تجلى الفرق شاسعا بصورة تاريخية بارزة وملفتة بين عقدي الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين.. في العقد الأول وقعت نكبة فلسطين، ورغم النضال البطولي لشعبها العربي الذي كانت بلاده واقعة تحت الانتداب البريطاني من جانب عصبة الأمم .

حيث كانت لندن تتوخى بالذات تحقيق مصالحها خلال سنوات الحرب العالمية الثانية بالذات، فيما كانت فلسطين هي الرقعة المستهدفة لإقامة مشروع الاستيطان الاستعماري الذي عكفت على إنشائه وتدعيمه الحركة الصهيونية، سواء بواسطة واجهتها المدنية المتمثلة في الوكالة اليهودية أو فروعها العنيفة المتمثلة في المنظمات الإرهابية الصهيونية .وفي مقدمتها كل من الهاغاناه وزفاي ليومي وشتيرن، ولم تتورع عناصر هذه العصابات عن شّن حرب الإرهاب والترويع بحق المدنيين الفلسطينيين ولا تورعت حتى عن اغتيال وسيط الأمم المتحدة الدولي ـ الدبلوماسي السويدي الكونت فولك برنادوت الذي حاول أن يكون محايدا بين الطرفين العربي والإسرائيلي.

وكان طبيعيا أن تفضي نكبة فلسطين إلى متغيرات جذرية في العالم العربي نفسه تمثلت في الانتفاضات والانقلابات والثورات التي شهدتها أقطار المشرق بالذات المحيطة بساحة فلسطين.. وكان في مقدمتها ثورة يوليو وزعامة عبدالناصر التي وضعت مصر ـ الخمسينات في مقدمة مسار القومية العربية.

يحمل الفصل التاسع من الكتاب العنوان التالي: نكبة فلسطين والآثار الناجمة عنها. وفي سطوره يحلل المؤلف وقائع الصراع على أرض فلسطين العربية بين الأطراف الثلاثة التي كانت ضالعة في هذا الصراع خلال السنوات الحاسمة التي دارت فيها الحرب العالمية الثانية وخاصة قرب منتصف عقد الأربعينات من القرن العشرين:

وقتها أعلن بن جوريون زعيم الحركة الصهيونية أنه سيقف إلى جانب انجلترا والحلفاء ضد ألمانيا النازية وأدولف هتلر.

وقتها أيضا اشتد ساعد النضال الفلسطيني ضد مخطط الصهيونية الطامع في أرض فلسطين وبدأت أفواج المتطوعين من بلاد عربية شتى تحتشد ضمن ما كان يعرف بجيش الإنقاذ للتصدي لهذه المخططات التي كانت تهدف إلى تنفيذ ما أصبح يعرف في أدبيات القرن بأنه مشروع الاستيطان العنصري الصهيوني فوق هذه الأرض العربية.

وقتها كذلك كان ثمة انشقاق ـ على نحو ما يوضحه المؤلف ـ داخل الحركة الصهيونية ذاتها ـ وكان انشقاقا جسّدته سلوكيات العناصر المتطرفة التي انضوت ضمن صفوف منظمات إرهابية لم تكن لتعرف سوى لغة القتل والتدمير والتخريب والاغتيال وكل ما ينبو عن شريعة الحضارة والإنسانية.

الانشقاق الإرهابي العنيف

يحدثنا الكتاب (ص247 وما بعدها) عن منظمة أو عصابات الأرغون زفاي ليومي ومعناها: المنظمة العسكرية القومية التي سبق إنشاؤها في عام 1937 بقصد حماية المستوطنات الاستعمارية الصهيونية وخاصة خلال ثورة عرب فلسطين التي دامت ثلاث سنوات (بين عامي 1936 و1939).

ويوضح المؤلف كيف انشقت عن الأرغون الإرهابية منظمة أو عصابة أشد عنفا وأخبث إمعانا في سلك القتل والإرهاب وقد انتظم في سلكها أيضا عناصر أطلقوا على أنفسهم وصف «المقاتلين من أجل.. الحرية» (تأمل!) وكانوا بقيادة ابراهام شتيرن. ومن مفارقات أو من عبرة التاريخ ما يوضحه المؤلف (ص148) من أن الإرهابي شتيرن المذكور أعلاه..

عمد، هو ورفاقه وأتباعه إلى الاتصال بأركان الحكم النازي في ألمانيا.. الهتلرية(!) لتوحيد صفوف الطرفين ضد البريطانيين الذين كانوا يمسكون بمقاليد الحكم في فلسطين بموجب نظام «الانتداب» الذي رسمته عصبة الأمم التي كانت سابقة الوجود منذ إنشائها في العشرينات ـ على قيام منظمة الأمم المتحدة بعد منتصف الأربعينات.

وبعد أن قام البريطانيون باغتيال ابراهام شتيرن نفسه في فبراير عام ,1942. تولى قيادة هذه العصابة إرهابيّ بالغ الخطورة مولود في بولندا عام 1913 ويصفه المؤلف بأنه كان شخصية شبابية ودينامية في ذلك الحين واسمه «مناحيم بيجين» الذي حرص المؤلف أيضا على تأكيد صداقته لرفيق العمر في سلك الإرهاب وكان اسم الرفيق هو اسحق شامير.

ثم أضيف إلى هذه المنظمات عصابة أخرى حملت اسم الهاغاناه وكانت بمثابة الجناح العسكري للوكالة اليهودية التي لعبت دور الواجهة المدنية للمشروع الاستعماري الصهيوني في قلب الأرض العربية.

بعد الحرب العالمية

بعدها يتابع المؤلف سرد الأحداث ورصد التطورات التي شهدتها السنوات الأخيرة من عقد الأربعينات وبخاصة بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945، ومن ثم إعلان بريطانيا المباغت عن انسحابها من فلسطين في 15 مايو عام 1948.

وما كان من اندلاع الصراع العسكري بين القوات الصهيونية والقوات العربية، وإيفاد الأمم المتحدة ممثلها السويدي الجنسية الكونت فولك برنادوت وسيطا بين الطرفين العربي والإسرائيلي وكان برنادوت قد وضع شروطا للتسوية بين الطرفين مع إسناد دور فاعل للمنظمة الدولية يسهر على وضع هذه التسوية موضع التنفيذ..

إلا أن جهود هذا الدبلوماسي السويدي البناءة ما لبثت أن وجدت نهايتها ـ الوحشية حسب تعبير مؤلفنا ـ عندما أقدم إرهابيو عصابة الشتيرن (بزعامة مناحيم بيجين حتى لا ننسى) على اغتيال الوسيط الدولي برنادوت في 17 سبتمبر عام 1948.

بهذا تشكلت ومن ثم تكاملت وتجسدت نكبة فلسطين بكل عقابيلها العسكرية والسياسية والإنسانية.. ما بين اغتصاب الأرض وتشريد اللاجئين فضلا عن عنف التطورات السياسية التي طرأت على المجتمعات العربية المختلفة.

ومن هذه التطورات ما حدث في مصر.. وفي صفوف الجيش المصري بالذات.. وخاصة ما يرصده الكتاب من بدايات التشكيل الجنين كما قد نسميه لتنظيم الضباط الأحرار حيث تظهر لأول مرة في كتابنا (ص267) أسماء الضباط الشباب الساخطين على القيادات البائسة والحكام الفاسدين.. ومنهم بالطبع كان جمال عبدالناصر وزكريا محيي الدين وصلاح سالم.

كتابات رزيق والعلمي

المؤلف يهتم كذلك بالأعمال الفكرية والدراسات الرصينة التي عمدت إلى تدارس وتحليل هذا الصدع الذي أصاب الكيان العربي نتيجة لما حدث على أرض فلسطين.

يقول البروفيسور روجان: العالم العربي بأكمله روعته الصدمة إزاء هول الكارثة الفلسطينية.. مع ذلك وفي لحظة هذه الأزمة، أثبت المثقفون العرب على نحو مرموق - ما كانوا يتمتعون به من رؤية ثاقبة وذهنية صافية سواء بالنسبة لتحليل هذه الكارثة أو بالنسبة لما أفضت إليه من نتائج.

ثم يمضي مؤلفنا ليعرض إلى اثنين من المؤلفات ـ الدراسات التي صدرت عن حّس تحليلي نقدي في هذا المضمار: العمل الأول كتبه «قسطنطين رزيق» ويصفه المؤلف في عبارات تقول: رزيق واحد من عظماء المثقفين العرب في القرن العشرين..

ولد في دمشق عام 1909 وحصل على الليسانس من الجامعة الأميركية في بيروت وعلى الماجستير من جامعة شيكاغو، ثم قدم رسالته للدكتوراه من جامعة برنستون وأنجز هذا كله ولما يبلغ الحادية والعشرين.

بعدها أمضى الدكتور رزيق سنوات عمره موزعا بين النشاط الأكاديمي والوظائف العامة فيما بين لبنان وسورية، حريصا على إصدار سلسلة من الدراسات العميقة والكتابات الرصينة يتجلى بينها كتابه الهام الذي أصدره مع ذروة المأساة في أغسطس عام 1948 تحت عنوان شهير هو: معنى النكبة أما الدراسة الثانية الذي يقف عندها مؤلفنا باهتمام ملحوظ فقد حملت بدورها عنواناً يمتح من نفس المعين، والعنوان هو: عبرة فلسطين.

صاحب هذه الدراسة هو «موسى العَلَمي» وهو نجل عمدة القدس سابقا، وقد درس في جامعة كامبردج البريطانية وانخرط في سلك موظفي الانتداب البريطاني لفلسطين حتى أصبح السكرتير العربي للمفوض الإنجليزي العام بلقب مستشار التاج..

ولكنه استقال مع اندلاع ثورة الشعب الفلسطيني في عام 1936 لينضم إلى ثوار بلاده محاميا ومدافعا عن حقوق شعبه وممثلا للشعب في كل ما شهدته السنوات التي تلت من مؤتمرات واجتماعات عقدت في مواقع شتى خارج الحدود.

نبوءة الدكتور قسطنطين

في كل حال لا يفوت مؤلفنا أن يلاحظ ويرصد أوجه الشبه في التحليل وأوجه الاتفاق بين مؤلفيْ الدراستين وقد انطلقا بداهة من محاولة تقصّي أسباب نكبة اغتصاب فلسطين وتدارس النتائج التي أسفرت عنها.

في هذا السياق أيضا يحيل المؤلف إلى ما أوضحه الدكتور قسطنطين رزيق في كتابه التأسيسي «معنى النكبة» بأنها ليست مجرد نكسة عابرة ولا شرا لا يلبث أن يتبدد أو يزول: إنها كارثة بكل معنى .

وهي أخطر ما أصاب العرب على مر تاريخهم الطويل. ومن شأن فشل العرب في مواجهة أخطارها أن يسلمهم إلى مستقبل فادح الخطورة من حيث انقسام الصفوف وتشرذم المواقف واستضعاف الأوضاع، وعلى نحو لا يختلف كثيرا (ص269) عما ظلت تشهده حقبة الخضوع للحكم الكولونيالي الذي كان العرب على وشك الخروج منها وصولا إلى أمل تحقيق الاستقلال عن سيطرة الاستعمار.

الحرس القديم والجيل الجديد

عند هذا المنعطف من تحليل آثار الأزمة نكبة أو عبرة فلسطين على نحو ما ذهب إليه كل من رزيق والعَلَمي يتابع كتابنا تحليل الأحداث والتطورات اللاحقة ويتوقف عند تشكيلات الضباط الأحرار في مصر إيذانا بثورة 23 يوليه 1952 وعند أهمية دور جماعة الإخوان المسلمين في مصر أيضا وعند الانقلابات العسكرية التي شهدتها سوريا في السنوات الأخيرة من عقد الأربعينات..

ويخلص الكتاب إلى نتائج نلخصها من جانبنا على النحو التالي الذي توضحه السطور الختامية من الفصل التاسع: كان للنكبة الفلسطينية تأثيرها على دنيا السياسة العربية:

لقد جاءت حقيقة فشل العرب (في فلسطين) لتغطي على ما كان يراودهم من آمال وطموحات الاستقلال عن الاستعمار.. ولهذا كان الكيان العربي أن يشهد توترات وتشنجات سياسية هائلة.. حيث عانت الدول الأربع التي كانت تحيط بكيان فلسطين الانتداب أحداثا جسيمة ما بين الاغتيالات السياسية والانقلابات والثورات. وقد تجلت أبرز هذه المتغيرات كما يوضح المؤلف فيما يلي:

بينما كان سياسيو الحرس القديم في تلك البلاد العربية (المشرقية) يكافحون لنيل الاستقلال الوطني ضمن حدود دولهم (القطرية) فإن الضباط الأحرار (الذين ثاروا عليهم) كانوا يوصفون بأنهم قوميون عرب ممن عملوا على الدعوة إلى الوحدة العربية. كذلك كان العهد البائد يتكلم اللغات الأوروبية فيما جاءت الطليعة الجديدة لتتكلم لغة الشارع العربي.

ماذا إذن عن المتغيرات في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية؟

يجيب مؤلفنا قائلاً: الضباط الشبان الذين جاءوا إلى السلطة في سورية عام 1949 وفي مصر عام 1952، ثم في العراق عام 1958 لم تكن تربطهم صلات مع بريطانيا وفرنسا.. ولهذا تطلعوا بدلا من ذلك إلى القوى العالمية المستجدة أيامها ـ الولايات المتحدة والى الاتحاد السوفيتي، غريمها في التنافس على موقع ومكانة القوة العظمى.

كانت تلك ـ يضيف المؤلف ـ نهاية العصر الإمبريالي وبداية عصر جديد هو حقبة الحرب الباردة.. وكان على العرب أن يكيفّوا أنفسهم مع مجموعة جديدة من قواعد اللعبة كما قد نقول.

القومية.. الصعود والانحسار

لم يوضح المؤلف عنوانا لهذه القواعد، ولكن يمكننا أن نستقيها من عنوان الفصل العاشر من كتابنا.. والعنوان يقول باختصار شديد: صعود القومية العربية.

مع بدايات هذا الفصل يسلط المؤلف الأضواء على تطورات الأحداث في مصر وبالذات مع الأشهر الأولى من مطالع عقد الخمسينات من القرن العشرين.. كانت فترة شديدة الدينامية مائجة بالأحداث..

وخاصة مع انتخاب حكومة الوفد وقيامها بالغاء معاهدة 1936 بوصفها آخر صكوك الارتباك بين مصر وبريطانيا الاستعمارية وما تبع ذلك على مستوى الإيجاب من قيام حركة مقاومة فدائية ضد بقايا الاستعمار الإنجليزي في منطقة قناة السويس.

أو على مستوى السلب من أحداث مؤسفة بلغت ذروتها المأساوية بحريق القاهرة في 26 يناير عام 1952 وكان تجسيدا لمدى عجز النظام الملكي القديم عن إدارة شؤون البلاد ومن ثم كانت تلك الأحداث هي المقدمة الزمنية.. والمنطقية أيضا لحدث التغيير الجذري الذي تسامع به المصريون والعالم الخارجي فجر 23 يوليه عام 1952.

ويتابع الكتاب أحداث مصر حتى منتصف الخمسينات.. ونلاحظ أنه يحيل أحياناً إلى مراجع غير تقليدية مثل كتابات الدكتورة نوال السعداوي والدكتور أنور عبدالملك وكان كلاهما شابا ومشاركا في الانتفاضات الوطنية في تلك الفترة فضلا عن اتخاذهما بعد ذلك مواقف معارضة بصورة أو بأخرى لنظام 23 يوليه نفسه.

ثم يعرض المؤلف لبزوغ زعامة جمال عبدالناصر الوطنية في مصر والقومية على مستوى العالم العربي والدولية من خلال مشاركته في تأسيس حركة عدم الانحياز، ونضاليا من خلال تأميم قناة السويس والتصدي لعدوان عام ,1956. ثم تنمويا من خلال تبّنيه مشروع سد أسوان العالي.

يشير المؤلف أيضا إلى التطورات التي استجدت في أقطار الشمال الإفريقي المغرب في زمن الملك محمد الخامس، وتونس في زمن الرئيس بورقيبة.. ثم الجزائر خلال حقبة النضال البطولي لتحريرها من ربقة الاستعمار الفرنسي.

كما يتابع الكتاب صعود حركة القومية العربية بوصفها دعوة سبق إلى أن تبنتها أجيال العروبيين منذ أوائل القرن العشرين، ثم رفعت أعلامها أحزاب سياسية عقائدية في المشرق بالذات مع أواخر الأربعينات، إلى أن وجدت بطلها، كما قد نصفه، في ناصر مع أواخر الخمسينات فبلغت ذروتها مع قيام دولة الوحدة المصرية السورية في ربيع عام 1958 ثم قيام ثورة العراق في صيف العام المذكور.

يقول المؤلف في ختام الفصل العاشر: في عقد الخمسينات اتخذت القومية العربية مسارا تصاعديا ملحوظا، وكان أن حلق نجم جمال عبدالناصر إلى عنان النجاح.. لكن هذه الدعوة (العروبية) ما لبثت أن مُنيت بسلسلة من الهزائم فكان أن حولت الستينات بعد ذلك إلى عقد من النكسات.

تأليف: إيوجين روجان

الناشر: بازيك بوكس، نيويورك ، 2009

عرض ومناقشة: محمد الخولي

عدد الصفحات: 553 صفحة