يؤكد المعماري حسن فتحي على ضرورة الاعتراف بأن العمارة قد نشأت لخدمة البشر، وبأن الإنسان غير قابل للتغيير، وبضرورة أن تتجاوب العمارة مع الاحتياجات السيكولوجية والثقافية للمجتمع، ومع الاحتياجات الفيزيقية (الجسمانية) والفسيولوجية جميعاً.
ولذا فإن فتحي قد رفض عناصر العولمة التي كانت تسعى إلى إخضاع العالم لسلطان نمط واحد مشترك للمعيشة، يقوم على تكنولوجيا واحدة. وفي دفاعه عن الأصالة والهوية الثقافية، راح حسن فتحي يؤكد على عدم قابلية الثقافات للتبادل فيما بينها. وكان يقصد بذلك أن مفردات الثقافة في جوهرها تتطور استجابة للمتطلبات الخاصة بأبناء المجتمع الأصليين، والاحتياجات السيكولوجية والبيئية، وأن العناصر الوافدة على مجتمعٍ ما لا يمكن بحال زرعها أو استزراعها من ثقافات أو بيئات أخرى إن لم تكن ملائمة ثقافيّاً.
البعد الإنساني غير أنه كان حريصاً على التأكيد على ضرورة الانفتاح على العالم الخارجي للإبقاء على أواصر الأخذ والعطاء وتبادل المعرفة في كل ما هو جديد ونافع، ولذا فإنه راح يشجع المعماريين المصريين على انتقاء المناسب على أساس من المعايير الموضوعية العلمية، مثل: الكفاءة الحرارية، والتكاليف، وكفاءة الطاقة، ومواءمة المواد الخام، وتناسب العلاقة بين الفراغات والأحجام.وعلى المستوى الإنساني، عارض حسن فتحي بشدة مشاريع بناء المساكن بالجملة، لما يكتنف ذلك من بيروقراطية وتكرار لنمط واحد جامد لا يتغير.
كما أنه لم يكن يقبل بفكرة «المجتمعات العمرانية» في البناية، وإنما كان ينادي بضرورة إعطاء فكرة متفردة لكل بناية على حدة. وقد ضرب مثلاً لتوضيح فلسفته هذه بمقارنة المشاريع المعمارية الجماعية بما قد يقع فيه أمهر جراحي المخ في العالم:
فلو أن هذا الجراح وُكِّل إليه إجراء مائتي عملية جراحية في اليوم الواحد، لانتهى الأمر بالقضاء على حياة هؤلاء المرضى جميعاً. ولذا فإنه حذر المهندسين المعماريين بألا يقبلوا أكثر من 15 - 20 وحدة سكنية في وقت واحد، وأن يتعاملوا مع كل حالة بمفردها، من منظور إنساني، بعيداً عن «الطرز البالية» التقليدية وما درجت عليه العائلات من قواعد متوارثة.
وكان فتحي لا يملّ من حث المهندسين المعماريين على إعطاء البعد الإنساني المقام الأول عند وضع التصميمات، إن هم أرادوا لمنجزاتهم العمرانية أن يكتب لها البقاء والصمود.
من أجل الفقراء
كانت غاية حسن فتحي المثلى تتمثل في تحويل أنظار المهندسين المعماريين، ولو لبرهة صغيرة، بعيداً عن السياق الذي درجت عليه الهيئات المنوطة بالعمارة للمباني الكبرى والعملاقة، نحو المشاكل التي يعاني منها الفقراء في الإسكان. لقد كان جُل همه مكرساً للطبقات الكادحة التي تتحرق إلى المأوى الذي يريح أجسادهم ونفوسهم معاً.
وبذلك أصبح حسن فتحي الداعية الأكبر والصوت الأكثر علوّاً في التعبير عن الضمير الاجتماعي للعمارة في سبعينات القرن العشرين وأوائل الثمانينات، ذاك الضمير الذي ترددت أصداؤه بإلحاح في مختلف جامعات العالم في ستينات القرن العشرين.
إن هذا الجَيَشان الذي هز أركان الجامعات في الغرب قد تبعه جيشان مُناظر على أرض مصر، على الصعيد الثقافي، وبذلك صار لمصر بصمة على هذا الدرب نفسه، ذلك أن تلك الحقبة من تاريخ مصر قد شهدت تحولاً مهمّاً قوميّاً، ينأى قليلاً عن قضايا الاستقلال الوطني وسيادة الأمة، ليعطي القضايا الاجتماعية نصيبها من الكفاح والعمل على خطى التنمية والتقدم.
ومن ثم وضعت «الأيقونات» التالية والمتواترة في كفة الميزان لإعادة تقييمها، ومن ثم تقويمها كما يليق. ومن هنا استهل فتحي مشروعه الثالث العملاق في العمارة ؟ باريس الجديدة - ولكن حرب سنة 1967 قد ألمت بالبلاد لتوقف هذا المشروع الضخم، وتحول الاهتمام والأولويات الوطنية إلى السياسة الخارجية.
فتور وإهمال
وعلى الرغم من هذا الانشغال، وجدت أفكار حسن فتحي ذات البعد الاجتماعي قبولاً واستحساناً في مختلف الدوائر العالمية، وصار صوت الفقراء مسموعاً في مختلف الأركان.
ومع نهايات ستينات القرن العشرين، لقيت دعوة حسن فتحي صدًى في أروقة بعض الجامعات الغربية. أما في الجامعات المصرية، فقد ظلت العمارة مساقاً منعزلاً عما يدور من تلك البنايات الفكرية. وظلت أفكار ونماذج الأساتذة الغربيين لأربعينيات القرن هي السائدة.
وحتى في السبعينات، حينما أخذ الناس في انتقاد «الحداثة» في الغرب، لم يكن هنالك صدًى لهذه الحركة في بلدان الشرق. على أنه بمضي الوقت، فرض فكر حسن فتحي وعمله مشروعيتهما، عندما استوعبت الدوائر الأكاديمية في الغرب جوهر هذه الأفكار وجدوى تلك الأعمال.
وبعد رحلة فكرية طويلة، دامت أربعين عاماً كاملة، أقر العالم بقيمة وعبقرية حسن فتحي، ووصلت تباشير هذا الاعتراف إلى الرجل في مسكنه الريفي في أواخر السبعينات. ولا يمكن أن نغفل أن نفراً من أساتذة العمارة المصريين من المتفتحين قد سعوا من أجل منح حسن فتحي وسام الاستحقاق المصري في سنة 1967.
على أن هذا لا يعني أن الدوائر الأكاديمية في الجامعات المصرية كانت راضية عن رؤى حسن فتحي؛ إذ بقيت هذه الدوائر في حال من الفتور واللامبالاة (ولكن دون عداوة) تجاه شخص فتحي ورسالته معاً.
على أن هذا الفتور الذي قوبل به حسن فتحي لم يثنه أبداً عن مواصلة مسيرته، ومع مرور الوقت، أدت نبرة فتحي ودعواته الواثقة، إلى وضعه في دائرة شائكة الجوانب، وبذا أصيب بعض رؤاه بالعطب. وفي تقديرنا أن هذا العطب قد أدى إلى بعض النقائص، التي وضعت فتحي نفسه وكثيرين من تلاميذه في مأزق لم يتمكنوا من الفكاك منه حتى يومنا هذا.
الشرق والغرب
التأكيد على الفرق بين ما هو شرقي وما هو غربي قد خلق بين تلاميذ حسن فتحي صورةً شديدة التصلب، بعيدةً عن واقع ما قصد به أصلاً عن الاختلاف بين الثقافتين دون صدام، وعن حتمية المرونة في الأخذ والعطاء.
وهي أمور أخذ مثقفو العالم الإسلامي يقرُّون بها ويقبلونها. كما أن هذا التفسير الضيق لرسالة فتحي قد أغفل أصحابه عن الالتفات إلى جوهر فلسفة فتحي وتلاميذه القائلة بوجود صيغة تتسع لكل من الحداثة والهوية المحلية. وهذه المؤالفة حقيقة تفرضها مسيرة الحياة اليومية على درب التقدم، وهي صيغة لا تخضع للقولبة الضيقة التي يريدها البعض.
من الأمثلة على هذه التفسيرات الضيقة الزعم بأن أفنية البيوت المنفتحة على صحن الدار هي الأنموذج الإسلامي الصحيح. وهذا الزعم غير صحيح، ولا تجده حتى في الجزيرة العربية، ففي اليمن ؟
على سبيل المثال لا الحصر - نجد تراثاً من طرز الطوابق المتعددة المنفتحة على الخارج، وليس قبالة الداخل. كما أنه ليس من الصواب في شيء أن نلتقط جزئية معمارية متواترة بعينها ونخلع عليها صفة العمومية: ففي مدينة القاهرة الإسلامية التاريخية، على سبيل المثال، كان عدد كبير من الأفراد يعيشون في سكنات متعددة الوحدات المعيشية، والتي عرفت باسم «الربع» (وجمعها: الرباع).
لقد نجح حسن فتحي في مسعاه نحو تحقيق عمارة آدمية الطابع لصالح الفقراء، وفي اقتفائه للطابع المصري الأصيل في هذه العمارة، نجح في أن يصك مفردات وتراكيب لغوية تدب بالحيوية في مجال العمارة لأهل الريف، ولقد كان همه منصبّاً على النسق ومادة البناء ـ الطوب اللبن ـ للإفصاح عن البناية الريفية.
وهنا كان مكمن القصور الثاني؛ ذلك لأن تلك المفردات قد اصطبغت بالسمات الريفية، الأمر الذي جعلها وقفاً على الريف، وفي منأى عن المطالب الملحة والتحديات الكبرى في عمارة المدائن في العالم الثالث بوجه عام، حيث الكثافة السكانية الخانقة والأسعار المرتفعة للأرض.
الهوية الثقافية
لقد اندفع حسن فتحي وراء تحقيق الهوية الثقافية في عمارته، مستعيناً بالمواد الخام المحلية منخفضة التكليف لإبراز الروح الريفية المصرية في ثوبها الأصيل. ولذا فإنه راح يحث تلاميذه وأتباعه من شباب المهندسين على التأمل بإمعان في الثروة الطائلة المترامية تحت أقدامهم وعلى أعتابهم، بدلاً من الانجرار وراء الوافد والمستورد من الخارج.
على أن هذا المنحى المتشدد قد حرم هذا الفريق من أتباع فتحي من الاستفادة من المواد الخام الجديدة من معطيات القرن العشرين. أما النقيصة الثالثة فهي أن هذا المعماري العملاق على الرغم مما كان لديه من مهارة في استغلال المساحات والأشكال، وكذلك معرفته العميقة بالهوية الثقافية من حيث البِنى والرموز والأدوات، فإنه في نهاية المطاف قد ضيَّق من آفاق هذه الأركان.
وتناولها من حيث هي وكما هي، على الرغم من أنه كان بمقدوره أن يخلق أنساقاً وطرزاً وأدوات مبتكرة جديدة، إن هو استخدم تقنيات القرن العشرين التي تعفَّف عنها في أنفة شديدة.
* ولكي نلتمس الأعذار لحسن فتحي، يجب علينا أن نقر أن هذا كله يتجاوز حدود العمر والسنوات التي يقضيها البشر على وجه الأرض. ومن ثم فليس من الإنصاف في شيء أن نطلب من شخص قد أعطى الكثير والكثير لعمارة وطنه ولعمارة الدنيا من حوله نسقاً بعينه، أن نطلب منه أبعد من هذا الحد.
على أننا ونحن نبرز هذه النقاط من القصور، إنما نقصد إلى الاستفادة من أعمال حسن فتحي في جملتها، وفي فهم المشاكل التي ينبغي التصدي لها عند معالجة قضايا الإسكان والعمارة في المدن الكبرى.
حسن فتحي الرجل
لابد لنا أن نقرَّر هنا أن حسن فتحي الذي رحل عن عالمنا في 30 من نوفمبر عام 1989، عن عمرٍ يناهز التاسعة والثمانين عاماً، كان - وسوف يظل - لغزاً محيَّراً.
لقد كانت رؤيته للحقيقة وعزوفه عن التوفيق أو التلفيق بالنسبة لقناعته، وإيمانه العميق برسالته وفنه، كانت منبع إلهام لكل من اقترب منه وللكثيرين من التلاميذ الذين سمعوا عنه. غير أن رسالته كانت ذات رنين يشوبه الغموض، فهي بشارة من فنان في مسوح شعبية، وهو في الوقت نفسه من أبناء صفوة المجتمع.
وفي التحليل الأخير لابد أن يُنظر إلى منجزات حسن فتحي في العمارة المصرية من واقع ملكته العبقرية في التصور، ومقدرته على تجسيد الإنسان لتتوافق مع المفاهيم التي نرددها دون أن نراها على أرض الواقع من حولنا. إن هذه المقدرة العبقرية لفتحي هي التي شحنت مشاريعه بالرمزية ذات الدلالة، لتوقظ في عقولنا واقعاً منبثقاً من أنطولوجيا مجتمعنا المصري.
وعلى هذا النمط صار بالإمكان تعقب آثار جذورنا ومعاينتها بعد إزالة غشاوة ضباب الزمن عليها، وذلك من خلال تجليها في ثوبها الإسلامي الحضاري القشيب. إن هذا كله كان من فعل فنان مبدع خلاق، لأن الفن ما هو إلا ترجمة للحقيقة إلى واقع ملموس.
وفي حقيقة الأمر فإن حسن فتحي قد كشف لنا عن مصر التي كنا جميعاً نظن بأننا نعرفها. لقد بلور لنا ما نملكه من معلومات، ثم جسَّدها لنا من خلال حسَّه المرهف ومقدرته الفائقة على الكشف عن المستور الذي يغيب عن أعين الناظرين. لقد التقط حسن فتحي من أرض مصر الكثير من الأنساق واستخدمها أجمل استخدام، في مشروع يتسم بالتكاملية.
في ذكرى شيخ المعماريين المصريين
جُلّ المهندسين المعماريين في منطقة الشرق الأدنى يسلّمون بأن شيخ المعماريين المصريين المهندس حسن فتحي المولود في 23 مارس عام 1900 كان أبرز أعلام العمارة في مصر في القرن العشرين. وهو شخصية مثيرة للجدل، يقر الجميع بتأثيره الكبير، وإن كان الكثيرون لم يفهموا رسالته كما أرادها، وذلك على الرغم من وجوده الدائم على الساحة لما يقارب الستين عاماً.
ومع ذلك، فإنه في خلال العقود الستة من العطاء والبذل، ظل دوماً على هامش تيار العمارة في مصر، منسيّاً في قاعات محاضرات كليات الهندسة والعمارة، وغائباً عن اتخاذ القرارات الخاصة بالعمران في مصر كذلك. على أن هذا كله لا يعني بحال من الأحوال أن حسن فتحي لم يكن يحسب له حساب.
ولا غرابة إذن أن ظهور الرجل في بعض الدوائر كان يثير لدى المسؤولين شعوراً بالغضب والقلق، فهو دوماً يقارع ويتحدى أكثر المسؤولين نفوذاً في قضايا العمارة في مصر، وكان عناده الشديد يصيب البعض بالارتباك، فلقد رأوا في شخصه مثالاً للمرشد الروحي الوحيد، على شاكلة أنبياء العهد القديم، وبخاصة عندما ينذرهم بأن العالم سوف يحصد التعاسة إن هو لم ينصع لكلماته ورسالته.
وتكمن قوة حسن فتحي في أفكاره، وليس في المباني التي قام بتصميمها، فهو لم يُقم طيلة حياته العامرة إلا ثلاثين مشروعاً.
يلاحظ أيضاً أنه، باستثناء قرية «القرنة»، وهي أهم منجزاته المعمارية التي لقيت الإعجاب من الجميع، فإن الرأي العام في مصر لا يعرف الكثير عن منجزات حسن فتحي الأخرى في العمارة. ومع ذلك فإن اسم هذا الرجل وسمعته يظلان راسخين في ضمائر المصريين.
إن تقييم الإسهامات الفكرية لحسن فتحي ليس بالأمر الهين. ولعل أكثر الأمور وضوحاً في ميراثه هو البعد الإنساني الذي ناضل من أجله، والدفعة القوية التي أولاها للعمارة المعبرة عن الهوية في العالم الثالث بشكل عام، وفي العالم الإسلامي بوجه خاص، ثم في مصر بالتحديد. ولقد كشف الرجل في مسيرته عن مواقفه في وضوح لا يحتمل اللبس، وفي شجاعة نادرة، وفي اتساق يحسب له.
والحق أن فتحي لم يكن منبهراً بالأشكال المعمارية الحديثة. فلقد كان يؤمن بأن العمارة ينبغي أن تكرَّس لخدمة البشر. ولم يكن هذا التوجه مجرد تقرير لحقيقة يؤمن بها، وإنما كان هذا التوجه يمثل نموذجاً بديلاً ليحل محل المفهوم الحديث للعمارة السائد آنذاك في المجتمع.
وهذا النموذج الذي كان يبشر به حسن فتحي يتكشف لنا من خلال مفرداته المتنوعة: فلقد نادى الرجل بضرورة التمسك بتلابيب «الأصالة الثقافية»، التي صارت شعاراً لرسالته المعمارية.
لقد رفض فتحي كل طرز العمارة الغريبة عن تربة الوطن وجذوره وموقعه الجغرافي والثقافي، ثم فتح الباب أمام ضرورة التعبير عما هو شعبي، معبراً عن روح المجتمع.
ولقد وضع فتحي تصوره المعماري الشعبي في مواجهة مع ما هو وارد من الخارج، بما يكتنفه من تكنولوجيا الحداثة في عموميتها، بعيداً عن البعد الإنساني في جوهره العام الأصيل.
د. إسماعيل سراج الدين


