جاء انعقاد المؤتمر الأوروبي الذي دعا إليه المستشار الألماني التاريخي بسمارك في موعده الموقوت بالنسبة للمصالح الاستعمارية وللمد الإمبريالي الأوروبي.. وليس مصادفة أنه جاء بعد أهم حدثين خطيرين وقعا في الربوع الشمالية من القارة الإفريقية..

وقد تَّمثل أولهما في احتلال فرنسا لتونس عام 1881، ثم احتلال انجلترا لمصر في عام ,1882. وكان قد سبق هذين الحدثين ؟ كما هو معروف ؟ احتلال فرنسا للجزائر في عام 1830 للميلاد.كذا ارتبطت لفظة «التسابق» أو فلنقل التكالب (Scramble) في الإنجليزية باندفاعة الهرولة الاستعمارية ؟ التكالب الإمبريالي على احتلال أرجاء من شرق إفريقيا وغربها ابتغاء تحقيق مصالح قوى الاستعمار الأوروبي منذ أكثر من 130 عاماً من عمر الزمن الحديث.من هنا يلفت أنظارنا بشدة تلك العودة إلى استخدام نفس مصطلح التسابق - أو الهرولة - ولكن هذه المرة نحو منطقة مغايرة تماماً من مناطق عالمنا.

ذوبان الثلوج

نتحدث عن السباق نحو القطب الشمالي من كوكب الأرض: هي ظاهرة شبه استعمارية كما قد نسميها.. قام برصدها كاتب أميركي هو «سكوت بورغيرسون» الباحث المتخصص في الشؤون الدولية بمجلس العلاقات الخارجية في واشنطن، وقد عمل في السابق ضمن قادة البحرية الأميركية.

في مجلة الشؤون الخارجية (فورين أفيرز)، نشر الأستاذ «بورغيرسون» دراسته بشأن هذا السباق نحو المناطق القطبية المتجمدة من العالم، وما ترتب على ذلك من آثار في مجالات الاقتصاد والأمن الدولي، وبخاصة ما يتعلق منها بظاهرة التساخن ـ الاحترار الكوكبي، التي باتت محور اهتمامهم واهتمامنا أيضاً في الآونة الأخيرة.

نلاحظ أن الباحث لا يضيّع وقتاً، بل إنه يستهل دراسته بسطر تحذيري بالغ الإيجاز يقول:

ـ المحيط المتجمد يذوب. ويذوب بسرعة.

بعدها توضح الدراسة أن أحدث موسم صيف مر على عالمنا أدى إلى أن خسرت المنطقة القطبية الشمالية من كوكبنا نصف غطائها من الصفائح الجليدية، وعلى صعيد مساحة شاسعة قوامها مليون ميل مربع، وتم ذلك في 50 عاماً لا تزيد، وهي بداهة غمضة عين في حياة كوكب الأرض كما قد نقول.

وفي ما يضع الحادبون على مناخ الكوكب - من علماء واختصاصيين أو دارسين متابعين مثلنا - أيديهم على قلوبهم خوفاً على مستقبل هذه المنطقة التي تعد بمثابة جهاز التكييف الأسطوري للكرة الأرضية، فإن ثمة جوانب لم تفت بالطبع على مصالح الاحتكارات الدولية، وبخاصة في بلاد الغرب الأوروبي ـ الأميركي. وفي مقدمتها جانبان أساسيان، هما:

أولا أن المناطق القطبية من الشمال الكوكبي أصبحت بهذا طرقاً سالكة مفتوحة أمام الملاحة الدولية بغير عوائق الجبال الجليدية أو المسطحات المتجمدة التي طالما غطتها عبر أزمان وأزمان، وبهذا يمكن تشغيل خطوط بحرية منتظمة.. تحقق ؟ كما تقول الدراسة التي نحن بصددها ؟ أحلاماً طالما راودت خيالات المستكشفين الأوروبيين بشأن طريق سالك في أقصى شمال العالم يصل ملاحياً بين أوروبا وآسيا.

ثانيا: أن هذا التمهيد أو التعبيد أفضى إلى جعل تلك المنطقة القطبية الشمالية مفتوحة بدورها أمام عمليات التنقيب، ومن ثم الاستكشاف، وبعده الاستغلال لما تحويه في باطنها منذ الأزل من رسوبات وركازات من الموارد الطبيعية بالغة الثراء شديدة السخاء.

من هنا يخلص الباحث الأميركي إلى أن يقول: «هكذا تولدت عن ظاهرة التساخن الكوكبي حركة تَسَابُق مستجدة على الأرض والموارد في ما بين القوى ؟ الدول المطلة على القطب الشمالي، وفي مقدمتها كل من روسيا وأميركا».

النفط والغاز

وفي تصورنا أن هذا السباق جدير أن يحمي وطيسه وتشتد اندفاعته، وبخاصة في ضوء حقيقة تقول إن هذه المنطقة القطبية تحوي آخر موارد واسعة النطاق لم يتم اكتشافها بعد من الهيدروكربونات، وفي مقدمتها بطبيعة الحال النفط والغاز الطبيعي.

من ناحيتها خفت روسيا إلى العمل.. في إطار نظامها وقيادتها الجديدة في الكرملين.. حيث تعمل موسكو جاهدة على استعادة دورها كقوة عظمى كانت تتمتع بمكانة نافذة خلال حقبة الحرب الباردة منذ انتصاف القرن الماضي.. ثم أخنى عليها الدهر السياسي مع الهزيع الأخير من القرن المذكور.. إلى أن بدأت في استرداد أنفاسها في ظل ولاية بوتين ومن بعده مدفيديف.

حيث أدركت قيادة الكرملين أن أهم الأوراق الرابحة مع هذا العقد الاستهلالي من القرن الجديد لم تعد في الإيديولوجيا، بقدر ما أنها ورقة الموارد اللازمة حيوياً لدوران عجلة التقدم واستمرار عمليات التصنيع والتطور والتنمية المستدامة.. وهي بالذات ورقة النفط والغاز التي باتت روسيا تلعبها.. على المكشوف إزاء الجارة الأوكرانية أولاً، ثم إزاء الأصقاع المتاخمة من قريب أو بعيد ما بين وسط وغربي القارة الأوروبية.

فما بالنا إذن وأن أحوال التساخن التي ألمحنا إليها يمكن أن تمهد السبيل أمام اكتشافات جديدة من هذا النفط والغاز، وهي أوراق جديدة بدورها ورابحة في كل حال.

لم يكن مصادفة إذن أن تبادر روسيا على مدار السنوات التي انقضت من هذا القرن الجديد إلى المطالبة أمام منظمة الأمم المتحدة ببسط النفوذ على منطقة شاسعة من المنطقة القطبية الغنية بالموارد الطبيعية وتبلغ مساحتها 460 من الأميال المربعة..

وعلى الرغم من أن المنظومة الدولية رفضت الطلب منذ عامين، فإن موسكو ما زالت ترسل البعوث البحرية ؟ عسكرية ومدنية إلى المنطقة، في إشارة إلى أن لها وجوداً، إن لم يكن حقوقاً، هناك، وهو ما لا يزال يشكل قلقاً لدى القوى- الدول المعتدلة الأخرى في المنطقة مثل كندا والنرويج.

دور لأميركا

على الجانب الأميركي، تتصاعد الدعوات في صفوف الإدارة والكونجرس والنُخب والرأي العام إلى أن تسلك واشنطن سبيلاً ينحو صوب مزيد من الفعالية إزاء قضية السباق نحو القطب وموارده وإمكاناته..

وفي ما يشير القوم إلى ما يبادر الطرف الروسي إلى اتخاذه من إجراءات بالغة النشاط في هذا السياق.. لا يفوتهم أيضاً الإشارة إلى أن دولة غير قطبية اسمها الصين بدأت تبدي الاهتمام بالمنطقة، بل وتعمل على تشغيل كاسحة ثلوج عملاقة لزوم النشاط في المنطقة الحافلة بكل الوعود (بالمناسبة تملك روسيا 17 كاسحة جليد فيما ينعي المنتفذون على أميركا إهمالها في هذا الصدد). من هنا تخلص الدراسة التي نحن بصددها إلى أن تقول:

ـ ليس بوسع واشنطن أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يدور في مناطق القطب إلى الشمال.. فما بالك وهذه المنطقة لا تنظمها في الوقت الحاضر أي معايير شاملة متعددة الأطراف ولا لوائح (أو معاهدات أو اتفاقيات) تقنّن أنماط السلوك الدولي على صعيدها.

إلى الشمال

يخلص الباحث الأميركي إلى النتيجة التالية: إن القرارات التي سوف تتخذها الدول المشارِكة في هذه المنطقة القطبية على مدار السنوات المقبلة.. جديرة بأن تؤثر بعمق في صياغة مستقبل المنطقة المذكورة، وعلى مدار عقود قادمة من الزمن.

لكنه يحاول أن يكون باحثاً رصيناً أو كاتباً موضوعياً أو مفكراً محايداً حين يدعو أميركا إلى أن تكون ضالعة في هذه القضية.. وهو لا يسوق هنا مكاسب اقتصادية، ولا دوافع للاستثمار الرأسمالي، ولا حتى مصالح تمّس الأمن القومي للولايات المتحدة، وبخاصة ما يتعلق بهذا كله بجوانب الموارد المرتقبة من طاقة الوقود الأحفوري ؟ النفط والغاز بكميات أكبر وبتكاليف أقل.

الدراسة تقول في هدوء ملحوظ ما يلي:

ـ بغير تسلّم الولايات المتحدة زمام القيادة في هذا الأمر.. وكي تساعد واشنطن على التوصل إلى حلول دبلوماسية لهذه المطالبات المتنافسة من جانب الأطراف القطبية المختلفة.. بكل ما قد تُفضي إليه من صراعات، فإن المنطقة القطبية المذكورة يمكن أن تشهد اندلاع صدام مسلح.. مجنون (نص المصطلح المستخدم) على ما تحفل به من موارد وإمكانات.

في كل حال فإن شمال العالم على وشك أن يشهد حقبة أقرب إلى تلك التي صورها عبقري الكوميديا الأميركي شارلي شابلن في فيلمه الشهير: «البحث عن الذهب».

كان ذلك منذ قرن مضى تقريباً.. وكانت حقبة شهدت تلك الاندفاعات المجنونة.. وقد غذتها الأطماع والصراعات البشرية من أجل البحث عن الذهب في كاليفورنيا غربي الولايات المتحدة، بكل ما أفضت إليه من خلل في موازين العلاقات الإنسانية، ومن تشوهات سوسيو ـ اقتصادية وسياسية، إن صح التعبير.

كان النداء وقتها يوجه إلى أجيال طالعة من مستوطني أميركا يقول: إلى الغرب.. اذهب أيها الشاب.لكن ها هو الزمن يدور دورته، كي يتحول النداء فيصبح على الصيغة التالية كما تقول الدراسة الأميركية المنشورة: إلى الشمال.. اذهب أيها الشاب.

والحاصل أن الشمال القطبي.. تغيرت أحواله، فلم يعد منطقة الظلام الثلجي الرهيب، ولا أرض الشتاء الدائم طيلة العام: لقد ارتفعت درجة الحرارة الكوكبية بسبب انبعاثات غازات الكربون.. وزادت حرارة الشمس، وذابت جبال الثلوج.. ولاحت وعود الموارد من باطن الأرض.

وعليه.. فإلى الشمال يذهب الشباب طمعاً في ثروة المستقبل.

وربما لا يدرون أن وعود هذا المستقبل محفوفة بأخطار تهدد الكوكب ذاته في مناخه ومياهه ومخلوقاته الحية.. أخطار لا يعلم بها إلا الله.

الاحتلال يتوجه من الجنوب إلى الشمال

اكتسبت كلمة السباق (Scramble) في المصطلح السياسي المعاصر مفهوماً غاية في السلبية بعد أن أطلقت على ما حدث في مؤتمر برلين المعقود عام 1884، بدعوة من مستشار ألمانيا في ذلك الحين «أوتو بسمارك» إلى الدول الكبرى في أوروبا الغربية بالذات لاقتسام كعكة سائغة واعدة بالموارد والإمكانات اسمها القارة الإفريقية.

وبهذا أصبح مؤرخو العصر الحديث.. يصفون هذا التجمع الأوروبي بأنه كان تكريساً للعصر الكولونيالي الذي تم فيه استعمار أغلب أصقاع إفريقيا، في ما كان يواكب ذروة نمو واستشراء الرأسمالية الأوروبية منذ أيام الثورة الصناعية في أوائل القرن ,19.

وهو النمو الذي دفع القوى الرأسمالية الأوروبية إلى استعمار إفريقيا طمعاً في مواردها الغنية البكر من جهة، ورغبة في فتح أسواق جديدة لاستهلاك منتوجات التصنيع الغرب ؟ أوروبي من جهة أخرى.

تشير دراسة أميركية منشورة مؤخراً إلى أن العالم على وشك أن يشهد سباقاً جديداً هو أقرب إلى التدافع أو التكالب على الإمكانات والموارد التي تحفل بها منطقة واعدة أخرى، هي القطب المتجمد من شمال العالم، بعد أن أدت ظاهرة الاحترار الكوكبي التي تسببت فيها الانبعاثات الكربونية الضارة من غازات الاحتباس الحراري إلى رفع درجة حرارة هذه المنطقة القطبية المتجمدة.

ومن ثم إلى ذوبان ثلوجها السرمدية على صعيد مناطق شاسعة، ما جعلها حلبة مفتوحة أمام قوى الاحتكارات الرأسمالية في الغرب طمعاً في ما يعد به باطن هذه المناطق، البكر بدورها، من إمكانات وموارد، يأتي في مقدمتها النفط والغاز الطبيعي..

من هنا بدأت المنطقة القطبية تشهد تحركات ومنافسات ومطالبات من جانب شتى أطرافها، وبخاصة روسيا الباحثة عن استعادة دورها ومكانتها السابقة في ساحة السياسة العالمية..

وهو ما يدعو بعض المراقبين إلى أن يكون للولايات المتحدة دور تسعى من خلاله أن تحول دون تحّول هذه المنافسات الإقليمية في القطب إلى صراع يدفع العالم ثمنه في نهاية المطاف.

«السباق على إفريقيا» هو التعبير الذي اصطلحت عليه معاجم العلوم السياسية في معرض التأريخ لحقبة أو بداية حقبة خطيرة من تاريخ العالم الحديث.. هي الحقبة الكولونيالية، التي شهدت - كما يدل هذا المصطلح - تسابقاً بلغ في سخونته واندفاعاته المحمومة درجة التكالب على استعمار القارة الإفريقية، وبخاصة مناطق إفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى.

التأم عقد الفرقاء من غرب أوروبا في برلين عاصمة الامبراطورية البروسية ؟ الألمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.. دعاهم إلى الانعقاد «أوتو بسمارك».. المستشار الألماني الحديدي كما كانوا يسمونه.. وطرح المجتمعون على الطاولة خارطة القارة السمراء تمهيداً لكي يقسموها في ما بينهم.. حيث كان طبيعياً أن يفوز بأكبر الغنائم كل من بريطانيا وفرنسا.. وربما ألمانيا، ومن بعدها البرتغال وإسبانيا..

وفي ما حمل هذا المؤتمر ـ كما ألمحنا ـ عنوان «السباق على إفريقيا»، فقد ظل يشكل معلماً في تاريخ العالم المعاصر يدل على ما سبق وأن وصفه الزعيم الروسي فلاديمير لينين حين قال: الاستعمار هو أعلى مراحل الرأسمالية.

محمد الخولي