جاءت الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين للهند لتكشف بوضوح عن مدى الاهتمام البالغ لكلا البلدين بتطوير وتقوية العلاقات بينهما إلى أعلى المستويات، الأمر الذي جعل الكثير من المراقبين يتصورون وجود تحالف إستراتيجي واقعي وحقيقي بين البلدين ينتظر الإعلان عنه في وقت قريب.
وقد تم خلال الزيارة توقيع نحو خمسة عشرة وثيقة تعاون بين البلدين تقدر قيمتها بأكثر من عشرة مليارات من الدولارات، وذلك في مختلف المجالات، وعلى رأسها المجال العسكري، من بينها عقد حول توريد دفعة إضافية من طائرات «ميغ ـ 29 ك» الروسية للجيش الهندي بقيمة 5 ,1 مليار دولار، وسيبدأ التوريد في عام 2012.ومن المعروف أن التعاون العسكري بين البلدين لم يتوقف على مدى أكثر من نصف قرن مضى، وأنه قد شهد في السنوات العشرة الماضية طفرة كبيرة وصلت إلى حد التصنيع المشترك للسلاح الحديث بين البلدين.وقد كشف اجتماع اللجنة الروسية الهندية للتعاون العسكري التقني المشترك الذي عقد في موسكو في منتصف أكتوبر الماضي برئاسة وزيري دفاع البلدين عن أفاق كبيرة وصل إليها التعاون بين البلدين في هذا المجال تعكس في رأي البعض توجهات إستراتيجية عسكرية أكثر منها اقتصادية أو سياسية.
حيث أعلن في الاجتماع عن تجديد اتفاقية التعاون العسكري التقني بين البلدين، والتي ستنتهي العام الجاري إلى عشرة أعوام أخرى حتى عام 2020، كما أعلن في الاجتماع عن إنتاج مشترك للبلدين لأسلحة جديدة إستراتيجية لا مثيل لقوتها ودقتها وسرعتها في العالم، ومنها صاروخ جديد تفوق سرعته سرعة الصوت، وطائرة مقاتلة جديدة من الجيل الخامس.
ولا شك أن هذه التطورات ستزيد من قلق وتوتر الغرب وواشنطن ودول أخرى حول التعاون العسكري الهندي الروسي، والذي تحوم حوله تساؤلات وجدل كبير في الأوساط الدولية.
صواريخ وطائرات
وزير الدفاع الهندي كوريان أنتوني أعلن في موسكو بحضور نظيره الروسي أناتولي سيرديكوف عن اتفاق البلدين على إنتاج نوع جديد من الصواريخ الحديثة من سلسلة صواريخ «براموس» لا يوجد مثيل لها في العالم.
حيث تفوق سرعتها سرعة الصوت بثلاث مرات، مما يجعلها غير قابلة للاعتراض من أية وسائل دفاع جوي، كما أعلن عن البدء في تصنيع مشترك بين البلدين لطائرة مقاتلة من الجيل الخامس تضاهي الطائرة الأميركية ( إف ؟ 22 ).
ويذكر أن برنامج التعاون التقني العسكري بين روسيا والهند، والذي بدأ عام 2001 لمدة عشرة سنوات وسيمدد حتى عام 2020، قد تم خلاله انجاز العديد من مشاريع تصنيع وتطوير مشتركة للأسلحة الثقيلة والإستراتيجية، مثل برنامج صواريخ «براموس» نسبة إلى نهري براهما بوترا الهندي وموسكوفا الروسي.
والذي أنتج صواريخ مضادة للسفن الحربية تفوق في قوتها ودقتها صواريخ «توماهوك» الأميركية، وتم تزويد الأسطولين الحربيين للبلدين بهذه الصواريخ، كما يتم تطوير أكثر من مائة طائرة مقاتلة من طراز «سوخوي ـ 30 » الروسية التي تعد الطائرة ألأولى في الجيش الهندي.
كما اشترت الهند في إطار البرنامج حاملة لطائرات الروسية «الأدميرال غورشكوف» في صفقة بنحو مليارين من الدولارات، ويتم الآن تطوير الحاملة في روسيا وتزويدها بنحو 16 طائرة من طراز (ميج ؟ 29) وستة طائرات مروحية، وستستلم الهند حاملة الطائرات الروسية عام 2012 بضمان لمدة 30 عام، وستطلق عليها اسم جديد هندي هو «فيكارا ماريتيا» لتصبح أول حاملة طائرات في تاريخ العسكرية الهندية.
تراخيص ومناورات
وتطورت العلاقات بين البلدين في إطار برنامج التعاون التقني العسكري إلى درجة موافقة روسيا على منح الهند تراخيص تصنيع وتطوير أسلحة روسية حديثة، وهو الأمر الذي لم توافق عليه روسيا لأية دولة أخرى ولا للصين التي تعتبر المستورد الثاني للسلاح الروسي بعد الهند.
ويرى الخبراء العسكريون والإستراتيجيون الروس أن ثقة روسيا في الهند في هذا المجال أكبر من ثقتها في الصين التي تطمح لمنافسة روسيا في سوق السلاح رغم أن معظم إنتاجها العسكري تقليد لأسلحة سوفيتية وروسية، وكانت روسيا قد وقعت عام 2004 مع الهند اتفاقية حقوق ملكية الاختراعات.
والتي أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن المقصود منها عدم تسريب أسرار التكنولوجيا العسكرية الروسية لإسرائيل بالتحديد، كما صرح بذلك المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية، وفي المقابل توقفت روسيا عن أي تعاون عسكري مع باكستان بناء على طلب الهند.
وتطور التعاون العسكري بين الهند وروسيا إلى مستوى المناورات العسكرية البحرية المشتركة، وهو تطور غير مسبوق منذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين نيودلهي وموسكو عام 1947، حيث أجريت أول المناورات المشتركة بينهما في أكتوبر عام 2005 في المحيط الهندي، وقد حاولت واشنطن إقناع الهند بالعدول عن هذه المناورات دون جدوى.
كما طلبت واشنطن حضور هذه المناورات كمراقب ولم يقبل طلبها، وأثارت هذه المناورات قلقا كبيرا لدى حلف الناتو وواشنطن، خاصة أنها أتت بعد شهرين فقط من أول مناورات عسكرية مشتركة بين روسيا والصين أيضا في تاريخ البلدين، والتي طلبت واشنطن والناتو أيضا حضورها كمراقبين ورفض طلبهما، وأجريت في أبريل من العام الماضي مناورات بحرية روسية ـ هندية مشتركة في المحيط الهندي.
ترويكا الشرق
التعاون العسكري التقني بين روسيا والهند يشوبه في رأي الكثير من المراقبين غموضا كبيرا حول مداه وأهدافه الإستراتيجية، خاصة وأنه يأتي في وقت التقارب الواضح بين روسيا والصين من جهة وبين الصين والهند من جهة أخرى.
حيث تشكل واردات الهند والصين معا 70% من صادرات السلاح الروسي، وقد نجحت روسيا في عهد الرئيس الروسي السابق ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين نجاحا كبيرا في تطبيع العلاقات بين الصين والهند بعد سنوات عداء طويلة كانت فيها الصين الحليف الأكبر لباكستان ضد الهند، ونجح بوتين في إقناع بكين بوقف تعاونها العسكري مع باكستان تماما.
وأصبح التعاون بين العمالقة الثلاثة ( روسيا والهند والصين) مثار جدل كبير في الأوساط الإستراتيجية العالمية، خاصة وأن العالم الغربي لا ينسى نبوءة رئيس الوزراء الروسي ورئيس المخابرات الروسية الأسبق الخبير الإستراتيجي الروسي يفجيني بريماكوف عام 1998 التي قال فيها أنه يتوقع في المستقبل نشوء تحالف إستراتيجي بين العمالقة الثلاثة، وأطلق عليه بريماكوف اسم «ترويكا الشرق العظمى».
وقال بريماكوف أن هذا التحالف سيضع حدا لنفوذ وهيمنة الغرب على الساحة الدولية وسيكون في صالح الأمن والسلام الدوليين وفي صالح كافة شعوب العالم، أيضا فلاديمير بوتين لم يخفي الأهداف الإستراتيجية للتعاون العسكري مع الهند والصين عندما كان رئيسا لروسيا، حيث صرح بأن «السلاح الروسي لا يباع كتجارة ولا من أجل المال، بل يباع وفقا لمصالح روسيا السياسية والإستراتيجية».
وقال بوتين «العلاقات بين موسكو ونيودلهي ذات طابع استراتيجي، والتعاون العسكري بينهما انطلق بلا تراجع وفي جميع الاتجاهات، وأن الهند التي يشغل السلاح الروسي سبعين في المائة من تسليح جيشها تتحمل روسيا مسؤولية تاريخية في تطوير جيشها وقدراتها وتقنياتها العسكرية».
التعاون النووي
التعاون بين روسيا والهند متطورا ليس فقط في المجال العسكري بل في مجالات عديدة حيوية وإستراتيجية أيضا، ومنها مجال الطاقة النووية السلمية الذي وصل تعاون البلدين فيه إلى مستوى لا يضاهيه أي تعاون في نفس المجال بين بلدين آخرين.
وفي زيارته الأخيرة للهند في 13 مارس الجاري قال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين «إن الطاقة الذرية تشكل أحد الاتجاهات التي تحظى بالأولوية في التعاون بين روسيا والهند.
ويعتزم البلدان على وجه الخصوص تطوير التعاون في ميدان البحوث العلمية، وبناء منشآت جديدة، وتوريد الوقود النووي، وكذلك في مجال معالجة النفايات النووية».
كما صرح سيرجي كيرينكو رئيس شركة «روس أتوم» الروسية لتصدير التكنولوجيا النووية أن الهند ستخصص في في الفترة القادمة موقعا ثالثا لبناء محطة نووية جديدة ستتولاها الشركة الروسية، بعد أن خصصت من قبل موقعين لبناء محطتين كبيرتين في إقليمي » هابيور» و«كودانيكولام».
وأشار كيريينكو إلى أن هناك «خارطة طريق» في طور الإعداد للتوقيع بين روسيا والهند، حول العمل المشترك في مجال الطاقة الذرية والإنتاج التسلسلي لـ 12 مفاعلا نوويا للعمل في المواقع الثلاثة التي خصصتها الهند لهذا الغرض.
وتأخذ الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين بعين الاعتبار، بناء ستة مفاعلات نووية كحد أدنى في محطة «كودانكولام»، ومن المقرر البدء ببناء ستة مفاعلات أخرى في موقع «هاريبور» قبل عام 2017.
وفي نيودلهي تحدث رئيس الوزراء الروسي للجمهور الهندي من خلال شبكة الانترنت في حوار مفتوح حول التكنولوجيا النووية الروسي فقال«المفاعلات النووية الروسية تعتبر، وفق تقييم الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إحدى أكثر المفاعلات أمانا، فهي مصممة بغلاف مزدوج، ومزودة بأجهزة حماية متطورة ذات طابع ذهني وإنتاجي».
وأكد بوتين أن المفاعلات الروسية تتميز عن المفاعلات الأخرى التي يجري إنشاؤها في العالم في الوقت الحاضر، بصمودها في حالة سقوط طائرة بوزن عدة أطنان عليها مباشرة.
وأشار إلى أن المفاعلات النووية الحديثة التي تعرضها روسيا على الزبائن الأجانب، وبالتحديد التي تقوم ببنائها في الهند، يجري استخدامها في روسيا أيضا.
نفط وغاز
ولا يقتصر التعاون الروسي- الهندي في الطاقة على المجال النووي فقط بل يمتد ليشمل مصادر الطاقة الأخرى، حيث تشارك الهند في استثمارات حقول النفط والغاز الروسية، كما تتولى شركة غاز بروم الروسية عمليات التنقيب عن الغاز والنفط في خليج البنغال، وتشارك غازبروم أيضا في خط أنابيب الغاز الإستراتيجي (تركمنستان أفغانستان باكستان الهند) بطول 1700 كم.
وفي مشروع خط غاز (ميانما بنغلاديش الهند)، كما يتطور التعاون العلمي التقني بين روسيا والهند تطورا ملحوظا، حيث تم خلال الأعوام الخمسة الماضية إنجاز نحو 450 مشروع علمي مشترك في مختلف المجالات.
وتم إنشاء سبعة مراكز أبحاث علمية مشتركة، وأثمر هذا التعاون عن إنجازات كبيرة، منها إنتاج الكمبيوتر السوبر، وإنتاج لقاح جديد لشلل الأطفال ينتج منه 100 مليون جرعة سنويا، وإنتاج أنواع جديدة من معادن غير حديدية، وإنتاج جيل جديد من المضادات الحيوية وغير ذلك من الإنجازات الكثيرة التي تحتاج إليها وتستهلكها السوق العملاقة للبلدين والتي يبلغ حجمها مع الصين ثلث السوق العالمية.
الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند في 13 مارس الجاري وما تحقق فيها من إنجازات تعكس بوضوح مدى النمو والتطور التي وصلت إليه العلاقات بين هذين البلدين الكبيرين، هذه العلاقات التي تثير جدلا وتساؤلات كثيرة في الأوساط الدولية حول سر نموها وتطورها المستمر على مدى أكثر من ستة عقود مضت تغيرت فيها الأحوال والأوضاع الدولية تغيرات جذرية، كان أبرزها انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الاشتراكي الذي كانت تتزعمه موسكو.
وظهور نظام القطب الأوحد الأميركي الذي فرض هيمنته ونفوذه على الساحة الدولية، وعلى الرغم من تدهور أحوال روسيا الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية وتراجع مكانتها بشكل ملحوظ في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وابتعاد معظم حلفائها وأصدقائها عنها.
بما فيهم جيرانها من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، وعلى الرغم من الميول الغربية التي طغت على توجهات سياسات نظام الرئيس الروسي الراحل بوريس يلتسين خلال تسعينات القرن الماضي، إلا أن الهند ظلت على ولائها ووفائها لروسيا ولم تتخلى عنها، وظل التعاون العسكري بين البلدين قائما لم يتغير.
وذلك رغم المحاولات العديدة من الغرب، وخاصة من واشنطن لاستقطاب العملاق الهندي وسحب البساط من تحت أقدام روسيا في السوق الهندية، وخاصة في سوق السلاح الذي تتصدر فيه الهند قائمة مستوردي السلاح الروسي.
ومن المعروف أن الهند ليست دولة إشتراكية، ولم تكن في الزمن السوفييتي من الدول المحسوبة على المعسكر الاشتراكي، وكانت في عهد الزعيم الهندي جواهر لال نهرو من قادة مجموعة دول عدم الانحياز، والاقتصاد الهندي على مدى تاريخه يتسم بطابع ونظام اقتصاد السوق الرأسمالي.
ورغم هذا لم تحسب الهند يوما ما دولة ضمن المعسكر الرأسمالي المناهض للمعسكر الإشتراكي، بل على العكس من ذلك اختارت الهند الاتحاد السوفييتي كصديق أكبر فضلته على جميع الدول الرأسمالية، خاصة في المجال العسكري، بحيث ظل الجيش الهندي على مدى النصف الثاني من القرن الماضي.
ومازال حتى الآن يعتمد في تسليحه على السلاح السوفييتي ومن بعده السلاح الروسي الذي يشكل أكثر من سبعين في المائة من تسليح الجيش الهندي، وقد شهدت العلاقات بين البلدين طفرة كبيرة في التطور بعد وصول فلاديمير بوتين للحكم في الكريملين عام 2000.
حيث بدا واضحا اهتمام بوتين البالغ بالعلاقات مع الهند والصين أيضا، وقد استشعرت واشنطن الاهتمام الروسي بالهند، وزاد قلقها بالتقارب بين البلدين في مجال الطاقة النووية.
وحاول الرئيس الأميركي السابق بوش الابن اختراق هذه العلاقة باتفاق تعاون نووي مع الهند يوفر لها التكنولوجيا الأميركية، إلا أن هذا الاتفاق واجهته عقبات كبيرة، سواء في نيودلهي أو واشنطن، حيث اعترض الكثيرون في برلماني البلدين على الاتفاق.
واتهم بعض أعضاء الكونجرس الأميركي الرئيس بوش بالجهل السياسي لأنه لا يعرف شيء عن العلاقات الروسية- الهندية، والتي وصفها أعضاء الكونجرس الأميركي بـ «الزواج الكاثوليكي» الذي يصعب فسخه أو حتى اختراقه.
الآن تسير العلاقات الروسية ـ الهندية نحو الأمام بخطى واسعة للغاية، وتنمو في مجالات حيوية وإستراتيجية، وخاصة المجال العسكري والتعاون النووي السلمي، وقد صرح بذلك رئيس الوزراء الروسي بوتين أثناء زيارته للهند حيث قال «أن المصالح الجيوسياسية لدى روسيا والهند، كشريكين استراتيجيين، تتطابق والشعب الروسي يعتبر الهند شريكا إستراتيجيا من منطلق التقاء مصالحنا الجيوسياسية».
د. ليونيد ألكسندروفتش - كاتب روسي - موسكو ونيودلهي..

