يعد الجامع الأموي من أشهر معالم دمشق، فضلاً عن كونه رمزاً دينياً بارزاً، أجواؤه الروحانية تخلق تآلفاً ومحبة بين المسلمين القادمين إليه من كل حدب وصوب، كما أن الأذان الجماعي المتوارث منذ العصر الأموي، الذي يرفع في جنباته عند كل وقت صلاة، يعيد الناس إلى زمان كانت فيه الدولة الإسلامية في أشد قوتها وعظمتها.
ويتمتع الجامع، بمكانة دينية وتاريخية عظيمة لدى المسلمين والمسيحيين على السواء، ويحتل موقعاً استراتيجياً مهماً، إذ تحوطه أغلب الأسواق التجارية في دمشق القديمة، ويتاخم ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي من جهة الغرب.
وتبلغ مساحة الجامع حوالي 1500م ويتألف من قسمين (حرم وصحن)، كما يضم ثلاثة مآذن، هي: العروس (أقدم المآذن) وعيسى (وتسمى الآن المنارة البيضاء) وقادباي (نسبة إلى القائد المملوكي قادباي)، فضلاً عن أربعة محارب وقبة تدعى «قبة النسر».
وللجامع أربعة أبواب هي: المسكية والعمارة والنوفرة وباب الصاغة ويضم صحن الجامع قبة تسمى «قبة المال» وكانت مخصصة لمال المسلمين، إضافة إلى «بحرة الساعة»، ويتضمن الحرم مشهد رأس الحسين، رضي الله عنه، ومقام النبي يحيى عليه السلام.
ويعود تاريخ بناءُ الجامعِ الأموي إلى عهد الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك الذي أمر بتشييده عام 705م، مشيراً إلى أن بناء الجامع استغرق عشر سنوات، «حيث استعان الوليد في بنائه بأشهر المعماريين والصناع الدمشقيين، وخصص له الكثير من المال، ليكون أفضل المباني وأعرقها في الدولة الإسلامية».
وأراد الأمويون من بناء الجامع الأموي ليكون لائقاً بعاصمة دولتهم (دمشق)، فقاموا بتوسيع باحاته وتجميله بالنقود والفسيفساء والزخارف البديعة، وتزيينه بأفخم وأجمل الفوانيس وغيرها.
وتشير بعض المصادر إلى أن الجامع أُقيم على أطلال المعبد الروماني جوبيتير الذي أُنشئ في القرن الأول الميلادي، وتحول لاحقاً إلى كنيسة حملت اسم «يوحنا المعمدان»، وعندما اعتنق معظم أهل دمشق الإسلام تحول إلى مسجد.
ويؤكد المؤرخ ابن عساكر أن الوليد بعد انتهائه من بناء الجامع، كان على المنبر يخطب الجمعة، فدخلِ عليه موسى بن نصير وبرفقته موكب كبير جداً، يتألف من ثلاثين أميراً من أمراء الأندلس والشمال الإفريقي، حيث زُفَّ إليه خبر فتح الأندلس، فاحتفل الوليد بالقائد المظفّر وقام بافتتاح جامع بني أمية الكبير».
ولم تقتصر وظيفة الجامع الأموي في العهود الماضية على العبادة، بل تعدتها إلى مختلف الجوانب الثقافية والسياسية والاجتماعية، حيث درّست فيه ثلاث من أمهات المؤمنين، هن حفصة بنت عمر، وأم حبيبة وأم سَلمة، رضي الله عنهن.
كما شيدت إلى جواره قصور الخلفاء والسلاطين، وأشهرها قصر الخضراء، ودار معاوية، ودار الخيل، إضافة إلى بعض الأسواق كالطيب والعنبر والصياغ وغيرها.
وظلَّ الجامع مركزاً للحياة السياسية والثقافية والدينية لأبناء مدينة دمشق لفترات زمنية طويلة، فلم يكن مجرد مكان ديني للعبادة، بل كان له صفة سياسية وتعليمية واجتماعية.
وقد تعرض الجامع خلال تاريخه الطويل إلى عدد من الكوارث الطبيعية كالزلازل، والحرائق المتكررة التي لحقت به جراء الغزوات المتتابعة على مدينة دمشق.
وكان الحريق الأول أيام الفاطميين عام 1860م، حيث رُميت مدينة دمشق بالنيران فاحترقت أجزاء منها، ولحق بالبناء الكثير من الأضرار من جراء هذا الحريق، حيث دمرت الزخارف وبعض لوحاته الفسيفسائية».
وتعرض بعد ذلك لحرائق عدة، كان آخرها في العهد العثماني عام 1873م، ويعتقد المؤرخون إن الحريق نال أجزاء كبيرة من مصحف عثمان رضي الله عنه».
وأجريت عمليات ترميم، لم تمسّ أصالة الجامع ولم تغير تخطيطه العام، أما العناصر الزخرفية فقد طرأ عليها تعديل طفيف، لكنها بقيت ضمن الخط الهندسي الأساسي.
وقد شارك أهل دمشق بعملية ترميم الجامع، فجمعوا التبرعات وتطوّع العمال وأهل المهن للمشاركة في إعادة بناء الجامع، وتمَّ هذا الترميم خلال تسع سنين.
ومنذ ذلك التاريخ لم يلق هذا الصرح المعماري العناية والاهتمام إلى أن أصدر الرئيس الراحل حافظ الأسد مرسوماً جمهورياً عام 1991 م، يقضي بإعادة ترميم الجامع، وإبراز دوره الحضاري والإنساني والثقافي، حتى غدا قبلة السيّاح والمهتمين بفنون العمارة الإسلامية من كل أنحاء العالم.
دمشق ـ حسن سلمان
