توقف مهندس انجليزي شاب كان يجوب سوق مدينة ورجلة في قلب الصحراء الجزائرية فجأة ،حين لفت انتباهه لافتة علقت على صندوق للسمك الطازج كتب عليها عبارة « سمك الساعة ـ إنتاج محلي» .

المهندس يحسن اللغة الفرنسية التي كتبت بها اللافتة وفهم أن من وضعوها يقصدون بأن السمك « ابن تلك الصحراء القاحلة» التي لا تنتج غير الأفاعي القاتلة والعقارب الخطيرة وسحليات لا تنفع ولا تضر، فضلا عن إنتاج النفط بطبيعة الحال.

سأل مرافقوه «كيف تنتج منطقة بعيدة عن البحر نحو ألف كلم ،ولا تعبرها أنهار أو وديان، سمكا ويسوق على أنه « سمك الساعة؟» وكان الرد ببساطة «السمك تنتجه مزرعة قريبة من هنا».

ومزرعة ورجلة التي حيرت المهندس الانجليزي العامل في مجال النفط ، واحدة من عديد المزارع التي أنشأتها الدولة الجزائرية في الصحراء ومناطق الهضاب العليا البعيدة عن السواحل لإنتاج السمك في المياه العذبة. وزرعت أكثر من عشرين نوعا من أسماك المياه العذبة في السدود المائية المنتشرة عبر البلاد.

وصار من بين السكان الصحراويين المعروفين برعي الابل والماعز صيادو سمك على متن قوارب تماما كما يحدث في المناطق الساحلية. وتعرض في الأسواق تشكيلات من السمك المحلي بأحجام مختلفة.

وأعلن إسماعيل ميمون وزير الصيد البحري وتربية المائيات بأن التجربة نجحت وستشهد تعميما أكثر لاحقا، خاصة بعد تأسيس « مشاتل « في كل من سطيف وسيدي بلعباس متخصصة في تفقيس بيض السمك وإنتاج الفراخ وتوزيعها على عشرات السدود الواقعة بعيدا عن السواحل.

ونتج عن المشروع الكبير وفرة السمك في أسواق المدن الداخلية بما فيها الصحراوية وانخفاضا كبيرا للأسعار وساهم ذلك في تغيير النظام الغذائي لسكان تلك المناطق وتنويعه. وبلغ وزن أسماك سد « عين زادة» بسطيف التي تبعد 100 كلم عن البحر نحو 20 كلغ غراما وهو أمر لم يكن يتوقعه أحد قبل عشرين سنة من اليوم.

ويعتقد سعيد محتاري وهو أستاذ العلوم الطبيعية في مدينة عين صالح بولاية تمنراست بأقصى حنوب الجزائر انه « الأب الروحي» لمشروع زراعة السمك في الصحراء. وقال ان الدولة استنسخت تجربته حين بنى حوضا لتربية أسماك الزينة.

وحقق نجاحا باهرا بحيث صار يصدر أسماكه لمختلف مناطق البلاد، و باع في العام الأول من نشاطة تسعة آلاف سمكة زينة إلى العاصمة وحدها، ما شجعه على بناء عشرة أحواض أخرى، والتخلي نهائيا عمله بالتدريس لمزاولة مهنة كانت بالنسبة له مجرد هواية وصارت تدر علية أرباحا طائلة.

الجزائر ـ مراد الطرابلسي