لا تدرك أوروبا كم أصبحت صلاتها الآن منقطعة مع بقية العالم، كما لا تدرك مدى تأثير ذلك على مستقبلها. فالعالم يتغير على وجه السرعة، فيما تواصل القارة الأوروبية اندفاعها.
وأنا لا أبالغ عندما أقول إن الهاجس الأوروبي بشأن إعادة هيكلة ترتيبات أوروبا الداخلية يتجانس مع إعادة ترتيب المقاعد السطحية للسفينة الغارقة «تايتانيك». وترتكب أوروبا ثلاثة أخطاء إستراتيجية فادحة، يتمثل أولاها بالتركيز على التحديات الداخلية بينما تعتبر التهديدات الحقيقية خارجية.
ولا يحتاج المرء لأن يكون موهوبا من الناحية الجيوسياسية ليعرف مصدر التحديات الرئيسية التي تواجه أوروبا على المدى الطويل. وقد يكون الاتحاد الأوروبي الآن بمثابة واحة سلام مريحة، وخال من الحروب بين أعضائه، غير أن أوروبا الهرمة لا تستطيع تجاهل عدد السكان المتنامي، والغضب الإسلامي المتصاعد في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، والانقسامات في البلقان والقوقاز، علاوة على شعور روسيا بالغضب تجاه أوروبا.
ولم يضع الاتحاد الأوروبي أية إستراتيجية جيوسياسية ملموسة، أو وثيقة الصلة، لمواجهة هذه التحديات. ولكي نفهم سبب ذلك، علينا أن نقرأ مذكرات الزعماء الأوروبيين في هذا الصدد. فقد أمضوا معظم وقتهم في معالجة التحديات الأوروبية الداخلية، وبددت سنوات طويلة في محاولة لوضع اتفاقية لشبونة في إطارها الصحيح.
وكان الهدف إنتاج زعامة أوروبية قوية للتعامل مع عالم أكثر تعقيدا. وكانت النتيجة اختيار أوروبا لشخصين غير مؤهلين كأول رئيس، ووزير خارجية للاتحاد الأوروبي. وهذا بمفرده كفيل بالتحدث عن نفسه بصوت مرتفع.
وأكبر تحد إستراتيجي يواجه أوروبا هو التحدي الإسلامي. وهذا التحدي موجود ضمن الهيكل السياسي للعديد من المجتمعات الأوروبية، فيما يبدو أسرع تحد ديموغرافي إسلامي كامنا على العتبات الأوروبية. ويتعين على أوروبا بالتالي اعتبار ذلك وسيلة، على المدى الطويل، لنزع فتيل الغضب الإسلامي منها.
غير أن الاتحاد الأوروبي أظهر، عوضا عن ذلك، جبنا أخلاقيا في مسألة الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني، ورفض الاعتراف في أن تؤدي السياسة الأميركية غير المتوازنة، إلى إلحاق الأذى بالمصالح الأوروبية. ولا توجد لدى أي زعيم أوروبي شجاعة أدبية لمصارحة السلطات الأميركية بالحقيقة في هذا الموضوع.
أما الخطأ الثاني الذي ارتكبته أوروبا فيتمثل بتجاهلها فرصتها الإستراتيجية الأولى في آسيا. فأية شراكة أوروبية ـ آسيوية كانت ستعود بالفائدة على الجانبين.
فآسيا الصاعدة ترحب بالتكنولوجيا والثقافة الأوروبية، وتوفر أسواقا جديدة ضخمة للمنتجات الأوروبية المتطورة. ولو استطاعت أوروبا التفكير والعمل بصورة إستراتيجية فستكون منهمكة بطرق الأبواب الآسيوية. وعوضا عن ذلك فإن الآسيويين هم الذين أصبحوا يفكرون بالنتائج مقدما.
ففي منتصف تسعينات القرن الماضي اقترحت سنغافورة عقد اجتماع آسيوي ـ أوروبي، وفي البداية استجابت أوروبا لذلك بحماس، غير أن الأزمة المالية الآسيوية الكبرى، التي حدثت عقب ذلك في عام 1997.
وفرت لأوروبا فرصة لتثبت أنها ليست مجرد صديقة مصلحة، وعوضا عن ذلك أدارت ظهرها لآسيا. وبرغم ذلك تواصل العمل بصورة آلية إزاء الاجتماع الأوروبي- الآسيوي. وفشل الأوروبيون في إدراك أنهم فشلوا في اكتساب قلوب الآسيويين وعقولهم.
والمثير للفضول أن عددا قليلا من الآسيويين فقط يشعرون بالاستياء من أوروبا، على الرغم من قرون من الاستعمار والهيمنة الأوروبية. حيث يركز الأوروبيون على المستقبل وليس الماضي. غير أن الآسيويين يتوقعون حتما أن يعاملهم الأوروبيون باحترام، وليس بشعورهم أنهم يقدمون تنازلا حضاريا لهم. وهذا شيء آخر لم يستوعبه الأوروبيون.
وركزت العواصم الأوروبية على تقديم الاحتجاجات قبل الألعاب الأولمبية التي أقيمت في بكين، وكذلك تكريس العبارات المتعلقة بحقوق الإنسان في اتفاقية التعاون الهندية ؟
الأوروبية، وافتقر الشعور بالقلق تجاه العرض البورمي للحساسية والتفكير القويم، وإذا لم تتصرف أوروبا بسرعة، فسيفوتها القطار الآسيوي. أما الخطأ الإستراتيجي الثالث الذي ارتكبته أوروبا فهو استمرار شعورها بالقلق تجاه علاقتها مع أميركا عبر الأطلسي.
ومن الصعب وصف المزيج الغريب للموقف الأوروبي تجاه الإدارة الأميركية ببضع كلمات، والشعور بالاستياء تجاه القوة الأميركية المفرطة، والتسامح والشعور بالاحترام تجاه الثقافة الأميركية، والاعتماد الكامل على القيادة الأميركية، والشعور بعدم الراحة تجاهها في الوقت نفسه. وفي أوج ذلك اعتقاد الأوروبيين بصورة راسخة بأن الثقافة هي قدرهم، وأن التراث المسيحي ـ اليهودي العام، والقيم التنويرية العامة، ستضمن إيجاد قاسم مشترك أزلي للمصالح.
وهذا سيدفع أميركا لوضع الأولوية لأوروبا، لأنها هي الكامنة في قلوب الأميركيين وليست آسيا. وعلى المدى الطويل، فإن الجغرافيا، لدى إضافتها إلى التحول الاقتصادي للقوة، هي التي ستقرر المصير الأوروبي. وفي حين تتزايد المصالح الأميركية في آسيا، فإن مصالحها تتقلص مع أوروبا.
وسيؤدي تزايد أعداد المهاجرين اللاتينيين في أميركا إلى جعل أميركا اللاتينية أكثر أهمية بالنسبة لها، ولهذا السبب فقد آن الأوان لكي يفكر الأوروبيون بالشيء المستبعد حدوثه، وهو أن العلاقة عبر الأطلسي قد تنتهي في يوم من الأيام.
بقلم: كيشور محبوباني - ترجمة ـ عمر حرزالله
