووجد الجيش المصري نفسه متورطا في الحرب الأهلية باليمن.. ثم قاد ناصر بلاده وحلفاءه العرب إلى حرب كارثية مع إسرائيل في عام ,1967.

وهكذا تهاوت الآمال التي ظلت تساور وجدان هذا العالم حتى عام 1960 ليحل محلها خيبة الأمل وبعدها سادت روح التشاؤم والقنوط مع وفاة جمال عبدالناصر في عام 1970.

ورغم قسوة الأحكام من جانب مؤلف الكتاب إلا أنها كفيلة ـ في تصورنا ـ أن تفتح العيون على ما انطوت عليه أحداث تلك الحقبة من الزمن العربي من دروس مستفادة لابد من وعي عبرتها بالنسبة لأجيال متلاحقة من أبناء الشعوب العربية.. شريطة اعتبار ما أحرزته الأجيال التي سبقت، بقيادة ناصر نفسه، من إنجازات وما صادفها من إخفاقات بمثابة اجتهادات بشرية لم يكن ينقصها حسن النية ولا استقامة القصد وإن كانت قد افتقرت في بعض الأحيان إلى عمق التدبر وحسن التقدير.

مع ذلك يواصل هذا الفصل من الكتاب عرض وتحليل بعض المنجزات التي تحققت مع عقد الستينات ومنها بالذات استكمال تحرير الجزائر من استعمار فرنسي دام نحو 130 عاما من عمر الزمان الحديث. ويعرض في هذا السياق لبطولات مناضلين ومناضلات من أبناء هذا القطر العربي ـ المغاربي الشقيق ومنهم بالذات جميلة بوحيرد (ص325).

لحظات التنحّي

يتابع هذا الفصل أيضاً ملابسات وتطورات حرب الأيام الستة- يونيه 1967 وصولاً إلى يوم 9 يونيه الذي شهد إعلان ناصر تنحيه عن منصبه الرئاسي في القاهرة. هنا يقول البروفيسور روجان في معرض التعليق: فور هذا الإعلان غُصَّت شوارع القاهرة بحشود الرجال النساء والأطفال بعد أن قرر المصريون أن الإبقاء على زعيمهم كان جزءا من إرادة رفض الهزيمة ومقاومتها.

والمهم أن خسائر عام 1967 جاءت بمثابة إشارة إلى حقبة جديدة في السياسة العربية.. أما الأخطر في تصور المؤلف فهو ذلك التغيير في شكل ومسار العلاقة بين أميركا وإسرائيل حيث تغيرت صورة إسرائيل ـ إلى الأفضل في نظر الشعب الأميركي.

أما في العالم العربي فقد طرأ عنصر مستجد على صورة الرفض العربي للمشروع الإسرائيلي متمثلا في اشتداد ساعد منظمات المقاومة الفلسطينية ودعوات الكفاح المسلح ضد إسرائيل.. وكان من شأن هذا العامل الجديد أن يقع في مصادمات مع النظام الأردني فيما عرف باسم أيلول الأسود الذي كان من وقائعه الختامية يوم 28 سبتمبر عام 1970 حين ساعد عبدالناصر على حقن دماء الفلسطينيين وعاد إلى بيته في مساء اليوم المذكور..

ولم تمض ساعات حتى صعدت روحه إلى بارئها. هنا أيضاً يحيل المؤلف إلى وصف الأستاذ محمد حسنين هيكل لمشاهد الرحيل الحزين ثم يضيف المؤلف (ص353) قائلا: امتدت مشاعر الحزن لتعبر حدود مصر إلى كل أنحاء العالم العربي حيث ملأت مسيرات الجماهير العربية شوارع المدن الكبرى.

. إذ كان عبدالناصر، بأكثر من أي قائد وزعيم من قبله أو من بعده يجسد آمال وطموحات القوميين العرب في طول منطقة الشرق الأوسط وعرضها.

عصر النفط

و.. هكذا رحل ناصر في بدايات السبعينات لتأتي بعد رحيله حقبة جديدة يصفها المؤلف من خلال عنوان الفصل الثاني عشر على النحو التالي: عصر النفط.

وقد نتصور من جانبنا أن التسمية غير دقيقة بالضرورة، فإذا كان النفط العربي قد لعب دوراً لا تنكر إيجابياته في دعم الجانب العربي (مصر وسوريا بالذات) في المواجهة المسلحة والموفقة ضد إسرائيل خلال حرب أكتوبر 1973 ـ إلا أن عقد السبعينات شهد بدوره أحداثا جساما وتحولات بالغة الأهمية بل والخطورة.. سواء باندلاع الحرب الأهلية في لبنان، أو بزيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل وما أعقب ذلك من اتفاقات كامب ديفيد وعقد معاهدة السلام بين القاهرة وتل أبيب.

بيد أنه من تناقضات الأحداث أن عقد السبعينات وقد بدأ بالإنجازات العسكرية الناجحة للجيوش العربية عبر قناة السويس ومرتفعات الجولان.. إلا أن العقد المذكور ما لبث أن تناوشته التطورات والتعقيدات لدرجة أن يُسلم الى حقبة جديدة يرى كتابنا أنها وقعت ضحية لما يسميه المؤلف بالتطرف الإسلامي أو هو كما قد نسميه من جانبنا التطرف الذي يرفع شعارات الدين رغم اعتدال العقيدة وسماحة تعاليمها.

شهدت بدايات عقد الثمانينات وبالتحديد يوم السادس من أكتوبر عام 1981 اغتيال الرئيس المصري أنور السادات على مرأى ومسمع من الشعب والجيش والعالم. في هذا الإطار يمضي مؤلف كتابنا، في تحليلاته عبر الفصل الثالث عشر من الكتاب.

وبأسلوب يجمع بين العرض والتحليل لجذور هذا التيار من العنف المتشدد الذي شارف أحيانا حدود الإرهاب تحت الشعار الديني.. في نفس السياق يتوقف المؤلف عند الصدام الذي وقع مرتين بين نظام الرئيس ناصر وبين جماعة الإخوان المسلمين في عام 1954 ثم في عام ,1965.

وعند دعوة جاهلية المجتمع التي تبناها وعرض لها المرحوم سيد قطب في كتابه الشهير بعنوان: «معالم على الطريق».. وفي نفس السياق أيضاً يتحول المؤلف إلى ظروف إنشاء حركة الإخوان المسلمين في سوريا من منطلق يصفه المؤلف بأنه «انتشار التحدي الإسلامي من مصر إلى سوريا في عقد الستينات، ثم ما كان من تصادم بالعنف المسلح بين عناصر هذه الحركة والنظام البعثي الحاكم هناك وخاصة في مدينة حمأة عام 1980.

قوة جديدة في المنطقة

على هوامش هذا التحليل يلمح الكتاب إلى واقعة اجتياح إسرائيل للعاصمة اللبنانية بيروت في ربيع عام ,1982. فيما يتوقف مليّا عند التأثيرات التي سبق وخلفّتها الثورة الإيرانية تحت راياتها الإسلامية قبل ذلك التاريخ بنحو 3 سنوات.

ويختتم المؤلف هذا الفصل الحافل بشأن ما وصفه بأنه قوة الإسلام، بعبارات يربط فيها بين هذا العامل الديني المستجد في الواقع العربي المعاصر، وبين التطورات التي استجدت على الساحة السياسية الدولية وخاصة في منطقة الاتحاد السوفييتي وشرق أوروبا بشكل عام.

يقول الكتاب في ختام الفصل الثالث عشر: استمد الإسلاميون شجاعة من واقع التغيرات الكبرى التي طرأت على السياسة العالمية في نهاية عام 1989. كانت مرتكزات الحرب الباردة قد بدأت تتهاوى بقدر تصّدع ثم انهيار حائط برلين الشهير الذي ما لبث أن أنقضّ بنيانه تماما يوم 9 نوفمبر من العام المذكور ليشكل بذلك نهاية التنافس الأميركي ـ السوفيتي ويشير إلى بداية نظام دولي جديد.

إذن فهذا هو نظام حقبة التسعينات وما بعدها. ويصفه الفصل الرابع عشر، الأخير من هذا الكتاب بأنه نظام ما بعد الحرب الباردة. وفي مستهل هذا الفصل يلمح المؤلف إلى أن كثيراً من القوى والنظم التقليدية في العالم العربي احتفلت بانهيار وزوال الاتحاد السوفييتي على يد ميخائيل غورباتشوف ومن جاء بعده.. لماذا؟

لأنهم طالما رفضوا النظام السوفييتي الذي كان يتبنى العقيدة الشيوعية والإلحاد وطالما وضعوا ثقتهم في دول الغرب. وهاهو الغرب وقد خرج ظافرا غانما من الحرب الباردة التي دامت نصف قرن من عمر الزمن.

عقبات وعراقيل

مع ذلك فثمة عقبات ـ كأداء في بعض الأحيان ـ ما لبثت أن أعاقت تحسين العلاقات بين أميركا، وقد أصبحت هي القطب العالمي رقم واحد في معادلة السياسة والنفوذ الدولي، وبين أطراف شتى من العالم العربي. ويوضح المؤلف (ص443) كيف أن غزو نظام صّدام حسين لأرض الجارة العربية في الكويت جاء في مقدمة هذه التعقيدات..

ويزيد موضحا (ص445) كيف أن نظام صدام أشاع في الكويت في الأيام الأولى من احتلالها أجواء كانت كفيلة باستدعاء الدمار الذي صّوره الكاتب الإنجليزي الشهير «جورج أورويل» في روايته الكابوسية المعروفة باسم «1984».

من جانبنا نلاحظ في هذا الصدد الأسلوب التفصيلي الذي يسهب به المؤلف في عرض وقائع وملابسات غزو العراق للكويت فضلا عن الآثار المترتبة عليه من فرض نظام العقوبات من جانب مجلس الأمن الدولي والإمعان في عزلة نظام صدام الذي كان حاكما في بغداد.

بعدها يتحول منظور الكاتب إلى لبنان الذي كان يعيش أزماته السياسية وخاصة في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء وزعيم الطائفة السُنية المرحوم رشيد كرامي في عام 1998 وما كان من عقد اتفاق الطائف ثم مبادرة المرحوم الملك فهد بشأن حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، في إشارة عَمد الكتاب إلى رصدها إلى تفعيل دور الشقيقة السعودية في التعامل مع مشاكل وقضايا العالم العربي.

عن القدس والمستوطنات

وعندما تنتقل بوصلة الاهتمام في هذا الفصل من الكتاب إلى مستجدات القضية الفلسطينية في أوائل عقد التسعينات يقول المؤلف: أول مفاتحات في هذا المضمار أدت إلى ستة أشهر من المفاوضات بين الأميركيين والفلسطينيين مما أفضى في نهاية المطاف إلى وضع الأجندة الخاصة لمؤتمر السلام الذي عقد في مدريد في شهر أكتوبر عام 1992 فيما ظل الأميركيون يتحركون بغير هوادة لتجسير الهوة الفاصلة بين الطرفين، الإسرائيلي والفلسطيني وكانت هوة يبدو من المستحيل ردمها ولكن كان المطلوب هو ضمان النجاح لمؤتمر مدريد المذكور.

والحاصل ـ يضيف المؤلف ـ أن وضع مدينة القدس وإنشاء المستوطنات الإسرائيلية كانا بمثابة خطوط حمراء بالنسبة للمفاوض الفلسطيني.. فيما كان الوفد الإسرائيلي هو سبب المشاكل بالنسبة للأميركان وقد ترأسه اسحق شامير الذي كان يقود ائتلاف الليكود اليميني (المتطرف) وكان ملتزما بالاحتفاظ بجميع الأراضي العربية تحت الاحتلال (الصهيوني) ولاسيما القدس الشرقية.

في نفس السياق، يواصل المؤلف متابعة تطورات الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني ما بين أوسلو إلى الانتفاضة إلى مصرع إسحق رابين على يد متعصب صهيوني.

ومن هذه الزاوية ينفتح التحليل مع نهاية هذا الفصل الأخير من الكتاب على أحداث المنطقة عند ختام القرن العشرين. في مقدمتها كانت أحداثا تجسّد تحولات في مسار حياة العرب أقطارا وشعوبا. مثلا: رحل ثلاثة من قادة العرب هم الملك حسين في الأردن والملك الحسن في المغرب والملك فهد في السعودية.

أحداث القرن الجديد

يقول المؤلف في ختام الفصل الرابع عشر من هذا الكتاب: وقعت أحداث استثنائية يوم الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 كان من شأنها أن تغيّر تماما أولويات جورج بوش بل وتستهل بذلك فترة جسّدت أكبر تعامل من جانب أميركا مع منطقة الشرق الأوسط في تاريخها الحديث.. ولدرجة أثبتت معها أنها اللحظة التي شهدت أكبر توتر في تاريخ العرب الحديث على السواء.

هذه هي العبارات التي كان لابد وأن تسلم الكتاب والقارئ إلى السطور التي احتوتها خاتمة هذا الكتاب. ويعرض فيها المؤلف، في لمحات مكثفة إلى الأحداث المتلاحقة التي بدأت بهجوم المركز التجاري في نيويورك وبغزو أميركا لأفغانستان ثم للعراق ولنجاح شارون رئيس الوزراء الصهيوني في إقناع الرئيس بوش بأن كلا من إسرائيل وأميركا تخوضان حربا مشتركة ضد عدو اسمه الإرهاب.

هذا فضلا عن محاولات بوش التواصل مع العالم العربي حين طرح ما وصفه بأنه «خارطة الطريق» لالتماس حلول لمشكلة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في الشرق الأوسط. كل هذا لم يحل دون استمرار حالة الفوران في المنطقة وخاصة في غمار العدوان الإسرائيلي على غزة وسكانها المدنيين في شتاء عام 2008.

أخيرا يختم الكتاب طروحاته بالحديث عن المائة يوم الأولى من ولاية الرئيس الأميركي المستجد باراك أوباما الذي بادر إلى تعيين مبعوثه إلى المنطقة جورج ميتشل، هذا فضلا عن خطابه المشهود في جامعة القاهرة في يونيه من عام 2009 وقد جسد الخطاب ما يوصف بأنه التعاطي الإيجابي والبنّاء مع المنطقة وشعوبها وثقافاتها وطموحاتها..

ولكن مازالت الأوضاع بانتظار ترجمة كل هذه المبادئ الواعدة إلى سياسات إيجابية. وها هو مؤلف هذا الكتاب يختم طروحاته التي شغلت نحو 500 صفحة بسطور يقول فيها: على العالم العربي أن يحطم دائرة تبعيته للقواعد التي يضعها الآخرون فيعمد إلى اتباع سلوكيات جديدة تجمع بين التواصل المتوازن للعرب مع القوى الفاعلة في عصرنا.. وبين التزام من جانب العرب أنفسهم بمواصلة مسيرة الإصلاح والتغيير.

تأليف: إيوجين روجان

الناشر: بازيك بوكس، نيويورك ، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 553 صفحة