هو رجل سبعينيّ يقضي أكثر من ست ساعات «مقرفِصاً» عند تقاطع شارعَين يؤدّيان إلى مسرح «مونو»، بمنطقة الأشرفية في بيروت.. ومن بعيد، يبدو منغمساً في «مجّ» سيجارته، قبل أن يدوسها بكعب عصا يحملها في يده لتنطفئ.

تتعدّد الروايات عن ظروف وجوده في المكان، لكن سكان المحلّة يجمِعون على اعتباره «آدمياً» وواحداً من أهل الحيّ، إلى حدّ إلصاق صفة «مختار الحيّ» عليه، ويرفضون وصفه بالمتسوّل، كونه لا يطلب شيئاً من أحد، ويكتفي بشكر من يناوله بضع سجائر أو قليلاً من المال.. أما هو، فيختبئ دوماً خلف ثياب رثّة ولحية مرّت عليها سنوات دون حلاقة.

بين فرحه المعبَّر عنه بابتسامة ترسمها بضع أسنان منخورة بمعظمها وحزن تضيق به عيناه الزرقاوان، يروي «أبو قسّام» (71 عاماً) أنه من وادي خالد (عكار/ شمال لبنان)، حيث قصد فيها المدرسة لمدة أسبوع واحد قبل أن يقرّر أهله إرساله مع الرعيان لأن «العنزات أربَح».

ومن تربية المواشي، انتقل إلى العمل في الزراعة، قبل أن يقرّر «المغامرة» ويحمل ما جمعه من أموال ويتجه إلى بيروت، واثقاً بقدرته على إيجاد وظيفة مميزة.. وبفضل قوته البدنيّة، يقول «أبو قسّام»، وجد وظيفة عند «جوهرجي» مرموق، وعمل عنده ناطوراً سنوات قبل أن ينتقل إلى العمل في ورش البناء.

في أواخر السبعينات تنقّل من منطقة إلى أخرى، وعمل ناطوراً عند أكثر من شخصية مرموقة في بيروت، ما مكّنه من بناء «علاقات متشعّبة» قرّر وضعها جانباً، في مطلع التسعينات، والتوقف عن العمل، ليتفرّغ لحياة أخرى «لا همّ فيها، ولا تشبه حياة الآخرين»، حياة هادئة، جوهرها «مراقبة الحياة دون المسّ بها».

هكذا اختار ابن الوادي التسكّع دون عمل، ودون الدخول في أسباب قراره، موضحاً أن القرية التي يفترض بالمسنّين أن «يتقاعدوا» في رحابها لا تستهويه، تماماً كما العمل في الزراعة.

وإذ لا تشغل باله سوى صورة ابنه الذي غادر مع أمه إلى مصر، عام 1983، قبل أن يبلغ عامه الأول، يبدو «أبو قسّام» المهجور من زوجته المصرية شديد التأثر بهذه الحادثة، فهو لم ينسها رغم مرور عشرات السنين عليها.

أما «البيت» الذي يسكنه في حديقة «مونو»، فهو يخلو من أبسط وسائل الراحة، إذ لم يشأ أن يُحضر ولو تلفازاً لعدم اكتراثه بما يُعرض عليه، فيما هو يقتني مذياعاً قديماً لم يستعمله منذ أكثر من ثماني سنوات ويرفض بيعه «رغم كثرة العروض»، كما يقول، لكونه لا يتابع الأخبار السياسية، ف«كل شي بيصير بالعالم ما بيعنيني».

ومؤكّداً أنه رفض العروض المجانيّة التي قدّمتها له إدارات دور العجزة، لأنه لا يريد أن يمضي ما بقي له من أيام في المأوى «مع الختياريّة والمرضى، الّلي مضيّعين عقولهن ومهمومين بأوجاعهن»، يتهرّب «ختيار مونو» من الإجابة عن السؤال عما سيفعله فيما لو دهمه مرض أو في الأيام المتبقية له على قيد الحياة، متذكراً شبابه، وأيام كان من «القبضايات» الذين تتسابق لجذبهم ورش البناء.

شراهة التدخين

وإذ ينهي سيجارة سادسة بأقلّ من ساعة، يقول إن في منزله مرآة صغيرة يتأمل فيها بين الحين والآخر انعكاس التقدّم في السنّ على وجهه، والتعب.. ويكشف أنه يحادث الربّ يومياً، ويناشده يومياً بشأن كل ما يشغله، وخصوصاً قضية ابنه، ثم يدخن السيجارة مشيراً من جهة أخرى إلى عدم اكتراثه بالنساء بعد تجربته الزوجية، خصوصاً أن «المرا بدّا بيت، وأنا ما عندي بيت».

لا يبحث عمّن يهتمّ به ويطبخ له، اذ تكفيه البطاطا المسلوقة التي يُحسن إعدادها إضافة إلى المعلّبات، وأحياناً بعض المرتديلا، مشدداً على عدم رغبته في أية مساعدة تتيح للغرباء التدخّل في ما لا يعنيهم وتعكّر عليه صفو انكفائه ووحدته الاختيارية.

وختاماً، يتجنّب «أبو قسّام» الكشف عن المأساة التي تسكنه كي لا يبدو ضعيفاً، لكن الرجل المسنّ أسير أزمة عاطفية لم يتخطّها رغم مضي ما يزيد على ربع قرن عليها.

إنها حكايته مع زوجة مصرية سمراء من الصعيد تُدعى خديجة، حملت ابنها وهربت عبر مرفأ بيروت إلى مصر عام 1983، تاركة الزوج حائراً بين اللحاق بها في بلد لا يعرف عنه شيئاً أو البقاء في بيروت محاولاً أن يرى في كل طفل يلتقيه بعضاً من ولده قسّام، والذي تدمع عيناه الزرقاوان كلما بدأ الكلام عنه.

يتحدّث بشوق عن والدته، ويقول إنه طُرد من عمله الأخير لاضطراره للذهاب إلى الوادي للاطمئنان عنها، وقد توفيت بعد عودته إلى بيروت.. ويقول إنه يعيش بين شبحَين يلازمانه في وحدته: أمّه العاتبة عليه وابنه الغائب.. شبحان يجمعهما الرّحيل على «غفلة» ودون وداع.

هكذا، يرسم «أبو قسّام» صورة حياة هامشيّة غريبة.. رجل ينتظر الموت بكبرياء، لا تمسّها الحاجة التي تجبره على انتظار الناس عند مفترق الطريق ليتصدّقوا عليه ببضعة آلاف تتيح له ثمن الدخان وبعض الطعام.. ويبدو في زاوية الصورة لغزاً ثائراً على بعض التقاليد، متمسّكاً بعلاقته الخاصة بربه، وغير آبه بالمستقبل.

بيروت ـ وفاء عواد