استطاعت حكومة نتنياهو، حتى الآن، أن تحقق مكاسب بالنقاط على إدارة أوباما، في مجالات عدة، فهذه الحكومة لم تعط تلك الإدارة سوى تنازلات لفظية بشأن القبول بإقامة دولة فلسطينية.
ولكنها اشترطت مقابل ذلك اعتراف الفلسطينيين بالطابع اليهودي لإسرائيل، والقبول بدولة منزوعة السلاح. أما بشأن القضايا الرئيسة، أي المتعلقة بوقف الأنشطة الاستيطانية، وتحديد مصير القدس ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين، فلم تبد إسرائيل أي «تنازل» في مواقفها بهذا الخصوص.
هكذا، فإن الإدارة الأميركية، التي كانت ربطت بين وقف الاستيطان واستئناف المفاوضات، لم تصمد في موقفها هذا، بل إنها لم تنجح في حمل إسرائيل على تجميد ولو مؤقت للأنشطة الاستيطانية، إذا استثنينا مناورة نتنياهو المتضمنة موافقته على تجميد مؤقت لهذه الأنشطة (لبضعة أشهر)، كثمن لاستمرار المفاوضات، بالتزامن مع إعلانه الموافقة على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في الضفة.
أما بالنسبة للمفاوضات ذاتها فقد تبنت الإدارة الأميركية موقف إسرائيل القاضي باستئناف المفاوضات من نقطة الصفر، ومن دون شروط أو معايير، أي بعيداً عن التفاهمات التي تم التوصل إليها مع حكومة أولمرت المنصرفة.
بالنتيجة فقد شهدنا كيف أن حكومة إسرائيل تجرّأت ووجهت صفعة قوية للإدارة الأميركية، بإعلانها عن الشروع ببناء 1600 وحدة سكنية جديدة في القدس وجوارها، إبان زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن لإسرائيل، والتي يفترض أنها جاءت لحثّ المسيرة السلمية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ولو بصورة مفاوضات غير مباشرة، بين هذين الطرفين.
وقد وضع هذا الإعلان، بايدن ومجمل الإدارة الأميركية بموقف حرج، أمام الفلسطينيين والعرب والعالم، وعن ذلك يقول بن كسبيت: «بايدن وصل إلى هنا كي يحاول ترميم الكيمياء بين البيت الأبيض والقدس، وتبديد الشبهات، وخلق نوع من شبكة العلاقات، وربما بداية جديدة. فماذا حصل؟ فقدناه هو أيضاً.
الرجل الأقرب لنتنياهو في واشنطن تلقى هنا العلاج الدائم، ذاك الذي في أعقابه يعود الضيف إلى عاصمته غاضباً، مهيناً، عصبياً ومفعماً بمشاعر الانتقام. وهذا دوماً «فني»، هذا دوماً «بالمصادفة»، ورئيس الوزراء «فوجئ» كعادته، عندما أدخل له مساعده بطاقة مع البيان إياه عن عطاءات البناء الجديدة في شرقي القدس..
هذا يحصل دوماً ـ بالضبط مثل الساعة السويسرية. (بن كاسبيت، «معاريف»، 310) وبرأي إيلي بردنشتاين فإن «حكومة إسرائيل.. تجتهد لإحراج الأميركيين المرة تلو الأخرى.
في نوفمبر الماضي، بعد يوم واحد من إيضاح المبعوث إلى الشرق الأوسط جورج ميتشيل أن الولايات المتحدة تعارض البناء في حي غيلو في القدس أيضاً، صادقت اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء على مشروع من 900 وحدة سكن في الحي.. مرت أربعة أشهر فقط، والسيناريو يكرر نفسه. هذه المرة، في أثناء زيارة نائب الرئيس الأميركي جو بايدن، حين تكون المفاوضات مع الفلسطينيين على وشك الاستئناف. («معاريف»، 310).
طبعاً ثمة من رأى، بتوقيت هذا الإعلان، ومغزاه، انعكاساً للائتلاف الحكومي، حيث نتنياهو مضطر لمسايرة حليفيه اليمينيين («إسرائيل بيتنا» لليهود الروس من القادمين الجدد، و«شاس» لليهود الشرقيين المتدينين). لكن هذا التفسير لا يكفي البتة، ذلك أن نتنياهو نفسه يؤكد أهمية الاستيطان، وهو فقط اعتبر الإعلان مجرد توقيت خاطئ، دون أن يوقف مفاعيله.
لذا ربما التفسير الأقرب للواقع يرتبط بالطابع المعقد للعلاقات الإسرائيلية ـ الأميركية، فنحن هنا إزاء دولة صغيرة تتعامل مع دولة كبيرة بصورة ندية، وكأنها تتمتع بامتيازات اكبر من تلك التي تحظى بها أية ولاية في الولايات المتحدة الأميركية. القصد هنا أن إسرائيل تعمل في داخل المجتمع الأميركي.
وفي إطار السياسة الأميركية ذاتها، بالاعتماد على العلاقات التاريخية والروابط الاستراتيجية وشبكة المصالح التي تربطها بالولايات المتحدة الأميركية.
إضافة إلى ما تقدم فإن إسرائيل ترى في إضعاف أوباما وإدارته مساهمة منها في إنعاش القوى الحليفة لها في السياسة الأميركية، وهي تراهن على قلة حيلة إدارة أوباما في مواجهتها، بالنظر إلى أن هذه الإدارة ستواجه مشكلات داخلية في هذه الحال، بخاصة مع قرب موعد الانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي.
أما على الصعيد الخارجي فإن إسرائيل تستشعر بأهميتها للولايات المتحدة، بالنظر للجهود التي تبذلها للجم نفوذ إيران، وتقويض سعيها لامتلاك طاقة نووية؛ خاصة أن الإدارة الأميركية تبدي حذراً كبيراً إزاء قيام إسرائيل بأية خطوة منفردة تجاه إيران، ربما تورط الولايات المتحدة بتداعيات خارج حساباتها.
في كل ذلك فإن نتنياهو يلعب باتجاه الضغط على إدارة أوباما لتمرير سياساته، وفرض أجندته على السياسة الأميركية الشرق أوسطية، لاسيما ما يتعلق بعملية التسوية، وبكيفية تحجيم نفوذ إيران.
هكذا ففي هذا الإطار يمكن تفهم الموقف الحرج الذي وضع فيه نائب الرئيس الأميركي في إسرائيل، كما يمكن تفهم سعي الإدارة الأميركية للملمة الموضوع بأقل قدر من الخسائر.
