تورد الموسوعات العلمية عن نبات اللوتس Lotus أنه نبات مائي مزهر، يحمل شبهاً كبيراً لنباتات زنابق الماء، لكنه ينتمي إلى عائلة مختلفة، وتتميز أزهار نبات اللوتس ببتلاتها الدائرية الكاملة وقرنتها ذات الشكل الأسطواني، والتي تبرز في العادة إلى الأعلى، وعلى مر العصور اعتبر اللوتس نباتاً مقدساً، ورمزاً دينياً مهماً..

ولعل هذا ما دعا المصريين حينما شرعوا في بناء برج لعاصمتهم أن يكون على شكل زهرة اللوتس ذات الدلالات الحضارية العريقة، والتي جعلت من البرج معلما رئيسيا متميزا وتحفة معمارية تتكون من 16 طابقاً مثبتاً على قاعدة من أحجار الغرانيت الأسواني الذي سبق أن استخدمه الفراعنة في بناء معابدهم.. تعالوا نتجول في رحاب البرج وقصة بنائه التي لا تخلو من وقائع مثيرة نتعرف تفاصيلها عبر السطور التالية.

بعد عامين من قيام ثورة يوليو 1952، وبعد أيام قليلة من استلام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر مقاليد الحكم فعليا، بدأ العمل في بناء البرج نهاية عام 1954 عندما تم الاستعانة بالمهندس اللبناني الذي تخرج في جامعة القاهرة نعوم شبيب الذي كان الأول على دفعته وصاحب نظرية خاصة في البناء أطلق عليها نظرية «النخلة»..

وتم بناؤه في نحو 5 سنوات بمشاركة 500 عامل وبتكلفة وصلت إلى 6 ملايين جنيه، أعطتها أميركا ك«هدية» لمصر لتغيير موقفها المؤيد تجاه الثورة الجزائرية والقضايا العربية، إلا أن الرئيس عبد الناصر أخذ المبلغ وأمر ببناء البرج ليكون تجسيداً لرفض مصر التخلي عن عروبتها وحتى تكون أغلى «لا» في التاريخ للرشوة الأميركية، وحتى يعلم المصريين معاني العزة والكرامة..

وهكذا تشكلت معالم البرج في نهاية عام 1960، وعندما تم بناؤه أطلق عليه الأميركان «شوكة عبد الناصر»، ويصل ارتفاع البرج إلى 187 متراً ويفوق ارتفاع الهرم الأكبر الذي يبلغ ارتفاعه عموديا 7 , 146متراً.

أي أن البرج أعلى من الهرم الأكبر بنحو 40 متراً.. عندما يزوره السائح يشعر أنه زار القاهرة بكافة معالمها حيث يرى النيل الخالد والأهرامات الشامخة وأبو الهول وقلعة صلاح الدين والمساجد الأثرية ومنطقة الأزهر ومبنى التلفزيون، من خلال وقفته الشامخة في وسط جزيرة الزمالك على ضفاف النيل يشهد على تاريخ العاصمة المصرية على مدى الخمسين عاما الفائتة.

مناظر خلابة

يستطيع الزائر لبرج القاهرة أن يصل قمته خلال 45 ثانية، ليرى القاهرة بأكملها، ويستمتع بالطبيعة الخلابة التي تحيطه، حيث تضم قمته مطعماً سياحياً على منصة دوارة يحتوي على 19 منضدة تتسع كل منها لـ 5 أفراد وذلك بخلاف الكافتيريا الموجودة في الدور الخامس عشر والتي تقدم العصائر والمشروبات فقط..

يسدد الزائر عند الدخول 5, 3 دولارات للمصريين بما يعادل 20 جنيهاً و5, 11 دولاراً للأجانب بما يعادل 65 جنيهاً حيث يتمتع كل من يدخله بمشهد لن ينساه خاصة منظر النيل وهو يعانق الأشجار القديمة والأثرية ويرى على امتداد بصره الأهرامات الثلاثة وملعب محمود مختار في النادي الأهلي بالإضافة إلى أبرز معالم القاهرة.

ومبنى مجمع التحرير الذي يضم جميع الخدمات الحكومية، حيث توفر إدارة البرج «منظارا» مقابل جنيهين يدفعها الزائر لمشاهدة معالم القاهرة... أما عن دور البرج في حقبة الستينات فلم تتوقف على كونه مزاراً سياحياً، لكنه كان مركزاً رئيسياً لبث الإذاعات السرية والعلنية.

واعتبر المصريون آنذاك أن الحكومة أنشأته بغرض التنصت والتجسس عليهم وتسجيل كل ما يبدر عنهم، حتى أصبح مصدر قلقهم ورعبهم، خاصة أنه لم ينشر أي خبر عن هذا البناء العملاق فزاد الرعب، والسؤال في تلك الأيام كان ممنوعاً، لكن مع بدء بث الإذاعات السرية والعلنية التي كانت تغطي قارتي آسيا وافريقيا لدعم حركات التحرر الوطني بدأ الخوف يتبدل إلى أمن وطمأنينة.

وأصبحت مصر بفضل البرج تحتل المرتبة السادسة في العالم من حيث عدد ساعات الإرسال متعدد اللغات، حيث بدأت بـ 301 ساعة ثم إلى 560 ساعة، وكانت إحدى هذه الإذاعات سبباً رئيسياً في العدوان الثلاثي على مصر.

دهاء مصري

أما عن المبالغ الخاصة بتمويل البرج فلها قصة طريفة تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، حينما أرسل الرئيس الأميركي مع مندوب المخابرات الأميركية مبلغ ثلاثة ملايين دولار لتسليمها لجمال عبد الناصر شخصياً تحت بند منحة مساعدة للدول الصديقة، حيث كان يظن أن مصر سوف تغير موقفها الداعم للثورة الجزائرية.

ورفض عبد الناصر استقبال المندوب الأميركي وأرسل إليه ضابط المخابرات حسن التهامي وتسلم منه حقيبة سوداء كبيرة الحجم تحتوي على رزم نقدية فئة ال100 دولار، قام عبد الناصر بوضعها في خزينة المخابرات وقرر بعدها بناء برج لاسلكي يحمي الجبهة الداخلية لمصر، ومن ثم تحول بعدها إلى برج سياحي.

في حين تشير رواية أخرى إلى أن المخابرات البريطانية رصدت مبلغ خمسة ملايين جنيه استرليني لاغتيال عبد الناصر بالاتفاق مع بعض الحكومات العربية التي كانت تكرهه، وتم تسليم المبلغ لطيار سوري لتنفيذ العملية، إلا أنه حضر إلى القاهرة وقام بتسليمها لجمال عبد الناصر، فأمر ببناء برج الجزيرة.

وصمم عبد الناصر على عقد اجتماع مع المهندس اللبناني قبل وضع التصميم حيث أطلعه عليه ونال إعجابه، فخصص له 5 أفدنة في قلب حي الزمالك.

وطلب منه أن يكون مثل نخيل البلح وبالفعل قام المهندس نعوم شبيب بعدة تجارب أثبت خلالها أن الأرض ترتفع حرارتها وتخرج منها الأشعة ووجد أن الأنبوب الأسطواني يصبح الجو فيه معتدلاً بعد الدور العاشر، ووجد أن الحرارة في الشتاء تقل من درجة إلى خمس درجات والرطوبة تقل من 20 إلى 15 درجة، ما يؤدي للحفاظ على المباني المرتفعة مئات السنين.

ومن هنا قام المهندس بوضع التصميم على شكل زهرة اللوتس الأسطوانية من الداخل، والمفرغة أيضاً بحيث تسمح بتركيب مصعد صغير وسلم حلزوني ووضع في النهاية تصميماً يخصص لتركيب اللاسلكي وأجهزة البث، كان مخصصاً في البداية للعاملين في الإذاعة، بعدها أصبح مزاراً سياحياً للجمهور العربي والأجنبي.

افتتاح رسمي

الغريب أن بناء البرج استغرق خمس سنوات لم يزره خلالها عبد الناصر مرة واحدة وتوقع المواطنون أنه سيحضر حفل الافتتاح إلا أنه لم يفعل، وكلف كمال الدين حسين رئيس المجلس التنفيذي بافتتاحه بدلاً منه، وذلك في حضور صلاح نصر مدير المخابرات المصرية آنذاك وعدد من الوزراء.

وبعد الافتتاح مباشرة أعلنت إدارة البرج عن السعر الرسمي للدخول وكان 10 قروش ووصل متوسط دخول البرج في اليوم الواحد 180 جنيهاً وتجاوز الإيراد عام 1963 أكثر من 30 ألف جنيه، ووصل إلى 33 ألف جنيه بعد أن أصبح سعر التذكرة 25 قرشاً، حتى أصبح الآن نحو 20 جنيهاً للمصري و60 للأجنبي.

ظل البرج على حال بنائه منذ عام 1961 وحتى عام 2006، حيث خضع أخيرا لعمليات ترميم وتجميل استغرقت ثلاث سنوات تقريباً تكلفت نحو 35 مليون جنيه وافتتحه الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء في ابريل من العام الماضي ليرتدي ثوباً أنيقاً يليق به.

شملت عمليات التطوير إعادة طلاء البرج وترميم بعض الأجزاء في جسمه المعدني، بالإضافة إلى ترميم القواعد الخرسانية والجوانب الهندسية والمعمارية، وقامت شركة المقاولون العرب بمعالجة خرسانة البرج وإضافة ثلاث أدوار وهياكل معدنية أسفله، وإنشاء سلم للطوارئ ومصعد للزائرين وتطوير مدخله.

وامتدت عمليات التطوير لتشمل المنطقة المحيطة به، حيث تم رفع كفاءة شبكات الإنارة في الشوارع المجاورة، وأعيد رصفها وتهذيب الأشجار الكثيفة المنتشرة بالمنطقة، والتي تعتبر إحدى علاماتها المتميزة.

حيث تهدف خطة التطوير الأخيرة إلى زيادة عدد الزوار خاصة الأجانب الذين يقضون وقتاً ولو قصيرا بالقاهرة، ووفق المعلومات المتوفرة لدى إدارة العلاقات العامة بالبرج فإن عمليات التطوير لم تشمل الجوانب الهندسية والمعمارية فقط، لكنها شملت أيضاً الخدمات المقدمة للزائر.

حيث كان يوجد بالبرج مطعم واحد، أما الآن فأصبح به مقهى، بالإضافة إلى قاعة مؤتمرات وقاعة مخصصة لكبار الزوار، وكافتيريا في الطابق قبل الأخير لخدمة رواد البرج، حيث أسهم ذلك في زيادة القدرة الاستيعابية له من 120 فردا إلى 700 في وقت واحد.

وتشير المعلومات إلى أن تقنية الصمام الثنائي الضوئي المشع المستخدمة في إنارة البرج تعمل على توفير الطاقة بشكل كبير، حيث تقل الكميات المستهلكة بنسبة 80% عن أنظمة مماثلة تعمل بتقنيات إضاءة تقليدية وهو ما يعني توفير التكاليف والالتزام بالمسؤولية البيئية ليظل برج القاهرة أجمل بانوراما تطل على مدينة القاهرة التي لا تهدأ ولا تنام.

خدمة ـ دار الإعلام العربية